أعلنت نقابة الفنانين العراقيين، اليوم الجمعة، وفاة الفنان والملحن العراقي الكبير فاروق هلال عن عمر ناهز 91 عاماً، بعد معاناة مع المرض، تاركاً إرثاً فنياً بارزاً أسهم في تشكيل ذاكرة الأغنية العراقية على مدى عقود.
لم يكن فاروق هلال مجرد ملحن عراقي قدم عدداً من الأغنيات الناجحة، بل كان أحد الأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح الأغنية العراقية الحديثة، من خلال رؤيته الموسيقية التي جمعت بين أصالة التراث العراقي وروح التجديد، ليترك بصمة واضحة في مسيرة الفن العراقي امتدت لأكثر من نصف قرن.
وقالت النقابة، في بيان نعي لها حصلت عليه "العين الإخبارية"، إنها تنعى “ببالغ الحزن والأسى رحيل الفنان الكبير فاروق هلال”، سائلةً الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يلهم ذويه ومحبيه وزملاءه الصبر والسلوان.
ويُعد الراحل من أبرز أعلام الموسيقى العراقية، إذ تخرج في قسم الموسيقى بمعهد الفنون الجميلة عام 1957، قبل أن يلتحق بالإذاعة والتلفزيون مطلع ستينيات القرن الماضي، ليبدأ مسيرة فنية حافلة امتدت لعقود، كان خلالها شاهداً على مراحل مهمة من تطور الأغنية العراقية وانتقالها من الإطار التقليدي إلى فضاءات أكثر تنوعاً وانتشاراً.
ولد فاروق هلال في بيئة ارتبطت بالفن والموسيقى، الأمر الذي ساعد على تكوين شخصيته الفنية مبكراً، حيث أظهر اهتماماً كبيراً بالموسيقى وتعلم أصولها، قبل أن يتخصص أكاديمياً في هذا المجال. ولم يعتمد في تجربته على الموهبة فقط، بل جمع بين الدراسة الأكاديمية والخبرة العملية، وهو ما انعكس على أسلوبه في التلحين وقدرته على تقديم أعمال تجمع بين البناء الموسيقي المتماسك والروح الشعبية القريبة من الجمهور.
وخلال مشواره الفني، قدم فاروق هلال عشرات الألحان التي أصبحت من كلاسيكيات الأغنية العراقية، وتعاون مع نخبة من الفنانين، بينهم مائدة نزهت، حسين نعمة، ياس خضر، وعبد الله الرويشد، إلى جانب أسماء فنية أخرى، حيث شكلت ألحانه مساحة للتعاون بين الأصوات العراقية والخليجية، وأسهمت في انتشار الأغنية العراقية خارج حدود البلاد.
ومن أبرز أعماله الفنية: “يا صياد السمج”، و”سألت عنك”، و”خطار أجانا العشك”، و”كالولي راح ومشى”، و”علّمني عليك”، و”تعاليلي”، وهي أعمال بقيت حاضرة في ذاكرة الجمهور لما حملته من ألحان مميزة وكلمات عكست روح المجتمع العراقي ومشاعره وتفاصيل حياته اليومية.
تميز أسلوب فاروق هلال بقدرته على التعامل مع المقام العراقي والإيقاعات المحلية بطريقة متطورة، إذ حافظ على الخصوصية الموسيقية العراقية مع إدخال عناصر جديدة ساعدت على وصول الأغنية إلى جمهور أوسع. وكان يرى أن الحفاظ على التراث لا يعني الجمود، بل يتطلب تطويره وتقديمه بصورة تناسب الأجيال الجديدة.
ولم يقتصر دور الراحل على التلحين فقط، إذ كان له حضور مهم في مجال الإشراف الموسيقي وتكوين الفرق الفنية، حيث أسس عدداً من الفرق الموسيقية التي لعبت دوراً مهماً في تخريج ورعاية أجيال من الفنانين العراقيين، وساهم من خلالها في نشر الثقافة الموسيقية وتعزيز حضور الآلات العراقية التقليدية ضمن الأعمال الحديثة.
كما ارتبط اسم فاروق هلال بالمؤسسات الفنية العراقية، خصوصاً الإذاعة والتلفزيون، اللذين كانا يمثلان المنصة الأبرز لصناعة النجوم وانتشار الأغنيات في العراق خلال عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات. وخلال تلك الفترة، شارك في تقديم أعمال موسيقية شكلت جزءاً من الذاكرة الفنية العراقية، وظلت تُعاد عبر الأجيال.
وحصل الراحل خلال مسيرته على العديد من الجوائز والتكريمات المحلية والعربية والدولية تقديراً لإسهاماته في تطوير الموسيقى العراقية، كما حظي بتقدير كبير من زملائه الفنانين الذين اعتبروه واحداً من أبرز الملحنين الذين حافظوا على هوية الأغنية العراقية وقدموا نموذجاً للفنان الذي يجمع بين المعرفة الموسيقية والالتزام الفني.
ويرى نقاد موسيقيون أن أهمية تجربة فاروق هلال لا ترتبط فقط بعدد الأغنيات التي قدمها، وإنما بالدور الذي لعبه في بناء جسر بين جيل الرواد والأجيال اللاحقة، من خلال دعمه للمواهب الجديدة وحرصه على نقل خبرته الموسيقية إلى الآخرين.
وعلى مدار سنوات طويلة، ظل فاروق هلال حاضراً في المشهد الفني العراقي، سواء من خلال أعماله التي استمرت في الانتشار أو من خلال تأثيره على الملحنين والموسيقيين الذين جاءوا بعده. فقد ترك إرثاً فنياً يعكس مرحلة مهمة من تاريخ الموسيقى العراقية، وسيظل اسمه مرتبطاً بالألحان التي حملت روح العراق وتفاصيله الإنسانية.
برحيله، يفقد العراق واحداً من رموز الموسيقى الذين أسهموا في الحفاظ على مكانة الأغنية العراقية، فيما تبقى أعماله شاهدة على مسيرة فنان اختار أن يجعل من الموسيقى رسالة وهوية وذاكرة للأجيال.