آخر تحديث :الأحد-10 مايو 2026-05:56م

الاستطلاعات والتحقيقات


ظاهرة إطلاق الرصاص في الأعراس والمناسبات.. بين تغاضي سلطات الأمن وتطبيع الفوضى في المجتمع

ظاهرة إطلاق الرصاص في الأعراس والمناسبات.. بين تغاضي سلطات الأمن وتطبيع الفوضى في المجتمع
إحدى ضحايا الرصاص الراجع

الثلاثاء - 11 أبريل 2017 - 03:26 م بتوقيت عدن

- خاص ( المرصد ) وئام نجيب :

تشهد مدينة عدن في الوقت الراهن فوضى لا مثيل لها، وكثيرون يرون بأن ذلك بسبب ما خلفته الحرب، ويتساءلون هل غذت مدينة عدن محررة فعلياً, لاسيما والمواطن أصبح غير آمن على حياته وحياة أسرته نتيجة انتشار ظاهرة إطلاق الأعيرة النارية في حفلات الأعراس والمناسبات الأخرى، وما تخلفه من حصد الأرواح البريئة والآمنة، وهي عادة دخيلة على المجتمع العدني المتسم بمدنيته وثقافته القائمة على إشاعة روح الأمان والسلام، والتعايش السلمي بين الجميع.
قرارات حكومية كثيرة سمعناها تقضي بمنع حمل السلاح، كان آخرها توجيهات مدير شرطة عدن اللواء شلال علي شائع، والتي قضت بمنع حمل السلاح في مدينة عدن إلا للجهات الأمنية المرخصة بذلك، وحظر إطلاق الأعيرة النارية في الهواء بمناسبة أو غير مناسبة، ودعوة الأهالي وسكان المدينة للإبلاغ عن أي جماعة ترفع السلاح بوجه المواطن، ومساعدة أجهزة الأمن بالإبلاغ عمن يقتني أسلحة أو متفجرات أو مفرقعات أو ألغام، وغير ذلك من التوجيهات الإيجابية التي جميعها تصب في خانة ترسيخ الأمن وحفظ سلامة المواطنين.
لكن.. هل وجدت تلك التوجيهات طريقها نحو التعاطي الإيجابي والتطبيق الفعلي لترجمتها إلى واقع حقيقي ينعم به الجميع تحت أجواء مفعمة بالأمن والأمان، وحفظ الأرواح والحقوق والممتلكات الخاصة والعامة.

صحيفة (المرصد) قامت بإجراء هذا الاستطلاع الميداني، مستهدفة شريحة من المواطنين والأشخاص المعنيين، للوقوف أمام هذه الظاهرة، وما تسببه من مخاطر وتوجسات أمنية ومجتمعية عامة.
 
عدن في حال يرثى لها
يتساءل المواطن حسين صالح (موظف حكومي): "أين هو الأمن والمسلحون المجهولون يتجولون في الطرقات والأسواق العامة، دون حسيب أو رقيب؟!".
ويضيف: "كما أن ظاهرة إطلاق الرصاص في الأعراس أصبحت من المؤرقات الاجتماعية العامة التي يشكو منها عامة الناس، فهي تعمل على إقلاق سكينة وطمأنينة المجتمع السلمي في عدن".
وقال: "لا بد أن يكون تطبيع الأمن من مسئولية مدير أمن عدن، والجهات الأمنية الرسمية، وليس من اختصاصات جهات لا علاقة لها بالأمن، وتريد إحلال نفسها بدلاً عن السلطات الأمنية المختصة".
 
ظاهرة دخيلة تزهق الأرواح البريئة
يشير المواطن عمرو فيصل (خريج إدارة أعمال) ،إلى أن "إطلاق الرصاص العشوائي في حفلات الأعراس ظاهرة دخيلة على مدينة عدن، وهي ظاهرة خطيرة نظراً لما تخلفه من أحداث ومآسٍ بإزهاق الأرواح البريئة، وتتسبب  بزعزعة الأمن والاستقرار".
وقال: "لقد أصبح حمل السلاح متاحاً للجميع، مراهقين وبالغين، مدنيين وعسكريين، لا ضوابط ولا حس وطني مسئول، والناس أضحت اليوم غير آمنة على حياتها".
 

