آخر تحديث :الجمعة-19 يوليه 2024-11:02م

حوارات


أخصائيون: ضحايا «التنمر» عرضة للتدني الدراسي والعزلة الطويلة

أخصائيون: ضحايا «التنمر» عرضة للتدني الدراسي والعزلة الطويلة

الخميس - 18 أبريل 2024 - 04:41 م بتوقيت عدن

- المرصد/زهرة الخليج

انعزال شبه تام عن الناس، وحزن يصل حدَّ الاكتئاب، وانكسار يتضافر بالقهر والانهزامية.. هذه المشاعر المتداخلة تصيب كلَّ من يتعرض للتنمر من المحيطين به؛ فيصبح عاجزاً عن دفع الإساءة إليه، والسخرية منه، وتجاوز الاستهزاء به، ويبقى في نفسه جرح عميق، يطيح بثقته بنفسه، واعتزازه بذاته، فلا يمكن أن يبرأ معنوياً بسهولة، ودون أي أثر سلبي يعرقل خطاه الحياتية. وتتعاظم هذه الأحاسيس المؤذية للنفس، عند تعرض أيٍّ من الطلاب للتنمر من أقرانه في المدرسة، خاصة أن ظاهرة التنمر مازالت تراوح مكانها، وتضر بالصغار، لاسيما من هم على أعتاب مرحلة المراهقة، رغم جهود الجهات التعليمية والمعنية لمواجهة ذلك.. بقرارات، وتوجيهات، وبرامج توعوية موسعة.

في هذا التحقيق، تستعرض مجلة «زهرة الخليج» هذه الظاهرة، من حيث تعريفها، وفهم أسبابها، والبحث عن حلول لها، إلى جانب تقديم نصائح وإرشادات لعلامات تعرُّض الطفل للتنمر، ونصائح للوقاية من الظاهرة، وذلك من خلال حديثها مع عدد من الشخصيات في مجال حماية الطفل، والميدان التعليمي، وأيضاً من طفلة تحدثت بصوت أصحاب المشكلة.


آفة عالمية
بدايةً.. عرفت موزة الشومي، نائب رئيس جمعية الإمارات لحماية الطفل، التنمر بأنه اعتداء متكرر ومقصود، من أولئك الذين يكونون في مركز قوة على من هم أقل قوةً أو بلا قوة، ولا يستطيعون المقاومة، بهدف الحصول على مكتسبات أو لفت الأنظار، مؤكدة أن التنمر آفة عالمية شديدة الخطورة، ومن أشكاله: اللفظي، والبدني، والاجتماعي، ثم تطور فأصبح هناك التنمر الإلكتروني، والعاطفي، مشيرة أن التنمر ليس بجديد، وإنما هو موجود منذ القِدَم، لكن لم يصل إلى حدّ الظاهرة إلا في وقتنا الحاضر.

وأكدت أن دولة الإمارات قدمت جهوداً استثنائية لحماية الطفل، وتنشئته في بيئة مثالية مستدامة، وسنت من أجله القوانين، ومنها قانون حماية الطفل (وديمة)، الذي يعتبر من العلامات المضيئة في المسيرة التشريعية للدولة، لأهدافه القيمة بضمان حق الطفل في الحياة والبقاء والنماء، وحمايته من كل مظاهر الإهمال وسوء المعاملة، وتنشئته على التمسك بعقيدته الإسلامية، وهويته الوطنية، وحماية المصالح العليا له، فضلاً عن توعية الطفل بحقوقه والتزاماته وواجباته، والتحلي بالأخلاق، ونشر ثقافة حقوق الطفل، إلى جانب إشراك الطفل في مجالات الحياة المجتمعية، وفقاً لسنه ودرجة نضجه وقدراته، فضلاً عن إنشاء مراكز لحماية الطفل، تتابع - عن كثب - كلَّ ما يخص الطفولة، مثل مشكلة التنمر.

