آخر تحديث :السبت-19 سبتمبر 2026-06:44م

مقالات


علاء فروة وجينات القيادة

علاء فروة وجينات القيادة

السبت - 19 سبتمبر 2026 - 05:39 م بتوقيت عدن

- كتب المستشار والباحث مختار راجح

لقد كنت في ريبةٍ من أمري، بعد أن كانت كل عواطفي قد اتخذت من محراب الوطن مقامًا للصلاة، وبعد أن أصبح البحث عن الرجال الذين يحملون همَّ الدولة ويؤمنون بأن الوظيفة العامة مسؤولية لا وجاهة، شغلًا من أشغالي التي لا تنتهي.

وكنت أظن أن بعض الأحلام التي نحملها عن الوطن قد تحولت، من فرط ما اصطدمت بالواقع، إلى أضغاث أحلام؛ أحلامٍ جميلة في معناها، شاقة في طريق تحقيقها.

لكنني حين زرت مدير السجن المركزي بأبين علاء فروة، وجدت أمامي رجلًا لا يزال يحمل شيئًا من تلك الأحلام التي كادت تتوارى خلف غبار الواقع.

وجدت رجلًا يحمل همًّا، ويملك أفكارًا، ويحاول أن يجعل من المكان الذي أوكلت إليه إدارته مساحةً للإصلاح لا مجرد مساحةٍ للعقوبة.

والأجمل من ذلك أنني رأيت في طريقة تعامله مع السجناء معنى لا ينبغي أن يغيب عن مفهوم العدالة؛ فالسجين، مهما كانت جريمته ومهما كان الحكم الصادر بحقه، يظل إنسانًا له كرامته التي لا تسقط بالعقوبة، وله حقه في المعاملة الإنسانية، وفي أن يجد من يساعده على العودة إلى المجتمع صالحًا نافعًا بعد انتهاء العقوبة.

وهنا تكمن قيمة القيادة الحقيقية.

فالمدير الناجح ليس من يملك مفاتيح الأبواب فحسب، وإنما من يعرف كيف يفتح أمام الإنسان بابًا آخر للحياة.

وقد لفت انتباهي ما يحمله علاء فروة من أفكار ومشروعات تتصل بتأهيل مصلحة السجون في أبين وتطوير أوضاعها، وهي أفكار إذا وجدت الرعاية والإمكانات والإرادة المؤسسية يمكن أن تتحول من مجرد أحلام فردية إلى برامج إصلاح حقيقية.

إن السجن الذي يؤدي وظيفته القانونية والإنسانية لا ينبغي أن يكون نهاية الطريق، بل يمكن أن يكون بدايةً لتصحيح الطريق.

والتأهيل ليس ترفًا إداريًا، بل جزء من فلسفة العدالة؛ لأن المجتمع لا يستفيد من إنسان يخرج من السجن أكثر قسوةً مما دخل، وإنما يستفيد حين تتيح المؤسسة العقابية قدرًا من التعليم والتقويم والتدريب وإعادة بناء السلوك، وفق القانون والإمكانات المتاحة.

وفي شخصية علاء فروة رأيت شيئًا من جينات القيادة؛ فالقيادة ليست صوتًا مرتفعًا، ولا مكتبًا واسعًا، ولا سلطةً على الآخرين، وإنما هي أن تحمل همَّ المكان الذي تديره، وأن تنظر إلى أوجه القصور باعتبارها مسائل قابلة للإصلاح، وأن ترى في العامل والسجين والموظف والإنسان داخل المؤسسة عناصر في منظومة واحدة تحتاج إلى إدارة رشيدة.

لقد كان لقائي به بالنسبة لي أكثر من زيارة عابرة؛ فقد وجدت رجلًا يتحدث عن الواقع بعين من يعرف صعوباته، ولكنه لا يستسلم لها، ويحمل من التصورات ما يجعله يتطلع إلى غدٍ مختلف.

وهنا قلت في نفسي:

ربما لم تمت الأحلام، وإنما تبحث عن رجالٍ يؤمنون بها.

وما أجمل أن تجد في مؤسسةٍ شاقةٍ بطبيعتها رجلًا يحاول أن يجعل من الصعوبة مجالًا للإصلاح، ومن الإمكانات المحدودة سببًا للابتكار، ومن السجن محطةً يمكن أن تبدأ منها رحلة جديدة للإنسان.

إنني لا أكتب هذه الكلمات بحثًا عن مجاملة، ولا أرفع شخصًا فوق مؤسسته، وإنما أقول ما رأيته ولمسته في تعامله وفكرته عن العمل.

فالرجال الذين يحملون مشاريع الإصلاح يحتاجون إلى مؤسساتٍ تسمعهم، وسلطاتٍ تدعمهم، وإمكاناتٍ تساعدهم على تحويل الأفكار إلى واقع.

ومن هنا فإن رسالتي إلى الجهات المسؤولة:

اهتموا بمثل هذه القيادات.

ابحثوا عن الرجل الذي يحمل مشروعًا، لا عن الرجل الذي يحمل منصبًا فقط.

ادعموا من يريد أن يصلح المؤسسة من داخلها، ومن ينظر إلى السجين بعين القانون والإنسانية، ومن يحاول أن يحول مرفقًا صعبًا إلى مؤسسةٍ تؤدي رسالتها في الأمن والإصلاح والتأهيل.

فالوطن لا يحتاج فقط إلى من يشغل الكرسي، وإنما يحتاج إلى من يحمل مسؤولية الكرسي.

وقد يكون بين أيدينا اليوم رجالٌ يملكون بذور التطوير، ولكنهم يحتاجون إلى من يسقيها بالإمكانات والدعم والمتابعة.

علاء فروة واحد من أولئك الذين رأيت فيهم هذه البذرة؛ رجلٌ يحمل همًّا، وفكرةً، وحلمًا، ويحاول أن يجعل من موقعه مساحةً للعمل لا مجرد عنوانٍ إداري.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في رجل القيادة:

إنه لا يسأل: ماذا أعطاني المنصب؟
بل يسأل: ماذا أستطيع أن أعطي من خلال المنصب؟

وهنا تبدأ القيادة الحقيقية.

وهنا أيضًا يصبح الأمل في الوطن ليس أضغاث أحلام، بل مشروعًا يمكن أن يولد من رحم الواقع، إذا وجد الرجال الذين يؤمنون به، ووجدت الدولة التي تعرف قيمة رجالها.

تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح