آخر تحديث :الخميس-26 فبراير 2026-02:30م

اخبار وتقارير


السعودية وإعادة إنتاج التطرف في الجنوب

السعودية وإعادة إنتاج التطرف في الجنوب

الخميس - 26 فبراير 2026 - 11:58 ص بتوقيت عدن

- تقرير/ جهاد محسن:



ما يحدث اليوم في الجنوب اليمني ليس تطوراً عابراً ولا نتيجة فراغ أمني طارئ، بل امتداد لمسار بدأ منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، حين قررت السعودية أن تدير نفوذها في اليمن عبر البوابة الدينية والأيديولوجية، لا عبر الشراكة السياسية المتوازنة، ومنذ تلك اللحظة دخل الجنوب في معادلة إعادة تشكيل فكرية وعسكرية ما زالت آثارها تتجدد حتى اليوم.
منذ 1990م استخدمت السعودية جماعات التطرف كأداة لإدارة نفوذها وتحديداً في الجنوب، وكلما خف سلوك تنظيم الإخوان والقاعدة المتطرف، أُعيد إنتاج البيئة التي تسمح بظهوره.
اليوم يقف الجنوب أمام مفترق طرق، إما تثبيت مسار المواجهة ضد التطرف، أو السماح بإعادة تدوير المشروع ذاته بأسماء وأدوات جديدة، وبجذر واحد لم يتغير، بعدما كانت دولة الإمارات شريكاً أساسياً في تفكيك البنية العسكرية للتنظيمات الإرهابية ومنع سقوط الجنوب في قبضة إمارة متشددة.
الجذور التاريخية – من الوحدة إلى حرب 7 يوليو 1994م

عقب إعلان الوحدة اليمنية في مايو 1990م، تأسس حزب الإصلاح بدعم وتمويل سعودي مباشر، ليكون أداة مواجهة للتيار الاشتراكي الجنوبي، لم يكن الهدف سياسياً صرفاً، بل أيديولوجياً بامتياز، عبر إدخال المدرسة الوهابية إلى عمق المجتمع اليمني، وتحديداً في الجنوب الذي كان ينظر إليه باعتباره بيئة مدنية مختلفة فكرياً واجتماعياً.
جرى استقطاب ما عرف بالمجاهدين اليمنيين العائدين من أفغانستان، عبر وساطات وتحركات قادها رموز في حزب الإصلاح، أبرزهم عبد المجيد الزنداني، لإعادتهم إلى اليمن تحت عنوان "مواجهة الشيوعية"، هؤلاء لم يعودوا إلى مجتمع مدني، بل إلى معسكرات تدريب في أبين وشبوة، تم إعدادهم سياسياً ودينياً للمرحلة التالية.

7 يوليو 1994م: الحرب بغطاء ديني

مع اندلاع حرب 7 يوليو 1994م ومع إعلان فتاوي التكفير لقادة حزب الإخوان اليمني دخلت تلك العناصر الجهادية المعركة إلى جانب قوات الشمال وحزب الإصلاح، سبقت الحرب موجة اغتيالات طالت قيادات الحزب الاشتراكي، في مناخ تعبوي منح الصراع بعداً تكفيرياً صريحاً.
انتهت الحرب بانتصار تحالف صالح والإصلاح والعناصر الجهادية، وبدأت مرحلة فرض خطاب الغلو في الجنوب، تحطيم القبور، وتسييس المساجد، نشر الكتب المتطرفة وفتاوى تكفيرية، وفتح المجال أمام انتشار المعاهد الدينية ذات المرجعية الوهابية، وعلى رأسها معاهد دماج التي أسسها مقبل الوادعي القادم من بيئة علمية دينية سعودية.
منذ تلك اللحظة لم يعد التطرف حادثة معزولة، بل أصبح بنية فكرية تتغلغل في الجنوب برعاية سياسية إقليمية واضحة.

1998م – 2011م: موجات الإرهاب والتمدد

ظهور ما سمي بجيش عدن وأبين بقيادة زين العابدين أبو بكر المحضار (أبو حسن)، وإعدامه عام 1998م في قضية قتل السياح الأجانب، لم يكن نهاية الظاهرة حيث استمرت الاغتيالات والتفجيرات في الجنوب، وتوسعت الشبكات المتشددة.
مع انهيار نظام علي عبد الله صالح في 2011م أستغل تنظيم القاعدة الفراغ وتمكن في مايو 2011م من فرض سيطرته على أبين وشبوة، لم يكن ذلك انفجاراً مفاجئاً بل نتيجة بيئة أُسست منذ 1994م وأُعيد تدويرها سياسياً وأمنياً.
في مايو 2012م تمكنت قوات جنوبية بقيادة الشهيد اللواء سالم علي قطن من طرد التنظيم المتطرف، لتخفت الظاهرة مؤقتاً دون أن تجتث جذورها الفكرية.

