آخر تحديث :الجمعة-14 أغسطس 2026-08:53م

المرصد خاص


الدكتور محمد الزعوري عضو وفد المجلس الانتقالي المحجتز بالرياض :قضية شعب الجنوب .. قضية وطن وهوية وتاريخ

الدكتور محمد الزعوري عضو وفد المجلس الانتقالي المحجتز بالرياض :قضية شعب الجنوب .. قضية وطن وهوية وتاريخ

الجمعة - 14 أغسطس 2026 - 07:26 م بتوقيت عدن

- المرصد_خاص:


لم تعد قضية شعب الجنوب العربي ملفًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، أو موضوعًا يمكن إبقاؤه في دائرة المراوحة؛ فهي نتاج مسار تاريخي وسياسي ممتد، بدأ مع مشروع الوحدة الفاشل عام 1990م، وما آلت إليه الأمور في حرب صيف 1994م، التي أجهضت ما تبقى من ذلك المشروع الذي تعسّف التاريخ والجغرافيا، وأفضت إلى فرض السيطرة العسكرية والسياسية واحتلال الجنوب، وإنتاج واقع سياسي واقتصادي واجتماعي معقد، تبلورت في سياقه قضية شعب الجنوب بصورتها الراهنة.

فمنذ حرب 1994م، توالت على الجنوب مراحل من الهيمنة والإقصاء والنهب والقمع المنظم، مارستها أجهزة نظام الاحتلال ضد إرادة شعب الجنوب؛ مرورًا بحرب 2015م، و2019م، ثم أحداث يناير 2026م، وما خلّفته هذه المحطات من تداعيات سياسية وعسكرية عميقة، مسّت جوهر قضيته، ومكتسباته وتطلعاته الوطنية.

ومن هنا، فإن توصيف قضية شعب الجنوب العربي بأنها مجرد «قضية سياسية عادلة» نشأت عن مظالم واختلالات متراكمة، وإن كان يعكس جانبًا من الحقيقة، فإنه لا يحيط بجوهرها السياسي والتاريخي. فقضية شعب الجنوب، في جوهرها، قضية سياسية بامتياز، «قضية وطن وهوية وتاريخ»؛ نشأت في سياق فشل مشروع الوحدة وحرب صيف 1994م، وما أعقبها من احتلال عسكري وسياسي واقتصادي ، ما تزال آثاره الكارثية حاضرةً في حياة شعبنا حتى اليوم.

إن شعب الجنوب العربي ليس تجمعًا من المكونات المتنافرة كما يحاول الأعداء تصويره، بل هو وحدة اجتماعية متماسكة، تستند إلى هوية تاريخية راسخة، ووحدة جغرافية متصلة، وإرث حضاري وثقافي ضارب في عمق التاريخ. وقد تتعدد الرؤى والمواقف بين أبنائه، وهذا أمر طبيعي في الحياة السياسية، غير أنها تلتقي في جوهر المشروع الوطني الجنوبي وثوابته ومرجعياته السياسية، وفي مقدمتها استعادة دولة الجنوب العربي وإعلان استقلالها، تتويجًا لنضالات طويلة وتضحيات جسيمة، قدّم خلالها شعب الجنوب وقواته المسلحة قوافل من الشهداء دفاعًا عن أرضه وهويته وحقه في الحرية وتقرير مصيره.

وقد عبّر شعب الجنوب، عبر المليونيات والمهرجانات والفعاليات السياسية المتواصلة في مختلف محافظات ومديريات الجنوب، عن إرادته السياسية الوطنية الحرة ، التي تبلورت بصورة أكثر وضوحًا تحت مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بوصفه المفوّض من الشعب كحامل سياسي لقضيته، وممثلًا عنه في المحافل الإقليمية والدولية.

ويستند هذا المشروع إلى مخرجات الحوار الوطني الجنوبي التي تُوّجت بإقرار وثيقة " الميثاق الوطني الجنوبي " في 8 مايو 2023م ، بما تضمنته من رؤية سياسية وأسس وطنية جامعة لبناء الدولة الجنوبية المنشودة. ومن ثم، فإن أي مقاربة سياسية جادة ينبغي أن تأخذ هذا الواقع بعين الاعتبار، وأن تتعامل معه بوصفه حقيقة سياسية راسخة أفرزتها سنوات طويلة من النضال والتضحيات الجسام، تُوّجت بالإعلان الدستوري الصادر في 2 يناير 2026م.

كما إن أي «حوار» جاد لا ينبغي أن يتحول إلى منصة لإعادة تعريف قضية شعب الجنوب، أو إلى حلقات نقاش للبحث في مسميات ومصطلحات ومفاهيم سياسية تجاوزتها سنوات الحرب، ولم تعد مقبولة محليًا وإقليميًا ودوليًا. فقد أصبح شعب الجنوب، وقيادته السياسية، ونخبه ومثقفوه، ومختلف شرائحه الاجتماعية، أكثر وعيًا ونضوجا في تحديد مشروعه الوطني، المتمثل في استعادة دولته، كاملة السيادة.

ولذلك، ينبغي أن ينطلق الحوار من هذه الحقيقة، وأن يتجه إلى مرحلة ما بعد استعادة الدولة: شكل الدولة ونظامها السياسي، ومؤسساتها السيادية والتشريعية والتنفيذية والقضائية، وضمان الشراكة والعدالة، وصون الحقوق والحريات، واحترام التنوع والخصوصيات الجنوبية.

وتأتي حضرموت في هذا السياق بوصفها ركيزة أساسية من ركائز الجنوب العربي، بثقلها التاريخي والثقافي والاقتصادي، وبما تمثله من عمق أصيل في الهوية الجنوبية. وينبغي أن تكون خصوصيتها مصدر قوة وإثراء للمشروع الجنوبي، لا مدخلًا إلى تفكيكه، مع ضمان حق أبنائها في إدارة شؤونهم ومواردهم ضمن إطار جنوبي عادل، وشراكة وطنية متوازنة، تحفظ خصوصيتها وتصون وحدة المشروع الجامع.

فقضية شعب الجنوب العربي أكبر من أن تُختزل في خطاب سياسي معادٍ، وأعمق من أن تُدار بالمبادرات المؤقتة أو التسويات المرحلية؛ إنها قضية شعب صاحب تاريخ وهوية وإرادة ومشروع، ولا يمكن أن يكون مجرد موضوع على طاولة الآخرين، بل طرفًا أصيلًا في تقرير مستقبله وصياغة الحل الذي يخصه.

ودمتم بكل خير

د. محمد الزعوري
14 / 8 / 2026م