محاذير واجبة
ينبغي على الحكومة الشرعية العمل على تطبيق ومتابعة قراراتها وتوجيهاتها الصادرة، وترجمتها إلى واقع ملموس، لاسيما ما يتعلق بموضوع حظر حمل السلاح في عدن، بدلاً من حالة الاكتفاء بإصدار التوجيهات وتركها في خانة الجمود.
هذا ما تطرق إليه المواطن أمجد محمود (موظف بالقطاع الخاص)، والذي أضاف: "كلما سألنا حامل سلاح ما هي وظيفته، ولماذا هو يحمل سلاحه، يجيبنا بالزعم أنه عسكري، وأن وظيفته حفظ الأمن".
ويستطرد قائلا: "لا بد أن تكون هناك محاذير واضحة وضوابط محددة لحامل السلاح، ليس من ملك سلاحاً وجد نفسه وصياً على أمن وحقوق الآخرين"، ويضيف: "لقد باتت ظاهرة إطلاق الرصاص العشوائي في الهواء تشكل خطورة مباشرة على حياة المواطنين، فالرصاص الراجع أصبح اليوم ذلك القاتل المجهول الذي يحصد أرواح الأبرياء، دون أن يتعقبه القانون، وإجراءات العدالة، فعدن أصبحت محتلة من قبل أولئك الخارجين على القانون، والمتبجحين بحمل السلاح وممارسة العجرفة والابتزاز بحق الناس".
 
من يدير البلاد اليوم ؟
تقول المواطنة ريما محمد (ربة منزل)، إن "من يدير البلاد الآن هم جماعات من البلاطجة والخارجين على القانون، الذين أضحوا ينشرون الفوضى ويروعون المجتمع بإطلاق الأعيرة النارية العشوائية، وبطريقة مزاجية بمناسبة أو غير مناسبة".
وتطالب المواطنة ريما الجهات الأمنية الرسمية في عدن بأن تعمل جاهدة، وأن تضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه إرهاب الآخرين، بحمله للسلاح في غير مواقعه، وأن تكون هناك حملة أمنية واسعة لمحاسبة الخارجين على القانون، ومحو ظاهرة إطلاق الرصاص في حفلات الأعراس، وتطبيع الأوضاع الأمنية حتى يعم الأمن والاستقرار ربوع مدينة عدن الطيبة".
ويقول المواطن إياد فضل: "في السابق كانت هناك قوانين تطبق، وغرامة مالية تفرض على المتسبب بإقلاق السكينة العامة، أما اليوم فكل شيء أصبح حبرا على ورق".
 
الراعي: إجراءات جديدة سيتم تنفيذها

وللتعرف على رأي جهات الاختصاص الأمنية، والقائمين على شؤون القانون، بشأن نوعية العقوبات والإجراءات القانونية الكافلة لردع هذه الظاهرة..

التقينا نائب مدير عام شرطة محافظة عدن،العميد فضل صالح الراعي

يطلعنا على مستوى الجهود التي اضطلعت بها مؤخرا قيادة أمن المحافظة حيال مكافحة ظاهرة حمل السلاح في شوارع المدينة، والآليات والإجراءات القانونية المتبعة.
يقول الراعي: "صدرت توجيهات لمنع حمل السلاح والتجول به في الأماكن العامة، ومن ضمن الآليات التي تم إقرارها العمل على حصر الأسلحة الموجودة في المحافظة، والتعرف على مالكيها ومناطق سكنهم، وذلك عن طريق صرف تراخيص حمل السلاح للجهات المختصة، والأشخاص المهمين".
ويضيف أن "ظاهرة حمل السلاح وإطلاق الرصاص، ليست من عادات أبناء مدينة عدن، ونحن بدورنا كجهات معنية نعمل بالتنسيق مع جميع الجهات ومنظمات المجتمع المدني وأئمة المساجد وعقال الحارات، على تنوير وتوعية المواطنين بما تمثله هذه الظاهرة السيئة من خطورة مباشرة تذهب ضحيتها أرواح بريئة، كما نهيب بالإخوة قيادات المقاومة والشرطة والقوات المسلحة التعاون المخلص والجاد على الضبط والإبلاغ عمن يقوم بإطلاق النار".
وأشار إلى وجود توجيهات تقضي "باحتجاز أصحاب الأعراس التي تطلق فيها الأعيرة النارية، وإحالتهم للمحاكمة بتهمة إقلاق السكينة العامة، والقتل غير العمد".
وأوضح الراعي، بشأن الإجراءات الجديدة التي ستعمل إدارة الأمن على تطبيقها في المرحلة القريبة القادمة، أنه "سيتم تقديم ملف جنائي للنيابة العامة على كل من يقوم بإقلاق السكينة العامة، وحجز صاحب العرس أو المتسببين بإطلاق الرصاص لمدة 24 ساعة قبل إحالتهم للنيابة المختصة".
 
