آخر تحديث :الجمعة-02 أكتوبر 2026-06:07م

اخبار محلية


مناشدة إلى نبراس العلم والمعرفة، الأستاذ الدكتور الخضر ناصر لصور رئيس جامعة عدن

مناشدة إلى نبراس العلم والمعرفة، الأستاذ الدكتور الخضر ناصر لصور رئيس جامعة عدن

الجمعة - 02 أكتوبر 2026 - 04:52 م بتوقيت عدن

- كتب المستشار والباحث / مختار راجح



نداءُ علمٍ إلى قامةٍ أكاديميةٍ، ورجاءُ باحثٍ أفنى عمره في محراب المعرفة، طمعًا في أن يتحول العلم إلى حياةٍ تُصان بها الحقوق وتُختصر بها سنوات المعاناة


إلى الأستاذ الدكتور الخضر ناصر لصور، رئيس جامعة عدن، نبراس العلم والمعرفة، وقامةٍ أكاديميةٍ يزدان بها محراب الجامعة، ورجلٍ اجتمع له شرف المسؤولية وعظمة الرسالة، فكان للعلم راعيًا، وللعقول حاضنًا، وللباحثين أملًا في أن يجدوا في رحاب الجامعة من يُنصت إلى طموحاتهم، ويحتفي بثمار عقولهم، ويمنح المعرفة ما تستحقه من رعاية واهتمام.

سيدي رئيس الجامعة،

من يستطيع أن يناقشني في علمٍ لم أُرِد به وجاهةً ولا شهرة، وإنما أردت أن أجعل منه جسرًا تعبر عليه العدالة من ضفة النصوص إلى رحابة التطبيق، ومن أروقة التنظير إلى ميادين الحياة، ومن حبيس الصفحات إلى واقع المواطن الذي ينتظر إنصافًا، وموظف الدولة الذي يبحث عن حدود اختصاصه، وقاضٍ يسعى إلى الفصل في الخصومات دون أن تتبدد أعمار المتقاضين في دهاليز الإجراءات؟

لقد خرجتُ من رحم المعاناة، وظهرتُ من بطن الحطام، وأمضيتُ ستةً وعشرين عامًا في رحلةٍ لم تكن مفروشةً بالورود، بل كانت دربًا تتنازعه قسوة الحياة وشغف المعرفة، حتى أثمرت تلك الرحلة موسوعةً قضائيةً وفقهيةً وقانونيةً وعلميةً مقارنة، تضم أربعةً وثلاثين مجلدًا، وأربعةً وأربعين بحثًا ودراسةً قانونيةً وفقهية، وثماني نظرياتٍ إجرائية وعلمية، أضعها بين يدي الوطن، لا باعتبارها نهاية المطاف، بل لبنةً في صرحٍ علميٍّ لا يكتمل بناؤه ما دامت العقول قادرةً على البحث، وما دامت الحقيقة أوسع من أن يحيط بها فردٌ أو مؤسسة.

إنها موسوعةٌ تأصيليةٌ مقارنة، اتخذت من القوانين اليمنية محورًا لدراستها، ومن الفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء الفقهاء والقانونيين روافدَ للمقارنة والتحليل، سعيًا إلى بناء فهمٍ متكاملٍ للنصوص القانونية، واستجلاء حكمتها، والكشف عن غاياتها، وربطها بواقع الدولة ومؤسساتها، من أعلى مستويات المسؤولية الوزارية إلى أدق تفاصيل الوحدات الإدارية في المحافظات والمديريات.

ولم يكن غرضي من هذا العمل مجرد شرح النصوص أو استعراض الأحكام، بل تجاوز ذلك إلى محاولة رسم خريطةٍ قانونيةٍ وإداريةٍ واضحة، تُبيّن لكل وزارةٍ اختصاصاتها، ولكل مسؤولٍ حدود صلاحياته، ولكل مكتبٍ في المحافظة أو المديرية مهامه ومسؤولياته، بما يعزز مبدأ المشروعية، ويحد من تداخل الاختصاصات، ويجعل القانون مرجعًا للعمل، لا نصوصًا معلقةً على جدران المؤسسات.

كما امتدت هذه الجهود إلى قوانين التقاضي وإجراءاته، بحثًا عن فلسفة النصوص وحكمتها، حتى لا يظل القانون حبيس الألفاظ، ولا تتحول الإجراءات إلى متاهاتٍ تستنزف أعمار الناس، بل يصبح استيعاب القاضي والمحامي لغايات النصوص سبيلًا إلى حسن تطبيقها، وتسريع الفصل في المنازعات، وحماية الحقوق، وترسيخ الثقة في القضاء.

سيدي رئيس الجامعة،

إن وراء هذه المجلدات والبحوث حكاية إنسانٍ لم يتخذ من ضيق الإمكانات ذريعةً للتوقف، ولم يجعل من تعثر الأحلام مبررًا للتراجع، بل ظل يكتب ويبحث ويؤصل، حتى أصبحت الصفحات التي خطتها سنوات العمر مشروعًا علميًا يتجاوز حدود الجهد الفردي إلى آفاق الإصلاح المؤسسي.

وما زلت أؤمن أن قيمة العلم لا تُقاس بكثرة ما يُكتب، وإنما بمقدار ما يتركه من أثرٍ في حياة الإنسان، وأن أعظم ما يمكن أن يقدمه الباحث لوطنه ليس أن يضيف كتابًا إلى المكتبات فحسب، بل أن يضع فكرةً تُنصف مظلومًا، أو نظريةً تختصر طريق العدالة، أو دراسةً تعين مسؤولًا على أداء واجبه، أو منهجًا يحول دون ضياع الحقوق في تعقيدات الإجراءات.

ولأنني لا أريد أن ينتهي هذا العمر بما أُنجز من موسوعاتٍ ودراسات، ولا أن تكون خاتمة رحلتي مجرد رفوفٍ تحمل عناوين الكتب، فقد اتجهت إلى ما أراه من أكثر المسارات اتصالًا بحياة الإنسان وحقوقه، وهو تطوير منظومة الخصومة القضائية، والبحث عن آلياتٍ علميةٍ وعمليةٍ تجعل العدالة أكثر سرعةً وفاعليةً دون التفريط في ضمانات التقاضي أو الإخلال بحقوق الدفاع.

ومن هنا جاءت رسالتا الماجستير والدكتوراه، اللتان أراهما امتدادًا طبيعيًا للمشروع العلمي، لا انفصالًا عنه؛ فالأولى تؤسس للتكييف الإجرائي للخصومة القضائية، وتشرح ماهية التكييف وآثاره في تحديد الطلبات والدفوع والدفاع والاختصاص، وما يترتب عليه من نتائجٍ في مسار الدعوى وحجية الحكم وقوته التنفيذية، بينما تأتي رسالة الدكتوراه لتنتقل بهذا التأصيل من ميدان النظرية إلى رحابة التطبيق، من خلال نظرية التحول الإجرائي في الخصومة القضائية: دراسة تأصيلية مقارنة في أثر تغيّر الوصف والتكييف والسبب والطلبات والدفاع على الاختصاص والحكم وحجيته وقوته التنفيذية.

إنها محاولةٌ لإعادة هندسة الخصومة القضائية، بحيث لا تكون الدعوى رحلةً طويلةً تتنازعها التأجيلات والإجراءات المتكررة، وإنما مسارًا قضائيًا منضبطًا، تُحدَّد فيه المسائل الجوهرية، وتُدار فيه الأدلة والطلبات والدفوع وفق منهجٍ علميٍّ متكامل، بما يفتح المجال للوصول إلى الفصل في بعض المنازعات خلال خمس جلساتٍ، بدلًا من أن تمتد لسنواتٍ، متى توافرت الشروط القانونية والواقعية، وحُفظت ضمانات الخصوم وحقوقهم كاملةً.

وما بين رسالة الماجستير التي تحمل عبء التأصيل، ورسالة الدكتوراه التي تحمل مسؤولية التطبيق، تتجسد فكرةٌ واحدة، هي أن العدالة ليست مجرد حكمٍ يصدر، وإنما منظومةٌ متكاملةٌ تبدأ من فهم الخصومة، وتمر بحسن إدارة إجراءاتها، وتنتهي بحكمٍ عادلٍ يمتلك حجيته وقوته التنفيذية، فتعود الحقوق إلى أصحابها، وتستعيد أحكام القضاء أثرها في حياة المجتمع.

