آخر تحديث :الجمعة-08 مايو 2026-01:48م

الشأن العربي


سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحد يوسف مانع العتيبة يكتب :لماذا غادرت الإمارات أوبك فعليًا ؟

سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحد يوسف مانع العتيبة يكتب :لماذا غادرت الإمارات أوبك فعليًا ؟

الجمعة - 08 مايو 2026 - 01:21 م بتوقيت عدن

- يوسف مانع العتيبة


قبل أربعين عامًا، حضرتُ أول اجتماع لي لمنظمة أوبك. كانت تلك أول مرة أرتدي فيها بدلة وربطة عنق، وكان عمري 13 عامًا. لم أكن سعيدًا، وكذلك والدي مانع العتيبة، الذي كان حينها وزير البترول والثروة المعدنية في الإمارات.
كان ذلك في عام 1986، حين انهارت أسعار النفط إلى أقل من 10 دولارات للبرميل في وقت سابق من ذلك العام. أمضى والدي أشهرًا يحث أعضاء أوبك الآخرين على تشديد حصص الإنتاج واستعادة استقرار الأسعار. وقد عكست التقارير الإخبارية من مؤتمر جنيف في أغسطس من ذلك العام الأجواء السائدة. قال والدي للصحافيين: “ما زال أمامنا طريق طويل”، وأضاف: “لست متفائلًا كثيرًا”.
وكان محقًا في شكوكه. فقد انتهى الاجتماع من دون التوصل إلى حل. لكن أوبك نجت، وأصبحت الإمارات لاحقًا ثالث أكبر منتج فيها.
في الأسبوع الماضي، وبعد ما يقارب 60 عامًا من العضوية، أعلنت الإمارات انسحابها من أوبك. وهذا القرار لا يتعلق فقط بحصص الإنتاج أو الاضطرابات المرتبطة بالحروب، بل يعكس تغيّرات هيكلية في أسواق الطاقة العالمية، وتحولات جوهرية في الاقتصاد العالمي، ورؤية واضحة لمكانة الإمارات اليوم وإلى أين تتجه.
لقد بُنيت أوبك من أجل الدول المعتمدة على النفط، لكن الإمارات لم تعد كذلك منذ زمن طويل. عندما انضمت أبوظبي إلى أوبك، لم تكن الإمارات قد أصبحت دولة بعد. وبعد قيام الاتحاد، كانت الدولة الفتية تعتمد اقتصاديًا بشكل شبه كامل على عائدات النفط. آنذاك، كان إطار عمل أوبك — القائم على إدارة جماعية للإنتاج والانضباط المشترك وتنسيق الأسعار — منطقيًا لدولة صغيرة حديثة الاستقلال تدخل أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. فقد وفّر لها الخبرة والاستقرار والنفوذ الذي لم يكن بإمكانها تحقيقه بمفردها. لكن تلك الدولة لم تعد موجودة اليوم.
أقل من ربع الناتج المحلي الإجمالي للإمارات مرتبط بالطاقة حاليًا. أما القطاعات الأسرع نموًا فهي الطيران والخدمات اللوجستية والتصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي والسياحة وعلوم الحياة. وخلال السنوات الأربع الماضية، وقّعت الإمارات 35 اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة — دخلت 15 منها حيز التنفيذ بالفعل — مع الهند وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وأوكرانيا وإسرائيل وكينيا وماليزيا وفيتنام والأردن وغيرها، ما وسّع الوصول إلى أسواق تضم مليارات البشر. كما تعمل الإمارات على اتفاقية تجارة ثنائية مع الاتحاد الأوروبي، والتزمت بشراكة استثمارية وتكنولوجية بقيمة 1.4 تريليون دولار مع الولايات المتحدة. وهذه ليست ملامح دولة يتمثل اهتمامها الأساسي في إدارة إمدادات النفط ضمن إطار جماعي.
