آخر تحديث :الأحد-30 أغسطس 2026-05:13م

منوعات


من اليوجا إلى القوات الخاصة الأمريكية.. دراسة تكشف تأثير «تنفس الصندوق» في مواجهة التوتر

من اليوجا إلى القوات الخاصة الأمريكية.. دراسة تكشف تأثير «تنفس الصندوق» في مواجهة التوتر

الأحد - 30 أغسطس 2026 - 03:44 م بتوقيت عدن

- المرصد_ عكاظ


في لحظات القلق الشديد، قد يبدو النوم بعيداً، خصوصاً عندما ينشغل العقل بأحداث مؤلمة لا يستطيع الإنسان السيطرة عليها، هذا ما عاشته ماريا ميدينا، البالغة من العمر 31 عاماً، بعدما ضربت زلازل كارثية مسقط رأسها في لا غوايرا بفنزويلا، بينما كانت تعيش على بُعد أكثر من 1500 ميل في ولاية فلوريدا الأمريكية.

ومع عجزها عن مساعدة عائلتها وأصدقائها عن بُعد، سيطر القلق على لياليها، لكنها لجأت إلى تقنية بسيطة تُعرف باسم "تنفس الصندوق" (Box Breathing)، وجدت فيها وسيلة تساعدها على مواجهة التوتر والأرق.

وتقول ميدينا لـ BBC، إنها تستخدم التقنية خصوصاً عندما تستلقي في السرير ليلاً وتجد نفسها عاجزة عن النوم، معتبرة أنها تمنحها وسيلة للتعامل مع اللحظات التي تشعر فيها بأن قدرتها على تغيير ما يحدث محدودة.


تعرفت ميدينا على "تنفس الصندوق" عام 2020، عندما كانت تدرس للحصول على درجة الماجستير بالتزامن مع عملها بدوام كامل، ومع تفاقم الضغوط خلال جائحة "كوفيد-19"، شعرت بأن الجمع بين الدراسة والعمل أصبح يفوق قدرتها على التحمل، فلجأت إلى معالج نفسي عرّفها على تمارين التنفس.

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت تستخدم التقنية قبل النوم أو عند الاستيقاظ في منتصف الليل وعدم القدرة على العودة إلى النوم.

يوضح مدرب تمارين التنفس ستيوارت ساندمان أن التقنية تقوم على أربع مراحل متساوية: الشهيق لمدة 4 ثوانٍ، حبس النفس لمدة 4 ثوانٍ، الزفير لمدة 4 ثوانٍ، حبس النفس مجدداً لمدة 4 ثوانٍ، وبعدها تبدأ الدورة من جديد.

ولا يشترط الالتزام بأربع ثوانٍ تحديداً، لكن المهم أن تكون المراحل الأربع متساوية في المدة. ويمكن استخدام التقنية قبل المواقف المسببة للتوتر، مثل الامتحانات والعروض التقديمية، فيما قد يشعر البعض بتأثيرها خلال دقائق، بينما يفضل آخرون ممارستها حتى 15 دقيقة.

وترتبط تدريبات التنفس بممارسات تقليدية مثل اليوجا وفنون القتال، لكن "تنفس الصندوق" اكتسب شهرة واسعة حديثاً، لدوره المحتمل في تركيز الذهن وتحقيق التوازن في الجهاز العصبي.

ويقول ساندمان إن أفراد قوات البحرية الأمريكية الخاصة "SEALs" يستخدمون هذه الطريقة، خصوصاً قبل الدخول في مواقف عدائية، كما سبق له تدريب منتخب إنجلترا لكرة القدم على تقنيات التنفس.

وبحثت دراسة حديثة من أمريكا الشمالية تأثير "تنفس الصندوق" في مواجهة الضغوط، وخلصت إلى أن التقنية يمكن أن تساعد في الحد من الارتفاعات الكبيرة في معدل ضربات القلب وبعض مؤشرات التوتر داخل الجسم أثناء المواقف شديدة الضغط.

ونُشرت الدراسة في يونيو الماضي بدورية Comprehensive Psychoneuroendocrinology، وأجراها باحثون من جامعة تكساس الحكومية وجامعة تورنتو ميسوجا.

وترى الدكتورة هيلين جار، وهي طبيبة عامة تعالج أطباء وممرضين يواجهون صعوبات مرتبطة بالصحة النفسية، أن "تنفس الصندوق" من الوسائل المدعومة بالأدلة للمساعدة في السيطرة على استجابة الجسم للتوتر.

وتشير إلى أن المرحلة الأخيرة، وهي حبس النفس بعد الزفير، قد تكون الأكثر تأثيراً فسيولوجياً، إذ يؤدي ارتفاع ثاني أكسيد الكربون إلى إرسال إشارات للدماغ مرتبطة بالحاجة إلى التنفس، ما قد يساعد الجسم تدريجياً على التعامل بصورة أفضل مع هذا الإحساس.


وتستخدم بريتاني لام، البالغة من العمر 28 عاماً، التقنية بعد الاستيقاظ بدلاً من ممارستها قبل النوم، وتقول إنها تمارسها كل صباح، حتى إنها استخدمتها قبل مقابلة صحفية معها.

وتعرفت بريتاني على التقنية عبر الإنترنت خلال فترة صعبة من حياتها، وأصبحت تعتبرها وسيلة للعودة إلى الإحساس بالجسد بدلاً من البقاء عالقة في الأفكار المقلقة.

ودفعتها تجربتها إلى تعلم تقنيات تنفس أخرى ودمجها في عملها مدربة للحياة، كما تتدرب حالياً للحصول على ترخيص للعمل كمعالجة نفسية، وتستخدم تمارين التنفس في بداية جلساتها مع العملاء، خصوصاً عند مناقشة موضوعات عاطفية وثقيلة.

وتؤكد بريتاني أن تمارين التنفس ليست حلاً واحداً يناسب الجميع، إذ توجد تقنيات متعددة يمكن اختيارها وفقاً لحالة الشخص وظروفه، لكنها تقول إن تسعة من كل 10 أشخاص تعمل معهم يشعرون بتحسن واضح بعد ممارستها.

أما ميدينا، فما زالت تعاني نوبات أرق من وقت لآخر، لكنها أصبحت تمتلك أداة تساعدها على التعامل مع الضغوط.

ورغم عدم فقدانها أحد أفراد عائلتها المباشرين في الزلازل التي ضربت فنزويلا، والتي يُقدر أنها أودت بحياة 6300 شخص على الأقل، فقد أحد أقرب أصدقائها منزله، كما تعرف أشخاصاً فقدوا أفراداً من عائلاتهم وأصدقاء لهم.

وتلخص ميدينا تجربتها بالقول إن الناس ينسون أحياناً أن يتنفسوا بوعي وتركيز، معتبرة أن كثيرين يقللون من أهمية التأثير الذي يمكن أن يحدثه التنفس المتعمد في الجسم والعقل.