وهنا، سيدي الرئيس، تكمن معضلتي العلمية التي أحملها إليكم.

إن رسالة الدكتوراه التي أضعها بين أيديكم ليست دراسةً نظريةً تقليديةً تكتفي بتناول المبادئ والأحكام في إطارها المجرد، وإنما هي رسالةٌ تطبيقيةٌ تستند إلى ممارسةٍ إجرائيةٍ معمقة، وتحتاج في مناقشتها إلى لجنةٍ علميةٍ تجمع بين التأصيل الأكاديمي والخبرة القضائية العملية، ولا سيما قضاةً أمضوا سنواتٍ طويلةً في ساحات القضاء، وتمرسوا على إدارة الخصومات والفصل في المنازعات، وعاينوا عن قرب ما تعانيه إجراءات التقاضي من تحدياتٍ وما تتيحه من فرصٍ للإصلاح.

وإنني أُدرك ما للجامعات وأساتذتها من مكانةٍ رفيعةٍ في بناء النظريات وتأصيل العلوم، وأُجلّ الدور العظيم الذي يضطلع به الأكاديميون في تطوير المعرفة، غير أن طبيعة هذه الرسالة التطبيقية تستدعي، إلى جانب ذلك، خبرةً قضائيةً ميدانيةً قادرةً على اختبار فرضياتها، ومناقشة آلياتها، واستجلاء مدى قابليتها للتطبيق في الواقع العملي، بما يضمن أن تكون المناقشة محكًا علميًا حقيقيًا للفكرة، لا مجرد استعراضٍ لمضامينها النظرية.

ومن هنا، فإنني أتطلع إلى جامعتكم العريقة، وإلى شخصكم الكريم، بما تمثلونه من مكانةٍ علميةٍ وخبرةٍ في إدارة المؤسسات الأكاديمية، راجيًا أن أجد لديكم من يستطيع أن يفتح أمام هذه الرسالة أفقًا علميًا يجمع بين الفكر الأكاديمي والممارسة القضائية، ويتيح لها مناقشةً تتناسب مع طبيعتها وأهدافها.

يا سيدي الرئيس،

إنني لا أضع بين أيديكم طلبًا بقبول رسالتي الماجستير والدكتوراه لمجرد ما بذلته فيهما من جهد، ولا أطالب بإعفاءٍ من معايير الجامعة أو تجاوزٍ لشروطها الأكاديمية، ولا أطلب أن تحل الموسوعة والبحوث والنظريات محل المناقشة العلمية الرصينة، وإنما أرجو أن تتاح لي فرصةٌ عادلةٌ لعرض هذا المشروع أمام لجنةٍ مؤهلةٍ تمتلك القدرة على مناقشته وتقييمه، وإخضاعه لموازين العلم والنقد والتحليل، حتى يكون ما أقدمه جديرًا بالثقة الأكاديمية، وقابلًا للإفادة منه في الواقع العملي.

فإن كانت هناك إمكانيةٌ لتشكيل لجنةٍ تجمع بين الأساتذة المتخصصين والقضاة ذوي الخبرة، وفق اللوائح والأنظمة الجامعية، فذلك ما أرجوه، وإن كان ثمة مسارٌ أكاديميٌّ آخر يحقق الغاية ذاتها، فإنني على استعدادٍ للنظر فيه، بل وإعادة النظر في بناء الرسالة أو تعديل مسارها، متى كان ذلك يحقق المصلحة العلمية ويصون جوهر الفكرة.

ولست مغترًا بما أنجزت، ولا أدعي أنني بلغت من العلم منتهاه، فالعلم بحرٌ لا شاطئ له، وكلما ظن الإنسان أنه أدرك منه شيئًا، اكتشف أن وراء ما أدرك آفاقًا أوسع، وأن ما يكتبه اليوم قد يحتاج غدًا إلى مراجعةٍ وتصويبٍ وإضافة. وإنما هي ثقة الباحث بما بذله من جهد، وإيمانه بما يمكن أن يقدمه مشروعه من خدمة، مقرونان بإدراكه أن قيمة الفكرة لا تتجلى إلا حين تعرض على النقد العلمي، وتُمحّص بالحجة والبرهان، وتُختبر بميزان المعرفة والتجربة.

