آخر تحديث :الإثنين-14 سبتمبر 2026-11:07م

مقالات


إختيار القائد

إختيار القائد

الإثنين - 14 سبتمبر 2026 - 10:15 م بتوقيت عدن

- كتب ـ العقيد الركن/ أحمد ناصر بارويس



اختيار القائد ليس رفاهية او مجامله بل قرار مصيري يحدد مصير المعركة.
في ساحات المواجهة، حيث تُحسم المصائر وتُكتب صفحات التاريخ بالدم، لا مكان للصدفة ولا للمجاملة. فقرار واحد لقائد واحد قد يقلب موازين معركة بأكملها. من هنا تبرز أهمية العودة إلى المعايير الثابتة لاختيار من يتصدر الصفوف ويحمل أمانة القيادة.

تصحيح قرآني لمفهوم القيادة

عندما قرر بنو إسرائيل النفير والقتال، توجهوا إلى نبيهم بطلب واضح: "ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله".  
كان تصورهم للقيادة قاصراً على المظاهر... المال، الجاه، والنفوذ.  
لكن الرد الإلهي جاء ليضع النقاط على الحروف قال الله تعالى :  
﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
[ البقرة: 247]

"(سبب الإختيار).                   

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ"  

معادلتان فقط... لكنهما أساس صناعة القائد وهي اصطفاء وزيادة في العلم والجسم ليس فقط علم وجسم ولكن زياده فيهما.

البند الأول: البسطة في العلم... عقل المعركة
القائد دون علم هو قائد بلا بوصلة. 
1.  عقلية استراتيجية: إدراك لطبيعة المسرح، وقراءة للعدو، واستشراف للمستقبل.
2.  خبرة ميدانية: علمٌ نظري مدعوم بمناورات وتجارب عملية راكمتها سنوات الخدمة.
3.  دقة البلاغ العسكري: فصاحة في الأمر والنهي، ووضوح في التوجيهات الشفوية والمكتوبة.
القائد اللذي لا يفرق بين حرفي {ق& غ} قولاً وكتابتاً هو كارثة 
    فالفرق بين "تحركات قريبة للعدو" و "تحركات غريبة للعدو" هو فرق حرف واحد... وقد يكون فرق حياة أو موت.
4.  البيان سلاح: كما قال موسى عليه السلام "وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا". فالكلمة في الميدان طلقة.
على القائد أن يقف على أقل تقدير أمام جنده في الأسبوع يوماً يطلعهم على كل جديد ويوضح لهم كل أمر ويزيل عنهم كل شُبه وحتى لا يُسيطر عليهم غيره.

البند الثاني: البسطة في الجسم... سواعد المهمة
العقل وحده لا يكفي. لابد من جسد يترجم القرار إلى فعل.
1.  لياقة قتالية: قدرة على تحمل مشاق الميدان، والسهر، والتنقل، وضغط العمليات.
2.  صلابة بدنية: تتناسب مع طبيعة التكليف. فقيادة الخطوط الأمامية لها استحقاقها، وقيادة غرفة العمليات لها استحقاقها.
3.  قوة التحمل: القائد الذي ينهار جسدياً ينهار معه الجنود معنوياً.
على القائد أن يزور المواقع بنفسه ويتأكد من جنودة وتطمئن على تواجدهم ويفتش على عتادهم وعُدتهم، و على مدى انضباطهم والتزامهم بمواقع تواجدهم وتفهم مهمتهم.

الخلاصة العملياتية: القائد حل لا مشكلة
إن ملف اختيار القادة هو أخطر ملفات المؤسسة العسكرية.  
القائد الكفؤ هو من يحول الأزمة إلى فرصة، والإشكالية إلى حل، والمهمة الصعبة إلى إنجاز.  
يُنجز بصرامة، ويقود بانضباط، ويثبت بـ رباطة جأش وقت الشدة.  
القائد ليس عبئاً يُضاف إلى  القيادة العليا التى اختارته و أوكلت له المهمه بل هو الحل الذي يكون بيده برجاحه عقله وقوة بدنه والسند الذي يتكئون عليه جنودة وتطمئن له قيادته.
فالهدوء في الأزمات ليس ضعفا ً، والحزم ليس تدهورا ً، والصرامة ليست قسوة، إنما القيادة على الموازنة بين العناصر بما يخدم المهمة ونجاحها.

وفي الختام:  
القيادة تكليف ثقيل ومسؤولية دماء، لا تشريف كرسي. ومن يختار القائد، إنما يختار مصير جيش بأكمله .
القائد يُعرف عند الشدة ويختبر عند القرار وتقاس قيمته بما يتركه من أثر في رجاله و مؤسسته.
القائد الحقيقي هو الذي يصنع من الانضباط قوة، ومن التدريب كفاءة، ومن الرجال وحدةً متماسكة، ومن القرار مسؤولية لا يتنصل منها.
القائد لا ينسب النجاح لنفسه بل مع رجاله، ولا يرمي الفشل على مرؤوسيه، بل يبدأ بمراجعة قراره وأسلوب قيادته.
وكما يقال للنجاح ألف رأس 
وللهزيمة رأس واحد .