ربما يبدو الشعور بالشبع بعد تناول كمية صغيرة من الطعام أمرا إيجابيا، خاصة لمن يسعون إلى إنقاص أوزانهم، لكن الأمر يختلف عندما يتحول إلى إحساس متكرر بالامتلاء يمنع الشخص من إكمال وجبته المعتادة. ففي بعض الحالات يتعلق الأمر بتغير قدرة المعدة على استقبال الطعام أو نقله إلى الأمعاء.
ويعرف الأطباء هذه الحالة باسم "الشبع المبكر"، وهي من الأعراض التي قد ترتبط بعسر الهضم الوظيفي أو اضطرابات حركة المعدة، وقد تظهر أيضا مع مشكلات صحية أخرى، خصوصا إذا صاحبها الغثيان أو الألم أو فقدان الوزن دون سبب واضح.
يقول استشاري الأمراض الباطنية بالعيادات الملكية في قطر الدكتور مدحت محمد علي، إن الشعور بالشبع عملية فسيولوجية تشترك فيها المعدة والأمعاء والدماغ، ولا تتوقف على كمية الطعام التي يتناولها الإنسان وحدها، فعند بدء تناول الوجبة، ترتخي عضلات الجزء العلوي من المعدة وتتمدد لاستيعاب الطعام، بينما تنقل الأعصاب إشارات إلى الدماغ بشأن امتلائها. وتشارك في هذه العملية هرمونات تفرزها القناة الهضمية، وتسهم في تنظيم الشهية والإحساس بالشبع.
ومن أبرز المشكلات التي قد تقف خلف الشبع المبكر عسر الهضم الوظيفي، وهو اضطراب في التفاعل بين الجهاز الهضمي والدماغ، قد تظهر معه أعراض متكررة رغم عدم العثور على مرض عضوي يفسرها بعد التقييم المناسب.
وفي مراجعة طبية نشرتها مجلة نيو إنغلاند الطبية (New England Journal of Medicine) في يناير/كانون الثاني 2026، أوضح الباحثون أن عسر الهضم الوظيفي لا ينشأ بالضرورة عن آلية واحدة، وأن بعض المرضى قد يعانون تغيرات التهابية دقيقة في بطانة المعدة والاثني عشر، إلى جانب اضطرابات في الحركة الهضمية أو زيادة في حساسية الأعصاب.
وتشير المراجعة إلى أن هذه الآليات لا تنطبق بالضرورة على جميع المصابين، وهو ما يفسر اختلاف الأعراض والاستجابة للعلاج من شخص لآخر.
ويلفت الدكتور مدحت إلى أن خزل المعدة، أو بطء إفراغها من الطعام إلى الأمعاء الدقيقة دون وجود انسداد، يمثل احتمالا آخر ينبغي بحثه، خصوصا عندما يترافق الشبع المبكر مع الغثيان أو القيء أو استمرار الامتلاء لساعات بعد الطعام.
ويضيف أنه في هذه الحالة تتباطأ حركة الطعام من المعدة إلى الأمعاء الدقيقة دون وجود انسداد، ويعد السكري من أبرز الأسباب المعروفة لهذا الاضطراب، نتيجة تأثيره المحتمل في الأعصاب والخلايا المسؤولة عن تنظيم حركة المعدة، وقد تظهر أعراض مشابهة مع القرحة الهضمية أو التهاب المعدة وبعض الأمراض الأخرى، ولذلك لا يمكن تحديد السبب اعتمادا على الشعور بالشبع وحده.
وفي يونيو/حزيران 2026، نشرت مجلة "طب الجهاز الهضمي والكبد السريري" (Clinical Gastroenterology and Hepatology) تجربة سريرية عشوائية أجريت في المملكة المتحدة، شملت 60 مريضا يعانون متلازمة الضيق بعد الطعام، وهي أحد أنماط عسر الهضم الوظيفي.
وقارنت الدراسة بين الإرشادات الغذائية التقليدية ونظام غذائي منخفض السكريات قصيرة السلسلة القابلة للتخمر، المعروف باسم "فودماب".
وأظهرت النتائج تحسنا في شدة الأعراض ومؤشرات جودة الحياة لدى المجموعة التي اتبعت هذا النظام، لكن النتائج لا تعني أنه مناسب لجميع المصابين بالشبع المبكر.
ويبقى الفارق الأساسي بين الشبع الطبيعي والشبع المرضي هو تغير القدرة على تناول الطعام واستمرار الانزعاج وتأثيره في الصحة. فالشبع بعد وجبة صغيرة ليس مشكلة بحد ذاته، لكن العجز المتكرر عن إكمال الطعام، خاصة إذا صاحبه فقدان الوزن أو الغثيان أو الألم، يستحق البحث عن سببه بدلا من التعامل معه باعتباره وسيلة لتقليل السعرات الحرارية.