في لحظة فارقة حبست أنفاس عشاق المغامرة عبر الوطن العربي، تحول حلم ارتقاء السحاب إلى مأساة مروعة فوق الأعالي الشاهقة، إذ طُويت الصفحة الأخيرة من حياة واحدة من أجرأ المغامرات العربيات، بعدما باغتت الجبال جسد المتسلقة العُمانية نظيرة الحارثي بانهيار ثلجي مرعب في شمال باكستان، لترتقي روحها بين الأحضان الميتة للثلوج التي كرست حياتها لقهرها.
الفاجعة أحدثت صدمة وجدانية واسعة في الشارع الخليجي، وتحولت المنصات الرقمية إلى سرادق رثاء حزين، حيث نعى سعيد الحارثي شقيقته الراحلة بكلمات تقطر حسرة ووجعاً، مستحضراً تفاصيل صباحات العيد التي كانت تضج بضحكاتها وحضورها اللافت، قبل أن يغيب صوتها الأبدي تحت ركام الجليد.
لم تكن قصة نظيرة (المولودة عام 1977) مجرد حكاية رياضية عابرة، بل كانت تمرساً استثنائياً للتحول، إذ بدأت مسيرتها كمعلمة جغرافيا حاصلة على الماجستير من جامعة السلطان قابوس، قبل أن تشتعل شرارة الشغف في قلبها عام 2015 خلال برنامج بيئي بجبل كليمنجارو بتنزانيا، لتتخذ القرار الأصعب ببدء تدريبات بدنية شاقة غيرت مجرى حياتها بالكامل.
وفي 23 مايو 2019، انتزعت الحارثي تصفيق العالم بعدما أصبحت أول امرأة عُمانية تُرفرف بركائز علم بلادها فوق قمة إيفرست (أعلى نقطة على كوكب الأرض) ضمن ملحمة نسائية عربية ألهمت ملايين الفتيات وكسرت الأشكال النمطية عن طموح المرأة العربية.
سلسلة الإنجازات لم تتوقف عند سقف العالم، بل واصلت البطلة العُمانية كسر الأرقام القياسية بجرأة غير مسبوقة:
عام 2021: أول امرأة عربية تروض قمة أما دابلام الشاهقة.
السيادة على العمالقة: اعتلت قمة ماناسلو، ثم قهرت جبل K2 الذي يُصنف كأحد أكثر جبال الأرض شراسة وخطورة.
صيف 2024: سجلت تاريخاً جديداً بانتصارها على جبل نانغا باربات، المعروف عالمياً بلقب الجبل القاتل.
ورغم التحديات الاجتماعية والنظرات التشكيكية التي لاحقت بداياتها ووصفت شغفها بالـ جنون، ظلت نظيرة الحارثي متمسكة برؤيتها أن الجبال معلم يرسخ الانضباط والإصرار.. قبل أن تكتب الفصل الأخير من أسطورتها بين القمم التي أحبتها حتى النَفَس الأخير.