آخر تحديث :الجمعة-30 يناير 2026-11:31م

مقالات


اليمن والسعودية: من إدارة الجوار إلى إدارة النفوذ – ملخص تحليلي

اليمن والسعودية: من إدارة الجوار إلى إدارة النفوذ – ملخص تحليلي

الجمعة - 30 يناير 2026 - 11:19 م بتوقيت عدن

- احمد محمد


العلاقة المبكرة:

اختلال ميزان القوة
منذ تأسيس الدولة السعودية الحديثة، لم تُبنى العلاقة على شراكة أو مساواة، بل على إدارة اليمن بوصفه خط دفاع وساحة للسيطرة الأمنية. هذا النمط الموروث منذ القرن العشرين، ظل حاضراً بأدوات مختلفة حتى اليوم، وجعل اليمن دولة ضعيفة نسبيًا تحت تأثير القوى الإقليمية.

الجذور التاريخية للصراع

بعد انهيار النفوذ العثماني، سعى عبد العزيز آل سعود لتوسيع الدولة نحو جنوب الجزيرة العربية، مستهدفاً مناطق نجران وجيزان وعسير التاريخية اليمنية. انتهت المواجهات العسكرية بحرب 1934 ومعاهدة الطائف، التي كرست التفوق السعودي وفرضت حدودًا بالقوة، لتصبح اليمن مدركة منذ البداية أن فقدان الأراضي جاء على حسابها، بينما ترسخ في السعودية أن القوة هي الضامن الوحيد للأمن الحدودي.

سياسة “اليمن الضعيف”

بعد معاهدة الطائف، اعتمدت الرياض نهجًا ثابتًا: إبقاء اليمن ضعيفًا بما يمنع النهوض، ومستقرًا بما يمنع تهديد الحدود. تجلّى هذا في دعم مشايخ القبائل على حساب مؤسسات الدولة، وتقديم مساعدات خارج الأطر الرسمية، مما عمّق الانقسامات وأضعف الدولة.

بعد ثورة 26 سبتمبر 1962، دعمت السعودية الملكيين لإطالة أمد النزاع واستنزاف الدولة الوليدة.


الوحدة اليمنية والقلق السعودي

شكلت وحدة 1990 مصدر قلق، إذ دولة يمنية موحدة وكثيفة السكان تمثل تحديًا لرؤية السعودية التقليدية للأمن الإقليمي. استخدمت الرياض ورقة العمالة اليمنية وأدوات الضغط الاقتصادية والسياسية لتوجيه السياسات اليمنية، فضلاً عن إدارة علاقاتها عبر شبكات الولاء الشخصية والقبلية ودعم الإخوان المسلمين، مما ساهم في ترسيخ الفساد وإضعاف مؤسسات الدولة.

صعود الحوثيين

الفشل في بناء دولة قوية ومنظمة أو معالجة مناطق الفراغ السياسي، خاصة في صعدة، مهد الطريق لصعود الحوثيين، نتيجة تراكم سياسات الإضعاف وليس مؤامرة خارجية فقط.

خلال انتفاضة 2011، سعت السعودية لاحتواء التغيير عبر القيادات العسكرية والقبلية التابعة للإخوان، وأتاحت المبادرة الخليجية لهذه القوى التمدد داخل مؤسسات الدولة، مما جعل الدولة هشة وانتهى الأمر بسقوطها بيد الحوثيين.


حرب 2015: التدخل المباشر

اعتقدت السعودية أن الحسم العسكري ممكن وأن إعادة الشرعية مسألة وقت. لكن الحرب أفرزت دولة ممزقة، فاعلين مسلحين متعددين، وأزمة إنسانية غير مسبوقة، وكشفت محدودية الاستراتيجية المبنية على القوة وحدها.

التدخل لم يحقق أهدافه، واستمر النفوذ السعودي عبر أدوات غير مباشرة.

مرحلة الاحتواء منذ 2023

انتقلت السعودية تدريجيًا من إعادة تشكيل اليمن إلى احتواء تداعياته، عبر:

المحادثات المباشرة مع الحوثيين

تخفيف القيود على الموانئ

تقديم استثمارات تنموية مشروطة
ومع ذلك، ظل اليمن يُدار كملف أمني لا كشريك استراتيجي.


يناير 2026: استراتيجية فرض النفوذ

غارات على قوات المجلس الانتقالي في حضرموت (سيئون والخشعة) لإرساء السيطرة المباشرة.

إحلال قوات “درع الوطن” الممولة سعودياً لضمان الولاء الأمني الكامل.

تأمين حقول نفط المسيلة وموانئ التصدير، لتعزيز النفوذ الاقتصادي واستخدامه كورقة ضغط.

إعادة إحياء الطموح بإنشاء منفذ استراتيجي إلى بحر العرب، وتحويل الشرق اليمني إلى منطقة عازلة.

دعم أدوات محلية مثل “مجلس حضرموت الوطني” لخلق حكم ذاتي يفتت الكتلة الجنوبية ويحول دون دولة جنوبية قوية خارج المدار السعودي.


الخلاصة والتحولات المستقبلية

كلما ضعف اليمن، شعرت السعودية بالاطمئنان؛ وكلما اقترب من بناء دولة قوية، ارتفع منسوب القلق والتدخل.

العلاقة المستقبلية لن تقوم على إدارة الانقسام أو شراء الولاءات، بل عبر:

معالجة القضايا اليمنية معالجة جذرية

تفكيك مصادر الفوضى وشبكات التنظيمات المؤدلجة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان

احترام تطلعات أبناء الجنوب وحقهم في تقرير شكل علاقتهم السياسية


غياب هذا التحول سيبقي العلاقة اليمنية–السعودية أسيرة التاريخ، مهما تغيّرت أدواتها وعناوينها.