كتابات وآراء


الجمعة - 07 أغسطس 2020 - الساعة 01:12 م

كُتب بواسطة : مروان الغفوري - ارشيف الكاتب


هاهو الآن، وهو يسمع أخبار الثورة من أفواه الرجال، تملأه السعادة. لا بد وأن الحرب الكبرى هذه ستضع حداً لكل تلك الحروب الصغيرة، وهذا ما كان يعنيه من شأن الحرب الكبرى، أي حرب كبرى. لم يكن معنياً بالمنتصر ولا المهزوم، ولا بالمسائل التي تفجّر الحروب. رأى الثورة في شكلها الآخر مجرد حرب شاملة انتصر فيها أناس يقولون كلاماً على أناس يقولون كلاماً آخر، أو على أناس يرددون الكلام نفسه بكلمات أخرى. أدرك ببصيرته وكتبه أنه لا قيمة للنصر إذا لم يتمكن الرابح من إخضاع سائر الناس. وأنه لهذا يتشابه كل حكم جديد مع سلفه بعد وقت يطول أو يقصر. كان سعيداً بسبب اندحار الحكم الملكي لا لأنه حكم قهر عموم الناس كما يردد المسافرون في مقهى الحاج زُط، بل لأنه لم يقهرهم بما يكفي. لو أنه قهرهم بما يكفي لمنعهم من خوض حروب ضد أنفسهم. لقد سلبهم الأموال من خلال الإتاوات التي لا ضفاف لها، ولكنه ترك البطش سائباً. كان قصر الملك غير بعيد عن قريته في جبال الشمال، يتذكر، وكانت قبيلته تنزل إلى سهل تهامة وتباغت الفلاحين لتحصل على الرزق. وأحياناً تضرب في تلك الأرض السهلة حتى تبلغ البحر ثم تعود. ترى ما الذي يفعله جدّه الآن، ألا يزال على قيد الحياة؟ كان أكيداً أن كل نظام حكم سيترهل بعد زمن ويتفسّخ، مفسحاً الطريق للحروب المرهقة، الحروب الصغيرة. الحرب الكبرى لا ترهقه لأنها حرب واحدة تصيب كل الناس وتكون في العادة عامرة بالوعود الكبيرة. الحروب الصغيرة هي ما يفزعه، فهي التي اقتلعته من جذوره وهي التي تؤلمه ويخشى أن تواصل إيلام بنيه. لكن، يعزّي نفسه، عادة ما تتراكم الحروب الصغيرة مع الأيام حتى تخلق الحرب الكبرى. هذه الفكرة جعلته يعتقد أن الحرب هي أقدم السكان في أرضه، هي المالك الحقيقي للبلاد وأن فترات السلام ليست سوى استراحة للأخت الكبرى.

صارت له ذرية في الوادي: ولدان، بنت، وزوجة. وسيكون له أحفاد، وسيموت هو يوماً ما. لن يخاف على ذريته من شيء سوى من عادة اليمنيين. وعادة اليمنيين، كما يسميها، هي الحروب الصغيرة. هي العادة السيئة، السرية والجهرية، وهي جنتهم التي لا تشبه أي شكل للجنّة لدى باقي الأمم.

لم يفهم الشيخ أحمد حرباً حتى النهاية. ظن أنها عادة ما تأتي من جهة البحر و كان ذلك التأويل بالنسبة له، كما للآخرين الذين يستمعون إليه، مقنعاً. ليست الحروب فقط هي ما يتذكره الشيخ، بل الثورات أيضاً. في حياته عشرات الثورات، نصفها وقعت عندما كان لا يزال في الوادي. أما النصف الآخر فوصلته أخبارها، من رجُل إلى رجل، بعد أن استقر في الجبل. يعتقد الآن أنها، جميعها بلا استثناء، كانت من صنيع النجوم والكواكب. أطاحت الكواكب بالملك في الشمال، وبعد عام ستغيّر النجوم أقدار الإنجليزي في الجنوب.
"الكواكب لا تقدر على الإنجليز، بل النجوم"
قال وهو يضع ساقاً على ساق، كما لو أنه إنجليزي خسر للتو معركة.

ملأته الحرب الأخيرة بالسعادة. لم يقل إنه انتظرها، وإن كان لهاثه الدائم وهو يتسقّط أخبارها يقول إنه تحرّق شوقاً لعودتها. كان يريدها لأسبابه الخاصة، ينتظر حرباً شاملة توقف كل الحروب الصغيرة.

وسيموت بعد زمن في لحظة نشوة وهو يشاهد حرباً كبرى قادمة. سيموت فجأة بعد أن عجز جسده الشائخ عن احتمال كل تلك السعادة.

