آخر تحديث :الإثنين-05 يناير 2026-12:03م

حوار جنوبي ـ جنوبي سبيل للحل أم أداة للوصاية؟

الأحد - 04 يناير 2026 - الساعة 09:27 ص

عدنان القيناشي
بقلم: عدنان القيناشي
- ارشيف الكاتب


في مشهد يعكس حجم التعقيد الذي وصلت إليه الأزمة اليمنية، أعلنت الرياض إطلاق ما سُمّي بحوار جنوبي ـ جنوبي لمناقشة القضية الجنوبية في اليمن، غير أن هذا الحوار، كما يبدو من ظروف الإعداد له وطبيعة المشاركين فيه، لم يكن نابعًا من إرادة جنوبية خالصة، بقدر ما كان حوارًا مرسومًا سلفًا وفق الرؤية السعودية، وبمشاركة شخصيات سياسية معروفة بقربها من الرياض واستعدادها للسير وفق ما يُملى عليها.

لم يعد الحوار، في هذا السياق، خيارًا سياسيًا حرًا لأبناء الجنوب، بل أصبح أداة تُفرض بالقوة وتحت ضغط الواقع العسكري والسياسي، فكيف يمكن الحديث عن حوار حر في بلد يُدفع أطرافه إلى طاولة النقاش تحت وقع القصف، والضغوط الاقتصادية، والوصاية السياسية، وبذريعة الحفاظ على الأمن والاستقرار، إن منطق نفّذ ثم ناقش يعكس سياسة استقواء واضحة تُمارس اليوم على المناطق الجنوبية المحررة، حيث يتم تهميش الإرادة الشعبية لصالح أجندات إقليمية.

تسعى المملكة العربية السعودية، وفق هذا المسار، إلى فرض وصايتها على الشأن اليمني شمالًا وجنوبًا، متجاوزة الأطر القانونية المعروفة لمعالجة قضايا الشعوب، سواء عبر الأمم المتحدة أو الجامعة العربية أو غيرها من المرجعيات الدولية والعربية، فمن المتعارف عليه أن قضايا تقرير المصير وحقوق الشعوب لا تُحل عبر وصاية دولة بعينها، بل من خلال مسارات قانونية تضمن العدالة والتمثيل الحقيقي للإرادة الشعبية.

وبالنظر إلى القضية الجنوبية تحديدًا، تتضح نوايا الرياض في حصر هذه القضية ضمن إطار وحدة اليمن بصيغ جديدة، كالأقاليم أو الفيدرالية، بعيدًا عن أي حديث جاد عن حق الاستفتاء أو تقرير المصير أو خيار الاستقلال، ويبدو أن الهدف هو تقزيم القضية الجنوبية، وإغراقها في دوامة من المكونات والكيانات التي تعارض تطلعات شعب الجنوب، وتعمل على إضعاف صوته السياسي الموحد.

لقد عاش الجنوب سنوات طويلة من الظلم والقهر في ظل وحدة لم تحقق له العدالة ولا الشراكة الحقيقية، بل مارست خلالها قوى وأحزاب يمنية سياسات إقصاء وتهميش، واليوم، يرى كثيرون أن هذه الممارسات تتكرر بصيغة مختلفة، من خلال قيادة التحالف، حين جرى استخدام الغطاء الجوي إلى جانب قوات شمالية، وإعادة تموضعها في مناطق حساسة من شرق الجنوب، وهي مناطق ذات أهمية اقتصادية كبرى لاحتوائها على ثروات نفطية.

وفي الوقت الذي كان يُفترض فيه البحث عن حلول سياسية عادلة وشاملة، تستبق الرياض أي حلول جذرية بفتح ملف الحوار الخدمي والمعيشي في المحافظات الجنوبية المحررة، ولا يخفى على أحد ما تعانيه هذه المناطق من تدهور حاد في الخدمات الأساسية، وتأخر المرتبات، وتردي الأوضاع المعيشية منذ سنوات، دون أن تُقدّم حلول حقيقية وجادة من قبل التحالف، وعلى رأسه السعودية.

يرى كثير من المراقبين أن هذا الإهمال المتعمد للملف الخدمي والمعيشي لم يكن عجزًا بقدر ما كان أداة ضغط سياسية، أو ما يمكن وصفه بالتركيع السياسي، عبر سلاح المرتبات والخدمات، بهدف إخضاع الشارع الجنوبي وتمرير أجندات سياسية محددة، واليوم، ومع رعاية الرياض لهذا الحوار، تتكرس صورة الوصاية بشكل أوضح، حيث تُفرض الرؤى، وتُختار الشخصيات، ويُحدد سقف النقاش، بعيدًا عن تطلعات الشعب الحقيقية.

إن حوارًا يُراد له أن يكون مدخلًا للحل، لا يمكن أن ينجح ما لم يكن حرًا، مستقلًا، ويعكس إرادة الناس لا إرادة الوصي، فالقضية الجنوبية، وغيرها من قضايا اليمن، ليست ملفًا يمكن تسويته بإملاءات سياسية أو حلول شكلية، بل قضية شعب له الحق في أن يختار مستقبله بحرية وكرامة، بعيدًا عن الضغوط والوصاية، وأيًا كان مصدرها.

اليوم تتكرس ملامح الوصاية السعودية بشكل واضح على ما يُسمّى بالحوار الجنوبي ـ الجنوبي، حيث تضع الرياض نفسها طرفًا مهيمنًا وموجّهًا لمساره، وتفرض رؤيتها ومخرجاته عبر شخصيات سياسية معروفة بولائها وطاعتها للحكومة السعودية، هذه الشخصيات، التي أنهكها الزمن وشابها العمر، وتجاوزها الواقع السياسي، تُستَخدم كأدوات لتمرير إملاءات لا تعبّر عن الإرادة الشعبية، بقدر ما تعكس رغبة الوصي في التحكم بمسار الحوار وتحديد سقفه ونتائجه.