حقوقيون: الدولة معنية بفرض هيبتها

وعن كيفية حصر حقوق الضحايا الذين سقطوا نتيجة الرصاص الراجع، أو نتيجة الاشتباكات العشوائية التي تحدثت في المدينة بين الحين والآخر..
يوضح المحامي نصر شريح:

 "يجب على الجهات المختصة تقييم حالة الإصابة، ما إذا كانت نتيجة اشتباكات عسكرية، أو نتيجة حالات إطلاق الرصاص العشوائي في مناسبات الأعراس أو غيرها، ليتم محاسبة المتسبب تحت مسمى (القتل العمد)، بعد إحالة المصاب إلى الطبيب الشرعي، ومعرفة أسباب الحادثة".
ويضيف شريح: "على الحكومة تفعيل الإجراءات الأمنية وضبط مرتكبي هذا الفعل ومعاقبتهم، وإصدار الغرامات المالية على أصحاب الأعراس حتى يكون هناك ردع، مما يمكن من فرض تعويضات للمصابين أو القتلى، وحفظ حقوق (الدية والارش)"، منوهاً بأن "أكثر الحالات التي يصيبها الرصاص الراجع هي بسبب الأعراس والاحتفالات التي تتم في الشوارع والأحياء السكنية".
وقال: "واتخاذ هذه الإجراءات لن يتم إلا بالمتابعة والالتزام بتطبيق القانون، والمحاسبة لا بد أن تكون فورية ورادعة، ويجب على الدولة فرض هيبتها على الجميع حفاظا على أرواح وممتلكات الناس، وأن تعمل أولاً على منع ومصادرة السلاح لغير المخولين بتثبيت الأمن والاستقرار".
 
غياب الوعي فاقم الظاهرة

يقول المحامي خالد علوي:

"لابد من ترسيخ الوعي بالإبلاغ عن وقوع مثل هذه الحوادث المتعلقة بظاهرة إطلاق الرصاص العشوائي، لأنها تعد جريمة, أمام الجهات المعنية (قسم الشرطة)، والتي بدورها ينبغي عليها التحرك سريعاً لمعرفة الجهات المتسببة بإطلاق الرصاص، وفي حال ثبوت تهمة على شخص يتم ضبطه والتحقيق معه، وإحالته للنيابة العامة لاستكمال التحقيق معه".. مشيراً إلى أن "فشل تنفيذ قرار منع حمل السلاح في المدينة والتجول به، يعود إلى غياب الوعي العام، وعدم وجود وسائل تثقيفية، وإجراءات أمنية رادعة".
 
على جهات الأمن تحديد بيانات المتورطين

طالبت رئيسة منظمة (سواسية) لحقوق الإنسان، والمحاضرة في كلية الحقوق، الأخت هبة عيدروس،

 إدارة شرطة عدن "بتنفيذ جملة من الإجراءات والبيانات المتعلقة بجريمة إطلاق الرصاص الحي في الشوارع والأماكن العامة والخاصة في عدن.
وأولها القيام بتوجيه دعوة للمواطنين وحثهم على تقديم البلاغات الفورية لأي حادثة إطلاق نار في المكان الذي يتواجدون فيه، وعلى ضرورة أن تشمل بيانات الأمن، اسم حامل السلاح، وسبب إطلاقه للنار، وزمن وقوع الحادثة ومكان وقوعها، وأن يتم استقبال بلاغات المواطنين من قبل العمليات عبر خطوطها الهاتفية المعلنة حتى تتمكن الجهات الأمنية، في حالة وقوع ضحية في منطقة معينة، من معرفة فاعلها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة تجاهه".
 
معظم القضايا الجنائية تقيد ضد مجهول

يقول الناشط الحقوقي زاهر صالح، مستشار جمعية النور الشبابية التنموية، ومجموعة إيسار القانونية،

إنه "من الصعوبة توجيه تهمة لأي شخص ما لم يتم أولاً تحديد من يتحمل المسئولية الجنائية والمدنية لتعويض الضحايا وأهاليهم، فالدولة ممثلة بجهات الأمن هي وحدها من تتحمل المسئولية تجاه حقوق الضحايا وعليها تعويضهم كونها لم تقم بواجبها على أتم وجه بحماية أرواحهم وأمن سلامتهم من عبث العابثين".
واختتم قوله: "هناك الكثير والكثير من القضايا الجنائية تم تقييدها ضد مجهول، وقد سبق ووضعت مقترحا يصب في هذا الإطار، وطالبت بأن يقوم كل مواطن بتحمل مسئوليته برصد الأشخاص الذين يطلقون الرصاص في الهواء، حتى يتسنى للجهات الأمنية والمختصة تحديد مكان إطلاق الرصاص، وتحميلها المسئولية المباشرة كجهة متورطة بإشاعة القلق والاضطراب بدلاً من تقييد جميع الحالات ضد مجهول، بالرغم من مشاهدتنا ومعرفتنا للجهات والمواقع التي تنطلق منها الأعيرة العشوائية بكثافة ودون مراعاة لحقوق وحياة المواطنين في محافظة عدن".