آخر تحديث :السبت-06 يونيو 2026-10:12م

مقالات


مهرجان يافع للتراث ينتصر لاستعادة الدولة الجنوبية

مهرجان يافع للتراث ينتصر لاستعادة الدولة الجنوبية

السبت - 06 يونيو 2026 - 08:33 م بتوقيت عدن

- ((المرصد))خاص:

كتب : د. يحيى شائف ناشر الجوبعي

أ- المقدمة.
لا يمكن مقاربة مهرجان يافع التراثي لعام ٢٠٢٦م من خلال أدوات التحليل الأنثروبولوجي الكلاسيكي الذي يختزل المناسبات الشعبية في أبعادها الفلكلورية بل أن الضرورة المعرفية والسياسية تقتضي تحليله بوصفه تجليا للوعي الجمعي الجنوبي وفصلا من فصول المقاومة الأنطولوجية (لإثبات الوجود الجنوبي) في لحظة تاريخية حرجة تتسم بمحاولات العدمية السياسية والتبديد الوجودي للمشروع الوطني الجنوبي.
إن هذا الحدث الكرنفالي في جوهره هو موجة ارتدادية واعية، جاءت لترد على جملة من المتغيرات العاصفة، بدءا من الضربة السعودية الغادرة التي استهدفت القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة، مرورا بالانقلاب الممنهج على الشراكة وما نتج عنها من قرارات عدوانية إقصائية، وصولا إلى حرب الخدمات ومخططات تفكيك بنية المجتمع الجنوبي العربي

ب-تحليل المحاور الرئيسية .

وتجسيدا لدلالات ومعاني مهرجان يافع التراثي ٢٠٢٦م سنتناول المحاور الرئيسية للموضوع بالقراءة والتحليل على النحو الآتي :

أولا : فلسفة التراث كمقاومة وجودية ضد سياسة التفتيت.

في الفلسفة السياسية يعد التراث بمثابة (المشترك الأصلب ) الذي تلجأ إليه المجتمعات عندما تتعرض هويتها الوطنية لمهددات مصيرية ، ولاسيما حين تشتد الحروب الناعمة والصلبة بهدف (تفتيت الحاضنة الشعبية وافتعال الأزمات الاقتصادية ، وتجويع الشعب وغيرها) ،ولهذا يتحول إحياء الموروث اليافعي خاصة والجنوبي عامة من مجرد بهجة عيدية إلى (فعل سيادي ).
إن الجماهير المحتشدة في جبال يافع تعيد إنتاج تاريخها ليس نكوصا نحو الماضي، بل للاحتماء به بهدف صياغة الحاضر ؛فالتراث هنا هو (الدرع الثقافي) الذي يفشل مخططات تسييل قضية شعب الجنوب ، ويؤكد للداخل والخارج أن هذا الشعب يمتلك جذورا تاريخية وهوية مستقلة غير قابلة للدمج القسري أو التبعية المفروضة.

ثانيا : تفكيك الجغرافيا والسياسة (جدلية يافع وحضرموت)

شهد عام ٢٠٢٦م محاولات حثيثة من بعض الأطراف الإقليمية والمحلية لـبعثرة الجسد الجنوبي ، وكان استهداف القوات الجنوبية في حضرموت يمثل محاولة لقطع ذراع الجنوب الاقتصادية والاستراتيجية.
هنا تجلت عبقرية المكان في يافع ؛ فالمهرجان تحول فلسفيا إلى مركز ثقل أخلاقي وعسكري مضاد فرقصات (البرعة) وصداها في الجبال لم تكن مجرد إيقاعات، بل كانت رسائل باليستية مشفرة مفادها أن الجسد الجنوبي غير قابل للتجزئة، وأن أي محاولة لعزل حضرموت أو ضرب بنيتها ستقابل باستدعاء المخزون البشري والعسكري الهائل الكامن في جبال يافع وبقية محافظات الجنوب لأنه الرد الفلسفي على وهم تفكيك النسيج الاجتماعي الجنوبي.