وما أرجوه منكم، يا سيدي، أن تنظروا إلى هذا المشروع من زاوية رسالته المجتمعية، لا من زاوية صاحبه وحده؛ فالمسألة في جوهرها ليست شهادةً أبحث عنها لتزيّن اسمي، ولا لقبًا أضيفه إلى سيرتي، وإنما هي فرصةٌ أطمح من خلالها إلى تحويل سنوات البحث إلى معرفةٍ قابلةٍ للتطبيق، تسهم في تخفيف معاناة المتقاضين، وتطوير أداء المؤسسات القضائية، وتعزيز سيادة القانون، وحماية الحقوق والحريات.

إنني أرى في جامعة عدن، بما تحمله من تاريخٍ أكاديميٍّ ومكانةٍ وطنية، بيئةً قادرةً على احتضان مثل هذه المشاريع التي تتجاوز حدود التخصص النظري إلى ميادين الإصلاح العلمي والعملي، وأرى في شخصكم الكريم أملًا في أن يجد هذا النداء من يصغي إليه بعين المسؤولية العلمية، وبروح الأبوة الأكاديمية، وبما عُرف عنكم من اهتمامٍ بالعلم وأهله، ورعايةٍ للباحثين ومشروعاتهم.

وإن احتضانكم لهذا المشروع، متى استوفى شروطه الأكاديمية، لن يكون تكريمًا لباحثٍ فحسب، بل قد يكون إسهامًا في فتح مسارٍ للحوار بين الجامعة والقضاء، وبين النظرية والتطبيق، وبين البحث العلمي واحتياجات المجتمع، بما يثري المعرفة القانونية، ويمنح المؤسسات الوطنية فرصةً للاستفادة من الدراسات التي تتصل اتصالًا مباشرًا بحياة المواطنين.

سيدي رئيس الجامعة،

إنني سأبعث إلى سيادتكم برسالتي الماجستير والدكتوراه بصيغة PDF، مرفقتين بنموذجٍ من المجلدات التي تحتضن هذا المشروع، وبالسيرة الذاتية التي تتضمن مسيرتي البحثية وما أنجزته من موسوعاتٍ ودراساتٍ ونظريات، لتكون الصورة أمامكم مكتملةً، ولتتسنى لكم ولأهل الاختصاص دراسة الفكرة من مصادرها، والحكم عليها بميزان العلم وحده.

وإنني، بعد هذه السنوات الطويلة، لا أطلب أن أبدأ من جديد، وإنما أرجو أن أجد من يساعدني على إكمال ما بدأته، وأن تتحول هذه الجهود من أوراقٍ أرهقها الانتظار إلى مشروعٍ علميٍّ يجد طريقه إلى المناقشة والتطوير والتطبيق، فإن أصابت الفكرة فذلك فضلٌ من الله، وإن اعترضتها ملاحظات العلماء والخبراء، فذلك من طبيعة العلم الذي لا يكتمل إلا بالحوار والنقد والتصويب.

لقد علّمتني رحلة العمر أن الإنسان قد يملك الفكرة ولا يملك الطريق إلى إيصالها، وقد يختزن في صدره علمًا يحتاج إلى من يفتح له نافذةً نحو المجتمع، وأن أعظم ما يمكن أن يقدمه صاحب المعرفة هو أن يجد من يشاركه مسؤولية تحويلها إلى منفعةٍ عامة، لا أن تظل حبيسة مكتبٍ أو مكتبة.