لقد ذكّر العام الماضي الحكومات والأسر جميعًا بما يعنيه انعدام أمن الطاقة فعليًا. فقد تسببت الاضطرابات الإقليمية في تعطيل الإمدادات ودفعت الأسعار نحو مستويات قياسية وفرضت تكاليف حقيقية على المستهلكين والمزارعين والشركات من دي موين إلى دلهي. والدرس واضح: العالم يحتاج إلى طاقة أكثر موثوقية وبأسعار معقولة، ويحتاج إلى منتجين قادرين على توفيرها.
مصلحة الإمارات تكمن في منطقة مستقرة لا مضطربة، وسياسة الطاقة لديها — مثل سياستها الخارجية — موجهة نحو هذا الهدف. تمتلك الإمارات طاقة إنتاجية فائضة كبيرة وبنية تحتية قادرة على التوسع. وتخطط لاستثمار عشرات المليارات من الدولارات في خطوط أنابيب جديدة وتطوير الموانئ وتعزيز الخدمات اللوجستية لضمان وصول الطاقة إلى الأسواق التي تحتاجها بغض النظر عما يحدث في المنطقة. ويبلغ الهدف الإنتاجي للإمارات 5 ملايين برميل يوميًا بحلول عام 2027.
لكن ضمن إطار إنتاج جماعي، تبقى هذه القدرة الإنتاجية معطلة. ولذلك فإن الخروج من أوبك ليس مجرد حساب تجاري، بل مسؤولية أيضًا. فالإمارات تمتلك القدرة على المساهمة في أمن الطاقة العالمي والاستقرار الاقتصادي الدولي في وقت أصبح فيه هذا الأمن والاستقرار معرضين للخطر فعلًا. وهي تعتزم القيام بذلك.
ومن المقرر ألا تُستخدم العائدات الناتجة عن زيادة الإنتاج للاستهلاك فقط، بل سيُعاد توجيهها إلى استثمارات في البنية التحتية عبر العالم النامي. فقد أمضت شركة مصدر، المتخصصة في الطاقة المتجددة، عشرين عامًا في بناء مشاريع في 40 دولة، بما فيها الولايات المتحدة. كما أن محطة براكة النووية — الأولى في العالم العربي — تعمل بالفعل وتولد طاقة نظيفة مستقرة.
وخصصت أدنوك عشرات المليارات من الدولارات لتطوير حلول منخفضة الكربون عبر ذراعها الاستثمارية الدولية الجديدة XRG. والإمارات لا تختار بين النفط والتحول في مجال الطاقة، بل تموّل أحدهما بالآخر.
وكأن هذه الأسباب لا تكفي لمغادرة أوبك، فما زالت إيران عضوًا كامل العضوية رغم مخالفتها المعلنة لهدف المنظمة المتمثل في “ضمان استقرار أسواق النفط من أجل تأمين إمدادات فعالة واقتصادية ومنتظمة من النفط للمستهلكين”. ففي يوم الأحد، وبانتهاك لوقف إطلاق النار والقانون الدولي، استأنفت إيران هجماتها على ناقلات النفط والبنية التحتية للطاقة في الخليج.
تحدثتُ مع والدي الأسبوع الماضي. وبصفته رئيسًا سابقًا لأوبك لست مرات، توقعت أن تكون لديه مشاعر متباينة بشأن انسحاب الإمارات من منظمة كرّس لها جزءًا كبيرًا من حياته المهنية.
لكنّه قال لي إن هذه كانت الخطة منذ البداية. وكما تجاوزنا تلك البدلة وربطة العنق في عام 1986، فقد تجاوزنا أوبك أيضًا. وأضاف أن عائدات النفط كانت دائمًا وسيلة لتحقيق غاية، ولم يكن الهدف يومًا أن نكون دولة نفطية، بل بناء شيء أكثر استدامة: اقتصاد متنوع، ومجتمع قائم على المعرفة، ودولة تمتلك العمق والشراكات التي تمكّنها من الازدهار مهما تغيّر العالم.