ترك الفنان الكبير عبد العزيز مخيون بصمة لا تمحى في ذاكرة الفن العربي، لكنه ترك أيضا إرثا من نوع آخر في حياة أبنائه الخمسة: مريم، علياء، عصماء، علي الدين، وصلاح الدين.
ورغم المكانة التي احتلها والدهم في قلوب الملايين، اختار أبناؤه جميعا مسارات مهنية بعيدة تماما عن بريق الشهرة وصخب الوسط الفني. في هذا التقرير، نفتح نافذة على الوجه الآخر لعائلة مخيون، لنستكشف كيف عاشوا حياتهم بعيدا عن أضواء الكاميرات.
على عكس السائد لدى أبناء الفنانين، لم يسع أبناء عبد العزيز مخيون لاستغلال اسم والدهم في اقتحام عالم النجومية أو البحث عن مقعد تحت أضواء البلاتوهات.
لقد حرص الفنان الراحل طوال حياته على إبعاد بناته الثلاث، مريم وعلياء وعصماء، عن العيون الفضولية للصحافة، مفضلا أن يبني حياتهن على أسس متينة من التعليم والثقافة. تشير المصادر إلى أن بناته اخترن مسارات علمية ومهنية بعيدة كل البعد عن الوسط الفني، حيث يركزن على نجاحاتهن في مجالات عملهن الخاصة وحياتهن الأسرية المستقلة. لقد نجحن في أن يظللن خارج دائرة الضوء، مفضلات السكينة التي ورثنها عن والدهن، مبتعدات عن أي صراعات قد تفرضها عليهن طبيعة حياة والدهن العامة.
ورث الابنان علي الدين وصلاح الدين من والدهما صفة الاستقلالية التي ميزت شخصية مخيون الفكرية طوال عقود؛ فلم نجد أيا منهما يسعى خلف دور في مسلسل أو عمل درامي ليحتمي باسم والده أو يرتكز على شهرته.
لقد كان مخيون يفتخر دائما في أحاديثه الخاصة بأن أبناءه بنوا أنفسهم بأنفسهم. لقد غرس فيهم مبكرا قيمة العمل الجاد، مؤكدا لهم أن الاسم لا يمنح نجاحا حقيقيا بقدر ما يمنحه السعي والمثابرة الشخصية. انعكس هذا النهج بوضوح في مساراتهم المهنية؛ حيث اتسمت حياتهم بالخصوصية التامة، مبتعدين عن إغراءات الشهرة السهلة التي قد يقدمها اسم العائلة، ومؤثرين البناء المهني في تخصصات عملية بعيدة عن قاعات التمثيل.
في تصريحات سابقة، كان الراحل يصف علاقته بأبنائه بأنها قائمة على الحوار الصديق لا الأمر العسكري. كان يرى أن دوره هو توفير الحماية والتربية السليمة، وترك لهم حرية الاختيار المطلق في مجالاتهم.
هذا الاحترام المتبادل هو السر الذي مكن الأبناء من الحفاظ على خصوصيتهم حتى في أصعب اللحظات. لم يكن مخيون أبا تقليديا يسعى لتوريث الفن بقدر ما كان أبا مثقفا يسعى لتوريث القيم.
لقد كان منزله بمثابة الحصن الآمن الذي يعود إليه بعد انتهاء كل دور، بعيدا عن أشباح الشخصيات الدرامية المركبة التي كان يجسدها، ليجد بين أبنائه الهدوء الذي يحتاجه لترميم روحه الفنية.
في لحظات الوداع الأخيرة، ظهر الأبناء في حالة من الحزن النبيل، محاطين بتقدير الوسط الفني. ورغم أنهم ظلوا طوال حياتهم بعيدين عن الأضواء، إلا أن التزامهم بالهدوء والوقار في التعامل مع فقدان والدهم، عكس بشكل جلي أنهم تربية رجل مثقف وفنان كبير عرف كيف يغرس فيهم قيم التواضع والاحتواء.
لقد ظل أبناء عبد العزيز مخيون خير امتداد لقيم العصامية والهدوء التي آمن بها والدهم. واليوم، بينما يترحم الجمهور على أعماله الخالدة، تظل سيرته الإنسانية حية في استقامة أبنائه الذين أثبتوا أن الفن العظيم لا يحتاج إلى توريث، بل يحتاج إلى تربية قائمة على الاحترام والخصوصية.