وما زادني تمسكًا بهذا الطريق إيماني بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، فأي أملٍ أعظم من أن يترك الإنسان وراءه علمًا ينتفع به الناس، وأي غايةٍ أسمى من أن يتحول ما أفناه من عمره إلى أثرٍ يبقى بعد رحيله، فينتفع به قاضٍ في حكمه، ومحامٍ في دفاعه، ومسؤولٌ في أداء واجبه، ومواطنٌ في معرفة حقوقه؟

إنني لا أبحث عن مجدٍ شخصيٍّ بقدر ما أبحث عن فرصةٍ تمنح هذا العلم حقه في الاختبار والمناقشة، ولا أريد أن تكون نهاية هذه الرحلة مجرد احتفاءٍ بما كُتب، بل بدايةً لمرحلةٍ جديدةٍ يُمتحن فيها الفكر، ويُصقل فيها المنهج، وتُقاس فيها قيمة المعرفة بما تقدمه للإنسان والوطن.

فهل أجد في رحاب جامعة عدن من يستطيع أن يناقش هذا المشروع، ويمنحه حقه من التمحيص العلمي، ويجمع بين عمق النظرية وخبرة القضاء، لتكون المناقشة بدايةً لمسارٍ علميٍّ قد يسهم في اختصار سنواتٍ من معاناة المتقاضين، ويضع لبنةً في بناء عدالةٍ أكثر كفاءةً وإنصافًا؟

سيدي الرئيس، إنني أضع بين أيديكم حصيلة سنواتٍ من الصبر والبحث، لا لأثقل بها كاهل مؤسستكم، بل لألتمس لها موضعًا في رحاب العلم، وأتطلع إلى أن تكونوا ممن يمدون جسور المعرفة بين العقول، ويمنحون الأفكار الجادة فرصةً للعبور من عتمة الانتظار إلى فضاء الإنجاز.

وإن كان للعلم وطنٌ يأويه، فإن الجامعة هي محرابه، وإن كان للباحث حلمٌ يطارده، فإن الإنصاف العلمي هو بوابته، وإن كانت للأوطان نهضةٌ تُرجى، فإنها تبدأ حين تلتقي العقول المبدعة بالإرادات المؤمنة بأن خدمة الإنسان هي أسمى غايات العلم.

فكونوا، سيدي الرئيس، جسرًا تعبر عليه هذه الحصيلة العلمية إلى فضاء المناقشة والتطبيق، وشريكًا في فتح بابٍ من أبواب المعرفة التي قد ينتفع بها الوطن وأبناؤه، وتبقى ثمرتها بعد أن ترحل الأسماء وتبقى الآثار.

لكم مني عظيم التقدير والاحترام، ولجامعة عدن كل الاعتزاز بمكانتها العلمية والوطنية، وللعلم وأهله عهدٌ بأن تظل المعرفة رسالةً لا تنتهي، وخدمةً لا تنقطع، وأثرًا يتوارثه الأجيال.


وإن كانت لديكم، سيدي الرئيس، أي موانع أكاديمية أو لوائح جامعية تحول دون مناقشة الرسالتين، فإنني أضعهما بين أيديكم هديةً علميةً خالصة، لتتبنّى جامعة عدن دراستهما والانتفاع بمضامينهما، وتنطلقا بوصفهما مشروعًا بحثيًا يستحق التمحيص والتطوير، لمعالجة إحدى أبرز المعضلات التي يعاني منها القضاء اليمني، والمتمثلة في إطالة أمد التقاضي وما يترتب عليها من تأخر إنصاف المتقاضين وتعطيل مصالحهم.

وإنني على ثقة بأن جامعتكم العريقة، بما تمتلكه من تاريخٍ أكاديميٍّ ومكانةٍ علميةٍ راسخة، وبما تمثلونه من تقديرٍ للعلم ورعايةٍ للباحثين، قادرةٌ على أن تجعل من هاتين الرسالتين نواةً لمشروعٍ علميٍّ تطبيقي، يفتح آفاقًا جديدةً أمام الدراسات القانونية والقضائية، ويعزز حضور جامعة عدن في ميادين البحث العلمي، ويسهم في الارتقاء بمكانتها بين الجامعات، وفق معايير التميز الأكاديمي وجودة البحث والإنتاج المعرفي.

وليس أعظم من أن تتحول ثمرة جهدٍ فرديٍّ أفنى صاحبه سنوات عمره في سبيل المعرفة إلى إرثٍ علميٍّ تتبناه مؤسسةٌ أكاديميةٌ عريقة، فتمنحه الرعاية والتطوير، وتفتح به أبوابًا للباحثين والأجيال القادمة، ليكون العلم بذلك رسالةً تتجاوز حدود الأفراد، وتصبح ملكًا للمعرفة وخدمةً للإنسان والوطن.

