آخر تحديث :الثلاثاء-14 يوليو 2026-12:09ص

مقالات


أبو زرعة المحرمي.. الوتد الأخير للجنوب في زمن الصفقات ..

أبو زرعة المحرمي.. الوتد الأخير للجنوب في زمن الصفقات ..

الإثنين - 13 يوليو 2026 - 09:49 م بتوقيت عدن

- كتب وجدي السعدي


في مجلس القيادة الرئاسي لم يبق للجنوب صوتٌ مسموع إلا صوت واحد.
صوت لا يُساوم، ولا يُشترى، ولا يسير في ركاب الصفقات.
إنه اللواء أبو زرعة المحرمي.

ومن باب الأمانة، لا يعني تسليط الضوء على دور رجل بعينه انتقاصاً من أدوار بقية القادة الجنوبيين.
ففي مجلس القيادة والحكومة وعلى مستوى النخب السياسية والاجتماعية الجنوبية، هناك رجال قدموا ويقدمون، ولكل منهم موقعه وتضحياته التي تُحترم وتُقدر.
لكن حديثنا هنا عن نموذج محدد.. نموذج فرض نفسه في الميدان قبل الطاولة.

منذ لحظة وصوله إلى الرياض، لم يكن رجل بروتوكولات ولا باحثاً عن صورة. كان رجل ميدانٍ بامتياز. صامتٌ في العلن، حاضرٌ بقوة في حيث تُصنع المعادلات. قضيته لم تكن منصباً ولا مقعداً، بل كانت سؤالاً واحداً يتكرر كل يوم: كيف يبقى الجنوب حاضراً في المعادلة الوطنية، وكيف لا يُدفن صوت أبنائه في دهاليز التسويات؟

(حكمة في المنعطفات.. ومصلحة الجنوب أولاً)
ما ميّز أبو زرعة في كل المراحل أنه تعامل بحكمة ومسؤولية عالية في المنعطفات الحرجة.
في لحظات كادت فيها القضية الجنوبية أن تسقط، أو أن تُباع في أسواق المساومات والصفقات، وقف كالجبل.
رفع مصلحة الجنوب وقضيته فوق كل المصالح الشخصية والحزبية والمناطقية.
لم ينجر إلى صراعات جانبية، ولم يُبدّل البوصلة. كان يدرك أن الثبات في اللحظة الصعبة هو الانتصار الحقيقي

(قائدٌ صُنع في الميدان لا في القصور)
أبو زرعة ليس نتاج أروقة سياسية. هو ابن الخنادق. ترعرع بين البنادق، وتعلم فنون القيادة في ميادين المواجهة لا في صالات الاجتماعات.
حين غابت مؤسسات الدولة، كان هو الدولة.
حين فرغت المخازن، صنع من الفتات جيشاً.
حين انهارت الجبهات، بنى من العدم قوة ضاربة أعادت رسم خارطة المعركة.

(سجل حافل بالتحرير)
على يديه تحقق ما عجزت عنه حسابات كثيرة.
من سواحل باب المندب غرباً، حيث كسر الحصار وفتح شريان الملاحة، إلى صحارى حريب شرقاً على تخوم مأرب، حيث ثبت خطوط التماس وأعاد التوازن الميداني.
آلاف الكيلومترات تحررت، ومدنٌ عادت للأمن بعد أن كان الخوف سيدها. لم يكن انتصاره عسكرياً فقط، بل كان انتصاراً لمشروع دولة أمام مشروع ميليشيا.

(الاستهداف.. استهداف مشروع لا شخص)
اليوم، وبعد كل هذا الرصيد، تُشهر في وجهه الأقلام المأجورة، وتُطلق عليه حملات التشويه.
يهاجمونه لأنه لم ينحنِ.
يطعنون فيه لأنه لم يبع.
لأن بقاءه صلباً يعطل مشاريع الالتفاف على تضحيات الجنوب.

ولنقلها بوضوح: استهداف أبي زرعة ليس استهداف رجل. إنه استهداف للشمعة الأخيرة التي ما تزال مضاءة في آخر النفق. محاولة يائسة لإطفاء ما تبقى من حضور جنوبي فاعل داخل مؤسسات القرار.

التاريخ لا يُكتب بالبيانات، ولا تسقط القامات بمنشور.
الرجال الذين نحتتهم المعارك، وصاغتهم الدماء، لا تُسقطهم حملات إعلامية.
مساسكم بأبي زرعة هو مساس بالجنوب كله.

تحية إجلال لهذا القائد.
تحية لأبي زرعة المحرمي.. السند والظهر والوتد.
حفظه الله وثبت خطاه، ففي ثباته ثبات قضية، وفي قوته قوة شعب.

إن الجنوب الذي كتب تاريخه بالدماء والتضحيات، لن يتخلى عن رجاله ولن ينسى من كان لهم الفضل بعد الله في الذود عن الأرض والعرض. فالمواقف لا تُمحى، والأسماء التي سطرت المجد بأفعالها ستبقى حاضرة في ذاكرة الأجيال.

وجدي السعدي