آخر تحديث :السبت-13 يوليه 2024-06:16م

زاوية مودة ..الإنسان قطعة خشب!

الأربعاء - 12 يونيو 2024 - الساعة 05:21 م

ليان صالح
بقلم: ليان صالح
- ارشيف الكاتب


كتب/ ليان صالح



بينما أنا في نزهة إلى شاطئ البحر بصحبة عائلتي، البحر الذي يعتبر الملاذ الآمن لغسل نفوسنا من شوائب الزمن..وتطهيرها من رجس الهموم والمشاكل التي أصحبت تحيط بنا من كل جانب.
على شاطئ البحر حيثُ امتزج لون السماء بلون ماء البحر فخرج لون جديد بينهما في الفضاء يبدو أنه لون النقاء والصفاء، تبارزت لآلئ الشمس المودعة في قلب الماء في الصعود على صفحة البحر والتلألؤ للرائح والغادي. جعلتِ القوارب تمخر عباب البحر في تبخترٍ لامثيلَ له، وكأنها تعيش قصة حبٍّ راقية مع صفحة البحر.

كنتُ منهمكة في تأمل بديع صنع الخالق جل في علاه..استيقظتُ من سباحتي في مدارات البحر على يدٍ تربت على كتفي من الخلف، يدٌ كانت تتعجب لمكوثي الطويل أمام البحر..وجدتها سيدةً صغيرة السن تبدي تعجبها وإعجابها بحبي للإبداع،جلست إلى جواري،وتجاذبنا أطراف الحديث،عرفت حينها أنها طبيبة عظام..
طلبت مني أن تريني آخر ماتوصلَ إليه العلم في مجال أمراض العظام وجراحتها من خلال مقطع فيديو على هاتفها النقال فوافقت.

رأيت أجزاءَ من عظام البشر على هيئة بلاستيكية،فهيكل للعمود الفقري،وفقرات عنقية وصدرية وقطنية،وعجزية،وسيقان ومفاصل، هكذا هو الإنسان عظام تبنى فوقها عضلات وجلود وشرايين وأعصاب، وقامت السيدة تشرح لي ذلك لتريني كيف أن الإنسان قطعة خشب..دون أن يدري.

شاهدتُ كيف توضع بمهارة شريحة على بعض فقرات العمود الفقري،ومن ثم دق المسامير بشاكوش طبي لتثبيتها،وكأنها قطعة خشب، وتثبيت كسر في الساق بالطريقة نفسها بدق المسامير والشرائح بعناية فائقة،ثم تغيير مفصل الركبة وكأنه مفصلات باب خشبي قد ذبلت وحان وقت تغييرها.

ولأنني لستُ طبيبة، لم أدرك كل ما يحدث طبياً، لكنني أدركت تماماً أن ذلك الإنسان ضعيف جداً، لايعلم أنه قابل للتصليح مثل الأخشاب التي تتكسر، بشاكوش وشرائح ومسامير ومفاصل صناعية وبمبضع جراح ماهر وغرفة عمليات وفريق طبي وأجهزة تنفس صناعي ورسم قلب ومنظار، لايعلم الإنسان أنه مثل قطعة الخشب يحتاج إلى التصليح بل إن تصليح الأخشاب أسهل بكثير من تصليح عظامه المنكسرة، فحتى قابليته للتصليح مرهقة ونسبة نجاحها ليست كبيرة.. وليست صغيرة أيضاً، فتصليح قطعة خشب مكسورة يتم في دقائق، أما تصليح عظمة واحدة مكسورة فيأخذ ساعات وساعات.

وخارج الجسد والعظام، يظن الإنسان أنه الأول فوق الكون أجمع، يتفاخر ويتكبر ويتعالى ،يسير في شموخ وكبرياء وكأنه بلغ الجبال طولا والبحار عمقاً، والسماء عرضاً وهو لايدري أنه عندما ينكسر يكون إصلاحه أصعب من إصلاح قطعة خشب!