لا يزال الحزن يخيّم على دولة قطر بعد الإعلان عن وفاة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والد أمير دولة قطر، حيث توالت رسائل التعزية من المسؤولين والشخصيات العامة، فيما لاقت كلمات الشيخة موزا بنت ناصر تفاعلاً واسعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي لما حملته من مشاعر الحزن والدعاء.
ونشرت الشيخة موزا صورة بالأبيض والأسود تجمعها بالراحل، أرفقتها برسالة نعي مؤثرة استهلتها بآيات من القرآن الكريم، معبرة عن بالغ حزنها لرحيل الشيخ حمد آل ثاني، ومشيدة بمسيرته ودوره في نهضة دولة قطر.
وكتبت الشيخة موزا في رسالتها: "استلهم من الحزن أعظمه ومن الأسى أعمقه برحيل زعيم قطر التاريخي صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله وطيب ثراه. وفي لحظة من الخشوع لمشيئة الباري عز وجل في تقدير الأقدار، يرتقي الراحل الكبير إلى منزلة خالدة بوصفه رائد دولة قطر الحديثة وصانع أمجادها".
وأضافت: "إني بقلب كسير أتضرع إلى الله سبحانه وتعالى أن يغمد الراحل برحمته ويسكنه فسيح جناته. وإنا لله وإنا إليه راجعون".
وقد أعربت شخصيات رسمية وشعبية داخل قطر وخارجها عن تعازيها، مستذكرة مسيرة الراحل وإسهاماته التي تركت بصمة واضحة في تاريخ الدولة.
يُعد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني من أبرز الشخصيات في تاريخ قطر الحديث، إذ ارتبط اسمه بمحطات مفصلية شهدت خلالها البلاد نهضة شاملة في مجالات الاقتصاد والتعليم والبنية التحتية والسياسة الخارجية، كما أسهمت رؤيته في ترسيخ مكانة قطر على الساحة الإقليمية والدولية.
ورك الشيخ حمد بن خليفة منذ توليه مقاليد الحكم عام 1995 على قيادة التحولات السياسية، ورسم معالم السياسة الخارجية الديناميكية، وتطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال عبر "حقل الشمال" لتأمين الملاءة المالية للدولة، تولت الشيخة موزا إدارة ملف موازٍ بالغ الأهمية: تحويل هذه الثروة المادية إلى رأس مال بشري ومؤسسي مستدام، مستهدفةً قطاعات التعليم، الثقافة، والتمكين الاجتماعي والعمل الإنساني الدولي.
عكس المسار الزمني لعلاقة الأمير الوالد والشيخة موزا انتقالاً منظماً من الإطار العائلي إلى الشراكة المؤسسية، وتجلّى ذلك في محطات بارزة بدأ بالارتباط وبداية المسيرة (1977)، حيث عُقد قران الشيخ حمد بن خليفة (ولي العهد ووزير الدفاع آنذاك) على الشيخة موزا بنت ناصر، لترافقه في مراحل تدرجه السياسي والعسكري. ومن ثم تأسيس "مؤسسة قطر" (1995) بالتزامن مع تولي الشيخ حمد مقاليد الحكم، أصدر قراراً بتأسيس "مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع" وأوكل رئاستها للشيخة موزا، لتصبح الذراع المعرفية الكبرى للدولة.
وكذلك تم تدشين المدينة التعليمية (2001 - 2003)، حيث شهدت هذه الفترة افتتاح الصروح الأولى واستقطاب فروع لجامعات عالمية (مثل ويل كورنيل وجورجتاون)، وظهر الثنائي معاً لترسيخ هذا النموذج أمام المجتمع الأكاديمي الدولي، وصولاً الى رؤية قطر الوطنية 2030 (2008)، مثلت الرؤية الإطار التنفيذي الذي دمج خطط الأمير الاقتصادية مع استراتيجيات التنمية البشرية التي تقودها الشيخة موزا.
وحظيت خطوة الانتقال السياسي السلس (2013) باهتمام كبير بعد تسليم الشيخ حمد الحكم طواعية لولي عهده الشيخ تميم بن حمد بدعم مؤسسي كامل من الشيخة موزا، مما ضمن استدامة المشاريع التنموية وفصلها عن التغييرات التنفيذية.
تجاوز دور الشيخة موزا الإطار التقليدي، لتتولى قيادة وإطلاق مؤسسات نوعية تركت أثراً محلياً ودولياً، ومن أبرز هذه الأدوار: مأسسة التعليم العالي والبحث العلمي، عبر رئاستها لـ"مؤسسة قطر"، أشرفت على إدارة "المدينة التعليمية" التي تضم نخبة من الجامعات العالمية في مجالات الهندسة، الطب، الشؤون الدولية، والإعلام. كما قادت جهود دعم البحث العلمي عبر "الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي" وتأسيس "واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا" لربط الأبحاث بسوق العمل.
وعلى الصعيد الدولي، جرى اختيار الشيخة موزا كـ"مبعوثة خاصة لليونسكو للتعليم الأساسي والعالي"، وترجمت هذا الدور عبر إطلاق مبادرات عابرة للحدود أبرزها مؤسسة "التعليم فوق الجميع" وبرنامج "علم طفلاً"، وهي مشاريع نجحت في توفير الفرص التعليمية لملايين الأطفال في مناطق النزاعات المسلحة، والكوارث الطبيعية، والدول النامية.
وكذلك قادت الشيخة موزا جهود التمكين الاجتماعي في الداخل القطري عبر رئاستها السابقة لـ"المجلس الأعلى لشؤون الأسرة"، حيث ساهمت في صياغة السياسات والتشريعات التي تدعم حقوق المرأة، الطفل، ودمج ذوي الإعاقة، وتأسيس مراكز متخصصة مثل مركز "الحماية والتأهيل الاجتماعي" ومركز "شفلح".
يمثل الإرث المشترك للشيخ حمد بن خليفة والشيخة موزا بنت ناصر نموذجاً بارزاً في كيفية إدارة طفرات الموارد وتحويلها إلى مؤسسات قائمة، وهو المسار التكاملي الذي أعاد رسم الملامح السياسية، الاقتصادية، والمعرفية لدولة قطر على الخريطة الإقليمية والدولية.