آخر تحديث :الأحد-21 يونيو 2026-07:23م

الفن والأدب


في ذكرى ميلاده.. لماذا لا يزال عبد الحليم حافظ رفيق الحب والخيبة والحنين ؟

في ذكرى ميلاده.. لماذا لا يزال عبد الحليم حافظ رفيق الحب والخيبة والحنين ؟
عبد الحليم حافظ

الأحد - 21 يونيو 2026 - 04:59 م بتوقيت عدن

- المرصد خاص

ليست كل الحكايات تُروى من البداية. بعضها يبدأ من جرح صغير، من غرفة مغلقة، من شريط كاسيت يدور في عزلة طفل أصابته الحصبة، فوجد في صوت عبد الحليم حافظ ما يشبه اليد التي تُمسك بقلبه حتى لا يسقط. هناك، عند أول تماس بين الألم والصوت، تبدأ العلاقة الحقيقية؛ علاقة لا تُقاس بعدد الأغاني، بل بعمق ما تتركه في الروح.

في طفولتي، حين داهمني مرض الحصبة، لم يكن الوجع جسديًا فقط، بل كان عزلة كاملة. خوف الأهل على بقية الأطفال من العدوى، وصمت الأيام الطويلة، وطفل يُترك وحيدًا في مواجهة عالم لا يفهمه بعد. في تلك اللحظة، لم يكن هناك صديق، ولا حكاية تُقال؛ كان هناك فقط شريط كاسيت يدور، وصوت حليم ينساب من جهاز صغير كأنه نافذة مفتوحة على عالم آخر.

كانت أغنية نبتدي منين الحكاية تُعاد بلا ملل، وكأنها لا تُغنّى، بل تُربّت على قلب طفل خائف. لم أكن أفهم كل الكلمات، لكنني كنت أفهم الإحساس؛ ذلك الدفء الغريب الذي يجعل الوحدة أقل قسوة. كان حليم هناك، في تلك العزلة الصغيرة، يشاركني وحدتي ويخفف وطأتها، كأنه يعرف أن هذا الطفل يحتاج إلى صوت يطمئنه أكثر من أي شيء آخر.

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد صوت حليم مجرد طرب، بل صار ذاكرة. صار جزءًا من تكويني العاطفي، ومن الطريقة التي أشعر بها، وأتذكر بها، وأحزن بها.

حين ظهر حليم في خمسينيات القرن الماضي، لم يكن المشهد الغنائي ينتظر ثورة، لكنه صنعها بهدوء. نقل الأغنية من فضاء الاستعراض إلى كرسي الاعتراف. لم يعد المغني يُطرب فقط، بل يبوح. هذه النقلة الدقيقة غيّرت كل شيء: طريقة الكتابة، وبناء اللحن، والأهم من ذلك علاقة الجمهور بالغناء.

مع شعراء مثل مرسي جميل عزيز، وحسين السيد، وعبد الرحمن الأبنودي، ونزار قباني، ومحمد حمزة، لم تعد الكلمات مجرد زخرفة شعرية، بل أصبحت لغة يومية مصقولة بالألم والحنين. ومع ملحنين مثل محمد عبد الوهاب، ومحمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي، أصبح اللحن امتدادًا للنص لا خلفية له. أما صوت حليم، فكان الجسر الذي عبرت عليه هذه العناصر كلها إلى قلب المستمع.

في نبتدي منين الحكاية و"موعود" و"قارئة الفنجان" لا نسمع قصة حب فحسب، بل نسمع قدرًا يُكتب ببطء. وفي رسالة من تحت الماء لا نسمع غريقًا فقط، بل نسمع اللغة نفسها وهي تختنق. تلك القدرة على تحويل الأغنية إلى تجربة إنسانية كاملة هي ما جعلت حليم لا يُستهلك، بل يُعاد اكتشافه مع كل جيل.

لم يكن حليم الأقوى صوتًا، ولا الأكثر استعراضًا، لكنه كان الأكثر صدقًا. صوته يحمل ارتجافة لا يمكن تزييفها، ارتجافة إنسان يعرف أن الزمن ليس في صفه. مرضه الطويل لم يكن خلفية بعيدة، بل كان حاضرًا في نبرة صوته، وفي توقفاته، وفي طريقته في نطق الكلمات.

لهذا، حين يقول: موعود معايا بالعذاب، لا يبدو كمن يغني، بل كمن يوقّع اعترافًا شخصيًا. وحين يهمس، تشعر أن الصوت يخرج من جرح لا من حنجرة. غير أن سر تأثيره لم يكن المرض وحده، بل قدرته الاستثنائية على تحويل تجربته الشخصية إلى إحساس جماعي يتعرف إليه ملايين المستمعين.

هذه الهشاشة كانت سر قوته؛ لأنها جعلت المستمع لا يقف على مسافة من الأغنية، بل يدخل إليها ويصبح جزءًا منها.

لماذا لا يزال عبد الحليم حافظ رفيق الحب والخيبة والحنين ؟
لأن منجزه لم يكن مرتبطًا بموضة فنية عابرة، بل بطبيعة الإنسان نفسها.

لأنه لم يغنِّ عن الحب كما ينبغي أن يكون، بل كما هو بالفعل: مترددًا، مؤلمًا، جميلًا، وغير مكتمل.

ولأن صوته لم يكن صوت نجم بقدر ما كان صوت قلب، والقلب لا يشيخ.

ثم لأننا، ببساطة، لم نجد بعد من يتكلم عنا بهذه الدقة. لم نجد من يضع إصبعه على موضع الألم دون أن يجرحه أكثر. لم نجد من يمنحنا ذلك التوازن النادر بين العذاب والجمال.

ربما لهذا السبب لا يزال عبد الحليم حاضرًا بعد كل هذه العقود. لم يغنِّ عن الحب كما نتمنى أن يكون، بل كما نعيشه فعلًا: مترددًا، مؤلمًا، جميلًا، وغير مكتمل. ولذلك لا يبدو صوته ذكرى من الماضي، بل جزءًا من الحوار الطويل الذي نخوضه مع أنفسنا كلما أحببنا أو خسرنا أو انتظرنا.

شوف بقينا فين يا قلبي... سؤال يتكرر مع كل جيل، وكل تجربة، وكل خيبة. ومع كل مرة يعود فيها صوت حليم، لا يجيب عن السؤال، بل يعمّقه، ويجعله أكثر صدقًا وأكثر قربًا.

وهكذا نظل موعودين معه، لا بالعذاب فقط، بل باللغة التي نفهم بها أنفسنا. لأن من غنّى لنا في ضعفنا لا يغيب. ومن علّمنا كيف نحب، سيظل، إلى الأبد، يتكلم بلساننا.