وأوضحت الشومي أنه رغم مظاهر الحماية السالفة الذكر، فلاتزال المشكلة موجودة ومؤثرة في أولادنا بالمدارس، لذلك نحتاج إلى وضع ضوابط ملزمة لمحاصرة الظاهرة، واتباع طرق مبتكرة خلال عملية المعالجة، وتوحيد الجهود بين الأطراف المعنية لحل المشكلة من جذورها، إذ يمثل الطرف الأول المؤسسات صاحبة القرار في القطاع التعليمي، التي يجب أن توحد قراراتها في ما يخص مخالفة التنمر، وكذلك لابد من زيادة الحملات والمنشورات حتى ترتقي للتوعية المستدامة، إلى جانب تشديد المتابعة على المدارس الحكومية والخاصة؛ للتأكد من تطبيق السياسات والإجراءات التي وضعتها الدولة.

وأضافت: «تالياً، يأتي الطرف الثاني وهو المدارس، بما فيها من هيئات إدارية وتعليمية، فيجب عليها تغيير الثقافة الخاطئة عن خطر تسجيل حالات التنمر على سمعة المدرسة، فالعكس صحيح؛ إذ كلما زاد عدد تسجيل حالات التنمر يكون هذا مؤشراً إيجابياً إلى أن المدرسة تتابع عن كثب المشكلة، كما تعطيها المجال لإيجاد حلول ودراسة جوهر الظاهرة، لتفاديها وحماية الطلبة، لذلك على إدارات المدارس توعية المعلمين والطلاب بضرورة التبليغ عن الحالات، ووضع خطط لتقويم سلوك الطلبة المتنمرين، وأخرى لمعالجة الآثار السلبية للتنمر لدى الضحايا، وكذلك تنفيذ اللوائح والسياسات لمحاسبة المتنمر، والتي تصل إلى حدّ الفصل من المدرسة، الأمر الذي يعكس مدى وعي الإدارة، ولعل من أهم الأشياء التي يجب أن تتابعها المدرسة، كذلك، مسألة الغياب، الذي يعد مؤشراً إلى مشكلة ما لدى الطفل، سواء تعرضه للتنمر، أو للعنف الأسري، أو غيرهما من الأشياء المقلقة بشأن أطفالنا».


وتابعت: «أخيراً، يأتي الطرف الثالث وهو الأسرة، إذ لابد أن يولي الآباء والأمهات أبناءهم عناية كبيرة، بمنحهم الرعاية والحنان ومراقبة سلوكهم، وإذا طرأ شيء غير معتاد عليهم، فلا نمرره مرور الكرام، بل نتوقف عنده لنفهم السبب، ونحاول إيجاد الحل قبل أن يتفاقم الأمر، خاصة في ما يتعلق بالتنمر، إذ يجب التدخل سريعاً، ومراجعة المدرسة، وإذا لم يتم التجاوب؛ فيجب التوجه إلى الجهات المعنية بحماية الطفل لتقديم شكوى. وفي تلك الأثناء؛ إذا شعرنا بتغيرات نفسية متفاقمة لدى الطفل، فيجب - على الفور - نقله من الصف، أو من المدرسة، مع عرضه على أخصائي نفسي؛ لمعالجة الأزمات النفسية التي سببها التنمر».

دور الأسرة



من جانبها، قدمت الدكتورة فاطمة الظاهري، رئيس هيئة تدريس المواد العربية بمدرسة هيلي، إلى الأهل الإرشادات التي تجب ملاحظتها؛ إذا طرأت على أبنائهم، فقد تشير إلى تعرضهم للتنمر، ومنها علامات جسدية، مثل: ظهور كدمات غير مبررة، أو خدوش، أو جروح، أو تمزق في الملابس، أو تلف المتعلقات الشخصية، وكذلك أعراض جسدية تسببها النفسية السيئة، مثل: الصداع، وآلام البطن، وتقرحات الفم، ومؤشرات صحية، مثل: الإجهاد العام، وانخفاض الأداء، وضعف مقاومة العدوى، والأمراض المتكررة، والتهديد أو محاولة إيذاء النفس، وأيضاً تغيرات السلوك الاجتماعي، ومنها: عدم الرغبة في الخروج، وانخفاض معدل التقاء الطفل مع أصدقائه عن المعتاد.