2015م: حضرموت بين الفوضى وصفقة الحدود

في مارس 2015م ومع اندلاع الحرب التي قادتها السعودية تحت عنوان "إعادة الشرعية"، عاد المشهد أكثر تعقيداً حيث سهلت السعودية سيطرة تنظيم القاعدة على حضرموت، في لحظة كانت الرياض ترفع فيها شعار حماية وتأمين حدودها من الحوثيين.
تزامنت هذه المرحلة مع صفقة الإفراج عن نائب القنصل السعودي عبدالله الخالدي، ودعم عناصر القاعدة بالمال والسلاح لمواجهة الحوثيين، ما فتح تساؤلات واسعة حول طبيعة الترتيبات التي سبقت، أو رافقت تمدد التنظيم.
استمرت سيطرة القاعدة حتى أبريل 2016م، وكانت المحافظة المدنية الساحلية على وشك التحول إلى إمارة متشددة مفتوحة على البحر.

2016م: الإمارات وكسر مشروع الإمارة

في أبريل 2016م نفذت القوات الجنوبية، بدعم وإسناد مباشر من دولة الإمارات العربية المتحدة، عملية عسكرية حاسمة أنهت سيطرة تنظيم القاعدة على حضرموت خلال أيام قليلة.
لم يكن ذلك مجرد انتصار ميداني، بل نقطة تحول استراتيجية أغلقت الباب أمام قيام كيان متطرف على الأرض الجنوبية، حيث امتد الدعم الإماراتي إلى إعادة بناء وتدريب قوات جنوبية متخصصة في مكافحة الإرهاب، أسهمت في تفكيك خلايا متشددة في محافظات عدن وأبين وشبوة، ومنعت عودة التنظيم بصورته السابقة.
لو لم يتم ذلك التدخل لكانت عدن ومحافظات الجنوب تعيش اليوم سيناريو مختلفاً تماماً، وربما تحولت عاصمة الجنوب لكيان متشدد يهدد الإقليم بأسره.
2026م: إعادة التشكيل بصيغة أخرى
لكن الفكرة لم تختفي اليوم لتعود عناصر التطرف بصيغة جديدة، عبر تشكيلات عسكرية ذات طابع سلفي متشدد مدعومة وممولة من الرياض، وتحت مظلة دعم "الشرعية"، وفي الوقت ذاته استمرت في تمكين حزب الإصلاح داخل مؤسسات الدولة، وتوسيع حضوره العسكري في محافظات الجنوب، وغيرها، ما يعيد إنتاج المعادلة القديمة بفرض نفوذ أيديولوجي متشدد داخل بنية الدولة المدينة والعسكرية، تحت غطاء رسمي، بما يضع الجنوب مجدداً أمام خطر (أفغنة) المشهد.
هذا المشهد تناوله تقرير صادر عن مؤسسة Foundation for Defense of Democracies في واشنطن والذي حذر فيه من نفوذ حزب الإصلاح داخل الحكومة اليمنية، وتأثير ذلك على جهود مكافحة الإرهاب، ويبرز أهمية التقرير ليس فقط في مضمونه، بل في كونه يعكس نقاشاً داخل دوائر صنع القرار الأمريكي حول طبيعة القوى المؤثرة في المشهد اليمني.
خلاصة ما يحدث في الجنوب اليوم ليس مجرد انتشار عسكري، بل إعادة تشكيل لقوى مسلحة ذات خلفية أيديولوجية متشددة تحظى بدعم ورعاية سعودية، الخطر لا يكمن في السلاح وحده، بل في العقيدة المتشددة التي تحمله، حين تتحول التشكيلات إلى أداة لفرض تصور ديني أحادي ما زال في طور التطور ليظهر إلى العلن داخل مجتمع متنوع في المرحلة القادمة.
الجنوب جرب سابقاً نتائج توظيف الأيديولوجيا الدينية في الصراع السياسي، ودفع ثمن ذلك استقراره الذي كاد يعصف بنسيجه الاجتماعي.
إن استمرار السعودية في تمكين تشكيلات ذات طابع عقائدي ينذر بدورة جديدة من التوتر قد تعيد إنتاج بيئة التطرف تحت غطاء رسمي.
وحين يستخدم الدين كأداة نفوذ إقليمي، ويمنح السلاح غطاءً أيديولوجياً، فإن النتائج لا تبقى محصورة في إطار عسكري، بل تمتد لتهدد مستقبل الجنوب بأكمله.