في خطوة شكلت صدمة مدوية في الأوساط الفنية والخليجية، تصدر اسم الفنان الكويتي طارق العلي محركات البحث وشبكات التواصل الاجتماعي إثر تداول مقطع فيديو مفاجئ يعلن فيه ابتعاده عن الساحة الفنية. هذا الإعلان وضع علامات استفهام كبرى حول نهاية مسيرة أحد أبرز أعمدة الكوميديا الخليجية، والذي لطالما ارتبط اسمه برسم الابتسامة على وجوه الملايين.
ظهر طارق العلي في الفيديو المتداول وهو يجلس وحيداً في قاعة سينما مظلمة وفارغة، يتأمل عبر الشاشة الكبيرة شريط ذكرياته وأبرز محطاته المسرحية، وفي مقدمتها مشهده الأيقوني مع الفنان الراحل عبد الحسين عبد الرضا. وبنبرة هادئة تملؤها الشجون، وجه العلي رسالته للجمهور قائلاً: *"أكثر من 30 سنة.. فن وعطاء والتزام.. وجه الوقت اللي أقول فيه.. شكراً.. واليوم أعلن فيه.. اعتزالي"*.
هذا الإعلان المفاجئ فتح باب التكهنات واسعاً؛ فبينما عبر الآلاف من محبيه عن حزنهم لنهاية حقبة "سلطان الكوميديا"، تساءل آخرون عما إذا كان هذا المقطع الصادم قراراً نهائياً لا رجعة فيه، أم أنه جزء من حملة ترويجية مبتكرة لعمل فني ضخم قادم يودع من خلاله جمهوره بطريقة استثنائية.
لم يمر إعلان العلي دون تفاعل من الوسط الفني، وكان الأبرز تعليق الإعلامية الكويتية مي العيدان، التي لطالما عُرفت بانتقادها اللاذع له. فقد أبدت العيدان شكوكها حول جدية القرار، وكتبت عبر حسابها: "قد أكون اختلفت معاه فنياً كثيراً.. وعدم تطوير المحتوى الفني الذي يقدمه.. لكن أتحدى أن يظهر على لساني أني طالبت له يوماً بالاعتزال".
وأضافت العيدان بحسها النقدي الساخر: "خسارة أي فنان تعني خسارة للحركة الفنية الكويتية.. نختلف نعم لكن نخسر لا. أتمنى أن يكون الأمر ليس جدياً أو حركة يريد منها طارق أن يعرف محبة الناس له". ومازحته قائلة: "وعلى فكرة يا راجل أنت مو 30، إحنا صار لنا أكثر من 40 سنة مدبسين فيك، ونبي نتدبس فيك أكثر حتى لو ما أحضر مسرحياتك الـ 5 ساعات".
وبقدر ما كانت مسيرة طارق العلي حافلة بالضحك، كانت أيضاً مليئة بالأزمات القانونية والخلافات مع كبار نجوم الخليج، ولعل أبرزها أزمته الشهيرة مع "سيدة الشاشة الخليجية" الراحلة حياة الفهد. بدأ الخلاف بتسريب مقطع صوتي نُسب للعلي يتضمن إساءات بحق الفهد، ما أدى إلى إدانته من محكمة الجنح بسبها. ورغم تقديمه اعتذاراً لاحقاً، تجددت القطيعة بعد هجومه عليها وعلى الفنان حسن البلام، على خلفية تباين الآراء حول قرار المعهد العالي للفنون المسرحية بمنع الطلاب من التمثيل، وهو القرار الذي دافعت عنه الفهد بشراسة.
وكذلك، لم تخلُ علاقته مع رفيقة دربه المسرحي الفنانة هيا الشعيبي من الصدامات. فقد بدأت شرارة الأزمة عام 2013 عندما امتنعت الشعيبي، لأسباب صحية، عن مرافقة فريق عمل مسرحية "تحت الصفر" إلى دبي، مما أشعل حرب تصريحات متبادلة، ووصلت الأمور إلى أروقة المحاكم، لتُختتم فصولها في عام 2025 بإعلان الشعيبي حصولها على حكم بالبراءة في القضية التي رفعها العلي ضدها.
وبالعودة إلى السجل الذهبي للفنان طارق العلي، نجد أن قراره (سواء أكان وداعاً نهائياً أم مؤقتاً) يأتي تتويجاً لمسيرة انطلقت في أوائل الثمانينيات. ظهرت موهبته مبكراً، لكن الانطلاقة الحقيقية التي حفرت اسمه في قلوب الجماهير كانت عبر مسرحية "سيف العرب" (1992)، حيث وقف نداً كوميدياً أمام العملاق عبد الحسين عبد الرضا، ليحجز لنفسه مقعداً في الصف الأول.
مع بداية الألفية، أسس شركته "فروغي للإنتاج الفني"، ليصبح صانع القرار في أعماله. واعتمد العلي على مدرسة "الارتجال الموزون" والتفاعل المباشر مع الجمهور، محولاً مسرحه إلى متنفس اجتماعي ناقد وساخر. وقدم سلسلة مسرحيات لا تُنسى مثل "حاميها حراميها"، "خاربة خاربة"، و"بخيت وبخيتة". كما تألق تلفزيونياً وسينمائياً في أعمال مثل "حبل المودة"، "الفلتة"، وفيلم "هالو كايرو".
ما يزيد من غرابة توقيت إعلان الاعتزال هو النشاط الفني المكثف الذي شهده عام 2026 للعلي. فقد انتهى مؤخراً من تقديم آخر عروض مسرحيته الكوميدية "المايسترو" (التي انطلقت من السعودية في 2025).
وعلى الصعيد السينمائي والتلفزيوني، أنهى العلي مؤخراً تصوير المشاهد النهائية لفيلم "ميس آن" (بمشاركة إلهام الفضالة وشهاب جوهر)، وعُرض له في أيار (مايو) الماضي مسلسل "سيستر فخرية" الذي جسد فيه دور وكيل نيابة بعيداً عن الكوميديا الخالصة.
ويبقى السؤال الذي يشغل بال الشارع الخليجي اليوم: هل كانت هذه المشاريع المكثفة بمثابة جولة وداعية خطط لها طارق العلي بصمت قبل إعلان انسحابه، أم أن الأيام القادمة ستحمل مفاجأة تعيده إلى الخشبة التي عشقها وعشقته لأكثر من ثلاثة عقود؟