آخر تحديث :الثلاثاء-02 يونيو 2026-09:05م

لماذا ننقل المعنَّفة ونترك المعنِّف؟

الثلاثاء - 02 يونيو 2026 - الساعة 08:11 م

أسامة ماهر باحويرث
بقلم: أسامة ماهر باحويرث
- ارشيف الكاتب

إصلاح الجاني أولاً.. رؤية جديدة لحماية الأسرة

تغيير زاوية المعالجة: من إيواء المعنفات إلى تأهيل المعنفين

لماذا ننقل المعنَّفة ونترك المعنِّف؟

بعد نشر مقالي الأول، خضت العديد من النقاشات مع أصدقاء وأقارب وزملاء؛ منهم المحايد، ومنهم المعارض، ومنهم من يرى أن إنشاء دار لإيواء المعنفات هو الحل الأمثل لحماية المرأة من العنف.

وأثناء تلك الحوارات، وجدت نفسي أطرح سؤالًا بسيطًا لكنه جوهري في محتواه: هل نحن نبحث عن حل جذري للمشكلة، أم عن وسيلة للتعامل مع آثارها فقط؟

لا أحد يختلف على أهمية حماية المرأة إذا تعرضت للظلم أو الأذى، فهذه مسألة لا خلاف عليها. لكن إذا كان الهدف الحقيقي هو الحد من ظاهرة التعنيف في المجتمع، فلماذا ينصب التركيز على نقل المتضررة من بيئتها، بينما يبقى المتسبب بالمشكلة في مكانه دون معالجة حقيقية وفعالة؟

لماذا نترك المعنِّف وننقل المعنَّفة؟

أليس الأولى أن تتجه الجهود نحو الجاني نفسه بدلاً من الحبس فقط؟ وأن يتم إخضاعه لبرامج إصلاح وتأهيل نفسي وسلوكي وتربوي تعالج أسباب العنف وتحد من تكراره؟

ومن هنا تبرز فكرة أرى أنها تستحق الدراسة والنقاش الجاد:

من:
دور لإيواء المعنفات

إلى:
دور لإعادة تأهيل سلوكيات المعنفين

إن مجرد تغيير زاوية المعالجة من الضحية إلى الجاني يحقق عدة أهداف في وقت واحد؛ فهو يوجه رسالة واضحة بأن المجتمع لا يكتفي بحماية المتضرر، بل يسعى أيضًا إلى إصلاح مصدر الضرر نفسه.

كما أن وجود مراكز متخصصة لإعادة التأهيل سيخلق نوعًا من الردع المجتمعي، إذ سيدرك كل من يمارس العنف أن هناك إجراءات وعواقب وبرامج إلزامية تنتظره، وأن المجتمع لن يتسامح مع هذه السلوكيات أو يتعامل معها باعتبارها أمرًا عاديًا.

وفي المقابل، تحافظ الأسرة على تماسكها قدر الإمكان، وتبقى المرأة في محيطها الطبيعي وبين أهلها وذويها، مع وجود أنظمة قانونية واجتماعية تضمن حمايتها وإنصافها.

إن معالجة النتائج أمر مهم، لكن معالجة الأسباب أكثر أهمية؛ فالطبيب الناجح لا يكتفي بتسكين الألم، إنما يبحث عن المرض الذي تسبب به. وكذلك المجتمعات الناجحة لا تكتفي بإدارة الأزمات فقط، بل تعمل على منع تكرارها من الأساس والحد منها.

لذلك أرى أن النقاش لا ينبغي أن يدور حول مكان إقامة المعنفة، بل الأجدر أن يكون حول كيفية إصلاح المعنِّف، وكيف نجعل من التأهيل والتقويم والردع أدوات أساسية لبناء مجتمع أكثر استقرارًا وأقل عنفًا.

فحين ننجح في إصلاح الجاني، فإننا لا نحمي ضحية واحدة فحسب، بل نحمي أسرًا كاملة وأجيالًا قادمة من تكرار المشكلة ذاتها.

وقبل كل هذا، لا ينبغي أن نغفل الأولويات الأخرى الملحّة التي ترهق المواطن يومياً؛ كتوفير الخدمات الأساسية، ومعالجة البطالة، وتحسين البيئة العامة التي تسهم في تخفيف الضغوط المجتمعية.