وأضافت: «وكذلك، المؤشرات العاطفية، مثل: علامات الحزن والتعاسة والوحدة والاكتئاب والانطواء والرغبة في البكاء والتلعثم في الكلام وتقلبات المزاج، وأيضاً السلوكيات المتعلقة بالمدرسة، مثل: الخوف من الذهاب إليها، وأخيراً السلوكيات التي تشير إلى القلق، ومنها: العصبية المفرطة، والتوقف عن الأكل، أو تناوله بشكل مبالغ فيه، وعدم الرغبة في الإفصاح عما يتعرض له، وعدم القدرة على النوم، والكوابيس المخيفة، والبكاء أثناء النوم، والتبول في الفراش»، مشيرة إلى أن طبيعة نوم الأطفال تعد مرآة دقيقة لما يحدث معهم خلال يومهم؛ لذا يجب الانتباه إليها.



وأكدت أن التنمر اللفظي هو الأكثر انتشاراً، وللأسف هناك مدارس تغض الطرف عنه، مشيرة إلى أنه لا أحد يولد متنمراً، لكن يمكن لأي طفل أن يتعلم سلوك التنمر ويمارسه في ظل ظروف معينة، ومن الأسباب الشائعة، التي تجعل الأطفال متنمرين: أن معظم الأطفال الذين يمارسون التنمر هم أنفسهم تمت ممارسة التنمر عليهم من قبل، وأيضاً أن يكون هؤلاء الأطفال جزءاً من اتفاق، عن طريق الانضمام إلى مجموعة من المتنمرين طلباً للشهرة، أو الإحساس بالتقبل من الآخرين، أو لتجنب تعرضهم للتنمر، وكذلك اكتساب وتعلم العدوانية والتنمر في المنزل، أو في المدرسة، أو من خلال وسائل الإعلام، ومنها أيضاً الشعور بالإهمال والتجاهل في المنزل، أو وجود علاقة سيئة مع الأبوين، تولد الشعور بالضعف والعجز في حياتهم، وبدورها تساهم في تضييق الخناق على الطفل، وتدفعه إلى البحث عن طرق أخرى للحصول على القوة، وممارسة السيطرة على الآخرين، كما تعد الغيرة من أهم الأسباب لمحاولة المتنمر البحث عن الاهتمام لجذب الانتباه، وتتضمن الأسباب، كذلك، الافتقار إلى الشعور بالأمان النفسي والعاطفي، وتجارب سابقة نتجت عن تعلم أن التنمر يؤدي إلى تحقيق الرغبات، وعدم الوعي بالأثر السيئ الحقيقي للتنمر في الضحية.

وأشارت إلى أن التنمر فعل يحرمه الدين، وتنبذه الإنسانية، ويجرّمه القانون، ويبعد كل البعد عن أخلاقنا الطيبة، مشددة على أن المتنمرين ضحايا أيضاً، لكنهم ضحايا التربية الخاطئة للأهل، وإهمال المدرسة، لافتة إلى أن دور الأسرة يعد جوهرياً في زيادة نمو وانتشار ظاهرة التنمر والمتنمرين بالمدارس، ويرجع ذلك إلى طريقة التربية السلبية، واستخدام أسلوب العقاب الصارم والعنف، وعدم مد جسور الحوار الإيجابي البناء، أو عدم مشاركتهم مراحلهم العمرية بالحب والاحتواء الغامر، مشيرة إلى أن التكنولوجيا الحديثة ساهمت، كذلك، في انتشار ظاهرة التنمر بالمدارس، لأن معظم وسائل الإعلام، والأفلام، المنتشرة حتى وإن كانت موجهة إلى الأطفال، تشجع على فكرة أن البقاء دائماً يكون للشخص الأقوى، وليس للألطف والأكثر خيرية، وأن العنف ضروري للسيطرة على الآخرين، لذا علينا جميعاً، قادةً تربويين وأولياءَ أمور، أن نكون لأبنائنا صمام أمان، وقلعة حصينة بالقدوة الحسنة، حتى يتمكنوا من عبور رحلةحياتهم بأمان وسلام


