في نهاية تراجيدية تشبه فصول المسرحيات الكلاسيكية الحزينة التي طالما أبدع في تجسيدها، أسدل الممثل والمخرج المسرحي الفرنسي أرنو دوني الستار على حياته عن عمر ناهز 43 عاماً. لم يكن الموت هنا قدراً مفاجئاً، بل قراراً واعياً وشجاعاً اتخذه النجم بعد خضوعه لعملية "القتل الرحيم" في بلجيكا، ليضع حداً لمعاناة صحية قاسية استمرت لنحو ثلاث سنوات، وسلبت منه شغفه وقدرته على الوقوف مجدداً تحت أضواء المسرح.
عقب رحيله، نُشرت رسالة وداع مؤثرة عبر حساباته الرسمية على منصات التواصل الاجتماعي، كشفت عن عمق الألم الذي كابده. أعلن دوني في كلماته الأخيرة قراره بـ "إلقاء السلاح" بعد سنوات من الآلام المبرحة التي لا تُحتمل. وفي لحظاته الأخيرة، حرص النجم الفرنسي على توجيه تحية إشادة وامتنان للرعاية الطبية والإنسانية الفائقة التي أحاطته في بلجيكا، حيث يُسمح قانونياً بالقتل الرحيم وفق شروط طبية وأخلاقية صارمة تضمن كرامة الإنسان.
تعود بداية الفاجعة إلى عام 2023، حين خضع الممثل أرنو دوني لتدخل جراحي لتركيب شبكة طبية تهدف إلى معالجة فتق أربي. ما كان يُفترض أن يكون إجراءً طبياً روتينياً، تحول إلى كابوس صحي مدمر. تفاقمت حالته ليضطر للسفر إلى الولايات المتحدة في أبريل من عام 2024 لإزالة هذه الشبكة، إلا أن الأضرار كانت قد تفشت. شُخّص دوني لاحقاً بمتلازمة التهابية نادرة تُعرف باسم ASIA، رافقها التهاب حاد في الدماغ والنخاع العضلي، وهو ما يُعرف طبياً بمتلازمة التعب المزمن، مما أقعده تماماً عن ممارسة حياته وفنه.
ورغم قسوة الأعراض، اصطدم دوني بتعنت طبي، حيث رفضت الجمعية الفرنسية لجراحة الجهاز الهضمي الاعتراف بوجود علاقة سببية مباشرة بين الشبكة الطبية والأعراض التي عانى منها، منكرةً ما يُعرف بـ "متلازمة عدم تحمّل المادة الاصطناعية".لم يستسلم أرنو لآلامه بصمت، بل حول معاناته إلى قضية إنسانية. قام بتأسيس مجموعة حقوقية للدفاع عن المرضى الذين تعرضوا لمضاعفات مشابهة إثر زرع شبكات الفتق. كما سلك المسار القضائي وتقدم بشكوى ضد مجهول بتهمة التسبب بإصابات غير متعمدة، محاولاً تسليط الضوء على هذه الكارثة الطبية، إلا أن قضيته حُفظت قضائياً في أغسطس الماضي، مما زاد من خيبة أمله.
خلف هذه النهاية الحزينة، يترك الممثل أرنو دوني إرثاً مسرحياً يفيض بالإبداع. تتلمذ في بداياته على يد القامة المسرحية الفرنسية جان لوران كوشيه، قبل أن يصقل موهبته في المعهد الوطني العالي للفنون المسرحية. موهبته الفذة جعلته اسماً بارزاً في الساحة الفرنسية، حيث رُشح ثلاث مرات لجوائز "موليير" العريقة. وتوّج مسيرته الإخراجية في عام 2025 حين نال جائزة نقابة النقاد عن إخراجه المبدع لمسرحية "العلاقات الخطرة" (Dangerous Liaisons)، تاركاً بصمة فنية خالدة في ذاكرة المسرح الفرنسي، قبل أن يختار الانحناءة الأخيرة بملء إرادته.