هاي هي الثورة وضعت رحالها في البلد وطردت الملك وجاءت بالعسكر الشجعان ومعهم السلام. سيتزوج من جديد، فكّر، وسيرى ما إذا كان بعض أبنائه سيحملون أنفه المعقوفة. لكن عليه أن يأخذ قمر إلى الحج إذن. فعندما سألتْه في الأسبوع الثاني من زواجهما عن أجمل ما فيه قال الإخلاص للنساء. وشعرتْ بغصة في صدرها، وتخيلت عشرات النساء يقفن بباب الشيخ أحمد يطلبن منه الوفاء بالوعد فيلبي الرجل طلبهن بشهامة منقطعة النظير، وربما يصحبهن إلى الحج على ظهور الجمال، تمسك المرأة بقتب الجمل، ويمسك الشيخ أحمد بخصرها من الخلف، صعوداً ونزولاً، وهما يناديان لبيك اللهم لبيك حتى يبلغا مزدلفة. اقشعّر جسدها بالكامل وهي ترى هذا المشهد من الأعلى، وكادت أن تتقيء ما بداخلها لولا أنها كانت صائمة، وكان يوم اثنين أو خميس. لم تجرؤ قط على أن تسأله عن النساء في حياته. يريد الشيخ أحمد أن يرى نفسه، أو وجه جدّه، أن ينظر إلى طفولته مرة أخرى، أن يمطّ أنفاً معقوفة من أرنبتها ويصرخ في صاحبها "هل شممت رائحة أرملة، ها، أخبرني". يفكّر بين الآن والآخر بامرأة ثانية، ويحدث نفسه بأرملة، فقد حمل تلك الرائحة من جبال الشمال البعيدة. رائحة أرملة واحدة تهزم جيشاً، نهره جدّه يوماً ما وهو يراه يخرج من كل الحروب بلا جراح. يتردد في الإقبال على تلك الخطوة لأمرين: ليس بمقدوره تخيّل ردة فعل أسرة قمر. ثم إنه، وهذا أهم ما في الأمر، لا يعرف ما إذا كان السلام الذي جاءت به الثورة سيعيش طويلاً. إذا وضعت الحرب أوزارها فسيتزوج بفتاة بكر، سيدخل بها في ليلة مقمرة وستسمع قبيلته المحاربة، قبيلتها البعيدة، صرختها. أما إذا تفسخ السلام وعادت الحروب الصغيرة لتتفجر بين القبائل، إذا اختلط دحان القرى من جديد فلتكن العروس أرملة. للحروب الأرامل وللسلام الأبكار، حفظ من طفولته.

جاءت الغمامات الرصاصية مراراً وأمطرت، وخفّت قدما الغمامة البيضاء الفارغة. مضت الأيام وأنجبت النساء الأطفال، وسمع الشيخ أحمد أن بعض الناس في أعالي الواديان لم يعودوا يقصّون على أطفالهم حكايات عن الشجاعة، كما كانوا يفعلون. ولى زمن الرماية. "علموا أولادكم صلاة الاستسقاء وصعود الشجر، علموا أولادكم صعود الشجر، علموهم صعود الشجر.." قال خطيب الجمعة في واحدة من الأيام وهو يرفع سبابته وينظر إلى سقف المسجد.

وفي صباح باكر، قبل النور، اصطحب الشيخ أحمد بعض الرجال وذهب إلى المدينة المحاطة بالجدران وانتظر حتى فتحت أبوابها فاشترى طاحونة، وحمل أجزاءها على ظهور الحمير. أثناء عودتهم سلكوا طريقاً آخر يناسب الحمير، وهناك اكتشفوا شيئاً مهولاً. فقد بدأ الحاكم بشق طريق قد يقسم الوادي إلى شطرين. في البدء يقوم العمال بشق الطريق، ثم بتسويته ودكّه بالآلات، ثم يصبون عليه الأسفلت. لم يشاهد مثل هذا الطريق من قبل، وبدا له مريباً. وأكثر ما أفزعه كانت رائحة الطريق الجديد، تشبه رائحة الجن. صار يخرج كل يوم من بيته ويذهب إلى هناك، حيث العمال، ويجلس قريباً منهم. كان الطريق يكبر ببطء، وكان الشيخ أحمد قبل أن يغادر يضع علامات على الأرض ليرى في اليوم التالي ما إذا كان الطريق بالفعل يكبُر. كان العُمّال يتحدثون عن كل شيء، قالوا إن الطائرات سيكون بمقدورها الهبوط على هذا الطريق. قال عامل إن الطائرة يمكنها أن تمشي عليه حتى تبلغ عدن ولن تكون مضطرة للطيران. سمع الشيخ كلاما فهم منه الشيء القليل وتخيل الباقي على طريقته. فالعامل الذي كان اسمه سعد، وكان أكثرهم ثرثرة، قال لزملائه وقد جلس للراحة إن هذا الطريق بني لأمرين اثنين: حتى تتمكن الدولة من الوصول إلى المخرّبين، ولكي يتمكن الجيش من الذهاب إلى الحروب دون عوائق. هنا رفع الشيخ صوته، وكان يجلس على بعد أمتار عديدة، وسأل: ألم تنته الحروب؟ فقال سعد إن الحروب الحقيقية لم تأت بعد، وأن الناس تبني الدول لكي تخوض الحرب لا لتهرب منها.

في تلك الليلة عاد الشيخ إلى بيته وقد حلت الغصة في كل جسده. صباح اليوم التالي ذهب إلى السوق، وهو مكان تباع فيه الماشية والخضرة، وتحدث مع الناس حول الطريق الذي سيشق الوادي إلى نصفين وقد يجلب معه حرباً كبيرة لن تبقي ولن تذر. قال له أحدهم، وكان تاجر ماشية في السابق ويعرف البحر جيداً، إن هناك حرباً بالفعل وما عليه سوى أن يصعد إلى الجبل وينظر باتجاه البحر إذا أراد أن يراها. قال الرجل إن الحروب تبدو عند رؤيتها من أعالي الجبال أكثر روعة مما يظنه أهالي الوديان.

في المساء قالت له زوجته قمر، وهي تحاول أن تهدئ من روعه، إن والدها يملك داراً في الجبل تسكن فيه عمتها بصحبة طفلتها.

تلك الليلة قرر الشيخ أن يترك الوادي، وأن يعهد بالطاحونة إلى الأبّالين.

وفكّر بالبئر كثيراً، ثم اتخذ قراره بشأنها:
ستشرب منها الدولة في طريقها إلى الحرب.

ـــــــ
م. غ.