كتب شعراء الجاهلية المعلقات فباتت أشهر القصائد في العصر الجاهلي، كتبها كبار الشعراء العرب مثل امرؤ القيس، زهير بن أبى سلمي والحارث بن حلزة، وعنترة بن شداد وغيرهم وسُميت المعلقات لأن العرب كانوا يختارون أجود القصائد، فيكتبونها بماء الذهب ويعلقونها على أستار الكعبة، تقديرًا لمكانتها؛ ورغم اعتراض البعض على صحة هذا الفعل، إلا أن الأدلة التاريخية تُثبت معرفة العرب بالكتابة وأهمية الشعر عندهم؛ هذه القصائد تمثل سجلًا أدبيًا لحياة العرب، وتُعد من أرقى ما وصل إليه الشعر العربي في الجاهلية، مما جعل العلماء يهتمون بشرحها وتحليلها عبر العصور.
وقد ذكر المؤرخون للأدب العربي أنه قد بلغ من حب العرب للشعر وتفضيلهم إياه أن عمدت إلى سبع قصائد- على الأشهر- تخيرتها من الشعر القديم فكتبتها بماء الذهب، وعلقتها في أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهَّبة امرئ القيس، ومذهبة زهير والمذهّبات السبع، وقد يقال: لها المعلقات كما جاء في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه.
وقد نقل البغدادي ما يشبه هذا الكلام، ثم قال: ذكر ذلك غير واحد من العلماء، وقيل: كان الملك إذا استجاد قصيدة يقول: علقوا لنا هذه لتكون في خزانته وفق لكتاب خزانة الأدب ولب لباب العرب للبغدادي.
وقد تعرض مصطلح المذهبات والمعلقات لشيء من النقد والاعتراض من بعض القدماء والمحدثين من مؤرخي الأدب، وقد اعتمد هذا الاعتراض الذي كان في غالبه من المستشرقين على أساسين: الأول أن العرب لم يكونوا في العصر الجاهلي أمة كاتبة حتى تسجل شعرها وتكتبه ثم تعلقه، والثاني: أن الكعبة لها من القداسة والاحترام ما لا يبيح لأحد أن يُعلِّق فيها شيئا من الأشعار أو غيرها. وواضح أن هذا الاعتراض بشقّيه مردود عليه.
فشبهة أن العرب كانوا أمة لا تعرف الكتابة، أمر غير صحيح، ويكفي أن نشير إلى موقف مشركي مكة في بداية الدعوة الإسلامية، وقد اتفقوا على مقاطعة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومقاطعة أقربائه الذين يحمونه من أذى قريش، وبخاصة أهله من بني هاشم وبني عبد المطلب، وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة، ولمّا لم تجدهم نفعا تلك المقاطعة، وأحسّوا بفشل هذه المحاولة، ذهبوا إلى الكعبة لنقض الصحيفة، فوجدوها قد تآكلت، ولم يبق من المكتوب فيها إلا اسم الله عز وجل كما جاء في سيرة ابن هشام.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن في العرب قبل الإسلام من كان يعرف الكتابة وفقا لموقع وزارة الأوقاف.
أما شبهة أن الكعبة لقداستها لم يكن يباح لأحد أن يعلق فيها شيئا فقد ثبت أنهم كانوا لا يعلقون في الكعبة إلا كل أمر ذي شأن له خطورته وأهميته في نظرهم.
ومعروف أن الشعر أيضا كان ديوان العرب، وهو سجل حياتهم ومعقد شرفهم وافتخارهم ومن ثم كان اعتدادهم بهذه القصائد التي كانت جديرة في تقديرهم بأن تعلق فى الكعبة، شأنها في ذلك شأن كل شيء له مكانته وأهميته عندهم، ومن هنا كان إطلاق المعلقات على هذه القصائد التي اختاروها من عيون شعرهم لأبرز شعرائهم ومن المعلوم أن هذه القصائد المعلقات تعد أول ما دُوِّن من مصادر الشعر الجاهلي.