آخر تحديث :الأربعاء-25 فبراير 2026-12:17ص

الفن والأدب


يوم في رمضان

يوم في رمضان

الثلاثاء - 24 فبراير 2026 - 04:50 م بتوقيت عدن

- المرصد_خاص:

بقلم - ماريا الحسني
في اليوم الأول من رمضان، كان البيت يلبس فرحه كما تلبس الروح طمأنينتها. الوجوه مبتهجة، والقلوب مفتوحة كالنوافذ التي تركت نصف مواربة لتستقبل آخر خيوط الشمس الخجولة قبل الأذان.
كان البيت في أبهى حُلَلِه، كأنه تهيّأ لزيارة عزيز طال الشوق إليه. الجدران مغسولة بعناية، والبيت هادئ في وقارٍ جميل، كأنه يشهد على لحظة انتظارٍ مهيبة. وفي المطبخ، كانت أمي تقف أمام القدر، تقلبه بابتسامةٍ ، لا تحرك الطعام بقدر ما تحرك دعاءها لنا قبل الأذان. كانت رائحة الطعام تنتشر في أرجاء البيت كأنها دعوة مستجابة.
وحين يرتفع الأذان، نجلس جميعًا حول السفرة، فيلتئم شتات يومنا كما تلتئم الجروح. يجلس والدي في مكانه المعتاد، يحمل طبق التمر المرصوص بعناية، كأنه يحمل ذاكرة البيت ودفئه. لم يكن في الطعام ما يلفت النظر، لكنها قلوبنا التي اجتمعت أخيراً قبل أن تجتمع الأطباق.
بعد الإفطار، تتلألأ الشرفات كأنها نجوم هبطت من السماء على حواف البيوت، وتغدو الشوارع كأنها حُلم جماعي، تشبه أفراحًا صغيرة نتمناها سراً.
وما إن تدق الساعة الثامنة حتى تمتلئ الأرجاء بضحكات الأطفال؛ ضحكات تُوهب بسخاء، لا تستطيع أي كاميرا أن تحتفظ بها، لأنها تسكن القلب ولا توثق.
ولا يزال رمضان هو رمضان: شهر يفيض بالخير، والمسرات .

صحيح أننا كبرنا ، لكننا ما زلنا نحمل فانوس الطفولة بأيدٍ أكبر، ونعلّقه على الشرفة ذاتها، ليضيء فينا قبل أن يضيء الطريق.