آخر تحديث :الأربعاء-11 فبراير 2026-01:14ص

مقالات


جيل يعرف المشكلة… ويخاف من حلّها

جيل يعرف المشكلة… ويخاف من حلّها

الثلاثاء - 10 فبراير 2026 - 03:48 م بتوقيت عدن

- بقلم: اسامه ماهر باحويرث



أتذكّر جيّدًا تلك اللحظة حين عدت إلى البلاد، واكتشفت أن الأوضاع ساءت أكثر مما كانت عليه حين غادرتها. كنت برفقة أحد معارفي، ودار بيننا نقاش طويل عن السبب الحقيقي لما آل إليه الحال، اقتصاديًا… بل وسياسيًا.
تحدّثنا كثيرًا، تبادلنا الاتهامات، كلٌّ يحاول أن يبرّئ الجهة التي يراها أقل ذنبًا.
إلى أن قال جملة واحدة، ما زالت ترنّ في ذهني حتى اليوم، جملة غلبتني، ولم أعد أملك لها ردًا مقنعًا... قال:
"السبب الأول في استمرار معاناتنا كمجتمع… أنتم، يا معشر الشباب."
ثم أكمل دون تردّد: أنتم من تهربون من أرض الوطن، بهجراتكم المتكررة، واغترابكم في بلدان تخدمونها، تنمّون اقتصادها، وتساهمون في نهضتها
تعملون هناك، وتأخذون فتاتًا سريع التآكل، تعينون به أنفسكم وأهلكم، يكفيكم مرة، ولا يكفيكم مرات ثم ترحلون ويبقى من هم دونكم، ليعبثوا كما عبث من قبلهم، فتستمر المعاناة، وتسوء الخدمات، ويتراجع الاقتصاد، حتى ترى الهلاك في عيون الناس وفي الطرقات.
والأدهى — كما قال — أنكم ترون المشكلة بأعينكم، لكنكم تفرّون منها، كأنها مرض مُعدٍ. فإذا اشتدّ الانهيار، لذتم بالفرار. وإذا عدتم، عدتم كعابري طريق، مشمئزين من الأوضاع، ساخرين من رداءة الخدمات، متذمّرين… لا مشاركين.
ثم سكت
وتركني أمام حقيقة واحدة لا مهرب منها:
نحن جيل يعرف المشكلة… ويخاف من حلّها.

أنا كشاب يمني، لا أحمل حلمًا خارقًا، كل ما أتمناه أن أرى بلدي الحبيبة تعتلي القمم، وأن أكون — مثل غيري — نافعًا لها، لا عبئًا عليها.
السؤال الذي يلاحقنا ليس: هل نحب اليمن؟ بل: ما المشكلة التي تعيقنا كمجتمع، كدولة، كمسؤولية مشتركة؟
حتى لو كانت البلاد تمرّ بمرحلة مرضٍ عضال، وحتى لو كانت ممزقة، متباعدة، متنافرة، فذلك لا يعفينا من أن نكون نافعين.

أحزابٌ متحيّزة، ورؤى أيديولوجية ضيقة، ومصالح سياسية لا ترى أبعد من أنفها.

وطوائف متعصبة لأعراق تتوهّم نبالتها، وتنسى أن الوطن لا يُبنى بالدماء، بل بالعمل.
أين المشكلة في أن نُنمي البلد؟ في أن نصنع من الخراب أيقونة جديدة؟ مفادها: نحن كما نحن، لكننا نريد لبلادنا أن تنتعش. نحن لسنا أقل من أقراننا في دول الخليج، واليمن — بلدنا الحبيب — يملك كل مقومات القوة: ثروات نفطية، ثروة سمكية، أراضٍ زراعية، موانئ، ومؤسسات كانت يومًا ما غنية ومؤثرة.

فما الذي يمنع؟ لماذا يجتمع الساسة، والاقتصاديون، ومن وُكلت إليهم شؤون البلاد، ثم لا يحدث شيء؟
وأتوجّه بالسؤال إلى الجيل الصاعد: ما عذركم اليوم؟ وقد هدأت الأوضاع — ولو لبرهة — أما آن وقت النهوض؟ أما آن الالتفات إلى تنمية الاقتصاد، والعمل الحقيقي، والمشاركة الفعلية؟
إن كانت المعضلة في الشمال، فلنبدأ بالجنوب. نبدأ من أول محافظة مستقرة، من حيث يمكن للحياة أن تُستأنف.
فلتكن حضرموت، وإن لم تكن، فلتكن عدن.
فالازدهار لا يبدأ من الأبراج، يبدئ من طمأنينة المواطن، ومن ثقته بأن الغد لا يخدعه.

انظروا إلى المملكة العربية السعودية — خير مثال — كيف بُنيت رؤيتها، وكيف تحوّل الحلم إلى خطة، والخطة إلى واقع.... لماذا لا نملك نحن — شمالًا وجنوبًا — رؤية مستقبلية واضحة؟
لماذا ما نراه لا يتجاوز إعادة ترميم ما تهدّم، دون مشروع حقيقي للمستقبل؟

ليس من المعقول أن تمضي أعمارنا ونحن نلهث خلف الكهرباء، والماء، والصحة… وهي حقوق أساسية لدى بقية شعوب العالم. هذا ما عرفناه منذ وعينا على الحياة: مطالبة بما هو بديهي، لا طموح، ولا قفزة.
لقد أُنهك هذا الشعب من الأوضاع المأساوية، حتى صارت جزءًا من روتينه اليومي، وصار الألم مألوفًا… وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث.
فلنبدأ بخطوات صغيرة نحو الازدهار، مشاريع صغيرة، نُحسن إدارتها، ثم نطوّرها. نحن شعب تعوّد على الجوع، والبرد، والحر، ومع ذلك بقي واقفًا. إلى متى سنظل كما نحن؟ وبقية الشعوب سبقتنا إلى التطور، والنهضة التكنولوجية والفكرية، بينما نحن نعود إلى الوراء كل عام، نخيب أكثر من سابقه؟
هيا بنا ننهض، لا بشعارات،
برؤية صادقه
*لنكن الجيل الذي حقّق ما عجز عنه من سبقوه*