ثالثا: دلالات الثالوث الرمزي والتنظيمي (للخطاب القيادي)

اكتسب مهرجان ٢٠٢٦م مشروعية سياسية ومؤسسية بالغة الأهمية عبر ثلاثة خطابات تكاملت لتعبر عن وحدة الوجود والهدف:
١- الخطاب الرمزي والسيادي (برقية الرئيس عيدروس الزبيدي)
حملت تهنئة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي للشيخ عبد الرب النقيب ورفاقه دلالة فلسفية عميقة حول (مأسسة الرمزية الثورية). فالرئيس عيدروس الزبيدي بوصفه رئيس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية لم يبعث ببرقية بروتوكولية، بل بعث بـوثيقة اعتراف سياسي بالعمق الاستراتيجي الحاضن للثورة الجنوبية هذه التهنئة تشير إلى الامتداد العضوي بين القيادة السياسية العليا والقاعدة الشعبية والقبلية، مبرهنة على أن محاولات الإقليم لمحاصرة الرئيس الزبيدي أو الضغط عليه لتفكيك الانتقالي تتحطم عند امتلاكه لهذه الحواضن الصلبة.
٢- الخطاب الأخلاقي والمرجعي (كلمة الشيخ عبد الرب النقيب)
يمثل الشيخ عبد الرب النقيب (عضو هيئة الرئاسة والمرجعية الجنوبية) صوت الحكمة والسيادة الروحية والقبلية في زمن المحاولات الحثيثة لبعثرة الفعل الثوري عبر شراء الولاءات وتفريخ المكونات الكرتونية،لهذا جاء خطاب المرجعية ليعيد ضبط البوصلة الأخلاقية حين أعلن الخطاب بوضوح أن القبيلة الجنوبية ليست أداة للمساومة أو التبعية للمال السياسي، بل هي حارس أمين للمشروع الوطني التحرري، وأن يافع تضع كل ثقلها التاريخي في خدمة الهوية الجنوبية الكلية من المهرة إلى باب المندب.
٣- الخطاب التنفيذي والحركي (كلمة الوفد بقيادة القائد وضاح الحالمي)
جسد حضور وفد الأمانة العامة برئاسة الأخ وضاح الحالمي (القائم بأعمال الأمين العام للأمانة العامة) ديناميكية الفعل الثوري والتنظيمي للمجلس الانتقالي ، إذ يعكس هذا النزول الميداني والالتحام المباشر بالجماهير فلسفة سياسية ترفض العزلة في الغرف المغلقة بعدن.
وقد حول خطاب الحالمي الطاقات الحماسية للمهرجان إلى مواقف سياسية حاسمة، مسميا الأشياء بمسمياتها؛ حيث أدان (الانقلاب على الشراكة) وحرب الخدمات، محولا المعاناة المعيشية من أداة لتركيع الشعب إلى وقود يشحذ الإرادة الثورية لمواجهة سياسات الإقصاء والتجويع.

رابعا : محاكمة حرب الخدمات وإسقاط رهانات التفكيك.

تراهن القوى المعادية للمشروع الجنوبي على أن إطالة أمد حرب الخدمات نحو اختلاق (الأزمات الاقتصادية المفتعلة، وقطع الرواتب، وتدهور المعيشة وافتعال أزمات الكهرباء وغيرها) ستؤدي بالضرورة إلى كسر إرادة المجتمع وإدخاله في حالة من اليأس السياسي.
لكن تفنيد المشهد في يافع ٢٠٢٦م يقودنا إلى نتيجة فلسفية مغايرة تماما مفادها : إن الشعوب الحية عندما تحارب في قوتها ، لا تتخلى عن سيادتها، بل يزداد تمسكها بهويتها كخيار وحيد للخلاص.
ولهذا تحول الجوع والتضييق في خطابات المهرجان من أداة إنهاك إلى محفز ثوري للاستقلال الكامل ؛ فالكرامة الوجودية عند الإنسان الجنوبي سبقت في أولويتها الحسابات السياسية الضيقة.

ج- الخلاصة.

إن مهرجان يافع التراثي لعام ٢٠٢٦م ، بقراءته الفلسفية السياسية وتكامل أبعاده هو (بيان للصمود والرفض المطلق) لأنه يثبت أن مشروع استعادة الدولة الجنوبية المستقلة ليس شعارا عابرا ، بل هو حتمية تاريخية صاغها وعي الجماهير ، وحمتها بندقية المقاتل، ووجهتها حكمة المرجعية وثبات القيادة.
لقد أراد الخصوم من خلال عملية الغدر في حضرموت وحرب الخدمات في عدن بعثرة وتفكيك المجتمع الجنوبي ، فجاء الرد من جبال يافع الشماء ليعيد تجميع المبعثر ورص الصفوف ، مؤكدا أن الروح الثورية للجنوب عصية على التدجين ، وأن الهوية الوطنية الجنوبية هي الحقيقة الأزلية الشاخصة التي لن تمحوها المؤامرات العابرة ولن يخذلها المتخاذلون .