وإنني، إذ أهدي لسيادتكم هاتين الرسالتين، لا أبتغي من وراء ذلك إلا أن أرى هذا الجهد يؤدي رسالته، وأن تجد أفكاره طريقها إلى البحث والتطبيق، وأن تكون جامعة عدن حاضنةً لهذا المشروع، بما يتوافق مع لوائحها واستقلالها الأكاديمي، وتقديرها لما يستحقه العلم من رعايةٍ وإنصاف.

تقبلوا، سيدي الرئيس، خالص تحياتي وعظيم امتناني، ووافر تقديري لشخصكم الكريم، ولما تبذلونه في سبيل العلم والجامعة والوطن.






البيانات العلمية للرسالتين

أولًا: رسالة الماجستير

العنوان المقترح: التكييف القضائي للخصومة: دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة في ضوء الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية والقضاء المصري.

طبيعة الرسالة: دراسة نظرية تأصيلية تحليلية.

تتناول الرسالة التكييف القضائي للخصومة، من حيث المفهوم والأسس والضوابط والآثار القانونية، مع شرح تفصيلي للعناصر التي يقوم عليها التكييف، ودوره في تحديد طبيعة الدعوى، وتكييف الوقائع والطلبات والدفوع، وتحديد الاختصاص القضائي، وصولًا إلى سلامة الأحكام القضائية وحجيتها وآثارها القانونية.

وتهدف الرسالة إلى وضع أساس علمي ومنهجي يساعد القاضي والمحامي والباحث القانوني على فهم فلسفة النصوص الإجرائية، واستيعاب الغايات التشريعية، بما يسهم في الحد من الأخطاء الإجرائية، وتفادي إطالة أمد الخصومات.

ثانيًا: رسالة الدكتوراه

العنوان المقترح: التحول الإجرائي في الخصومة القضائية: دراسة تطبيقية لتطوير آليات التقاضي وتسريع الفصل في المنازعات في ضوء الفقه الإسلامي والقوانين المقارنة.

طبيعة الرسالة: دراسة تطبيقية تستند إلى التأصيل النظري لرسالة الماجستير، وتختبر مدى إمكانية توظيفه في الواقع القضائي.

تسعى الرسالة إلى نقل المبادئ والنتائج التي توصلت إليها رسالة الماجستير من إطارها النظري إلى ميدان التطبيق القضائي، من خلال دراسة الإجراءات العملية لإدارة الخصومة، وتحليل التكييف القضائي للدعاوى، ومعالجة المسائل الإجرائية المرتبطة بالطلبات والدفوع والاختصاص والأحكام القضائية.

كما تستهدف بناء منهج تطبيقي يساعد على ترشيد إجراءات التقاضي، والحد من التأجيلات غير الضرورية، وتلافي تكرار الإجراءات، وتهيئة الظروف القانونية والعملية التي تتيح الفصل في بعض القضايا خلال خمس جلسات بدلًا من سنوات، متى سمحت طبيعة النزاع وأدلته وضمانات التقاضي بذلك، دون الإخلال بحقوق الدفاع أو بمبادئ العدالة.

العلاقة التكاملية بين الرسالتين

تمثل رسالة الماجستير الأساس النظري والتأصيلي الذي تُبنى عليه المفاهيم والضوابط والأحكام، في حين تمثل رسالة الدكتوراه الامتداد التطبيقي الذي يختبر تلك الأسس في واقع القضاء، ويبحث في إمكانية تطوير آليات العمل القضائي وتحقيق سرعة الفصل في الخصومات.

وبذلك يشكل العملان مشروعًا علميًا متكاملًا، يجمع بين التأصيل الفقهي والقانوني والتحليل القضائي والتطبيق العملي، ويهدف إلى الإسهام في معالجة إشكالية إطالة أمد التقاضي في القضاء اليمني، وتعزيز حماية حقوق المتقاضين، وتطوير كفاءة الإجراءات القضائية.