تحدٍّ مجتمعي
فيما تحدثت الطفلة سلامة الطنيجي، عضو البرلمان الإماراتي للطفل، رئيسة المجلس الاستشاري للأطفال في المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، والمتحدث الرسمي لجائزة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة للوقاية من التنمر في المدارس، عن ظاهرة التنمر من وجهة نظرها وبمشاعر الأطفال، فقالت: «التنمر أصبح عدواً يتسلسل بين جدران منازلنا، التي تحولت من منزل مليء بدفء العائلة وهدوئها، إلى مبنى أنشئ بمواد جافة المشاعر، خالية من الترابط. ونجح التنمر في الوصول إلى فصول المدارس، التي تحوي طاولات دراسية، تخبئ بين أدراجها عبارات مسيئة للفرد والجمع، ومقاعد يجلس عليها طلاب يعانون الانطوائية الناتجة عن انعدام الثقة بالنفس، وفقدان شغف الاستماع إلى كل كلمة يكتبها، أو يقولها المعلم».

وأضافت: «بدأ شغفي بمحاربة هذا التحدي المجتمعي في سن العاشرة، حينما حدث موقف أمامي، ولا يبعدني عن موقع الحادثة المجتمعية إلا بضعة أمتار، لطالبتين تقومان برمي المستلزمات الدراسية، والممتلكات الشخصية لزميلتي التي أقضي معها حصصي الدراسية. لا أذكر إلا ملامح الاستياء والإحراج التي ظهرت على وجه زميلتي. وما إن عدت إلى المنزل؛ حتى بدأت بالتحقيق مع نفسي: هل أنا ضعيفة الشخصية، إلى الحد الذي أسمح معه بحدوث هذا الموقف دون التلفظ بحرف واحد، والسماح بأن يضاف اسمي إلى المتهمين بكبت مثل هذه الحوادث، تفادياً لإفساد العلاقات مع بقية الطالبات؟».

وتابعت: «نصحتني والدتي بإنشاء قناة على (تليغرام)، أقوم من خلالها ببث منشورات مختلفة حول التنمر، والوقاية منه. بعد ذلك، طرحت فكرة تقديم الورش التوعوية في حصص الفراغ بالمدرسة، وكانت إدارة المدرسة متعاونة بشدة، كما ساهم المجلس الأعلى للأمومة والطفولة في دعمي ودعم الجائزة بشكل كبير، من خلال اقتراحه عليَّ تقديم دورات توعوية في مختلف الجهات على المستوى الاتحادي للدولة، وإشراكي في عملية تحكيم ملفات الترشيح الخاصة بالجائزة، إيماناً منه بدور الطفل في حل القضايا والتحديات المجتمعية، التي تواجه الطفل».

ووجهت سلامة الطنيجي نصيحة، فقالت: «نمتلك جميعاً السلاح السلمي، الذي نستطيع من خلاله محاربة التنمر بالكلمة، إن كانت على هيئة كلمات تشمل الحقائق العملية، والرأي الذي يغلب عليه أسلوب الإقناع، أو حتى على شكل مقاطع نبثها على مواقع التواصل الاجتماعي، والخروج عن الصمت واكتساب الجرأة لقول: (لا)، أمام أي كلمة، أو فعل موجه بشكل سلبي إلى إنسان».