آخر تحديث :السبت-03 أكتوبر 2026-09:36م

مقالات


الموسوعة القضائية والفقهية والقانونية والعلمية المقارنة

الموسوعة القضائية والفقهية والقانونية والعلمية المقارنة

السبت - 03 أكتوبر 2026 - 09:32 م بتوقيت عدن

- بقلم / المستشار والباحث مختار راجح

**


*الباب الأول
*المدخل إلى قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني*
*دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة*

*الفصل الأول*
*ماهية قانون المرافعات والتنفيذ المدني وموقعه في النظام القضائي*

*المبحث الأول*
*مفهوم قانون المرافعات والتنفيذ المدني*

*المطلب الأول*
*التعريف التشريعي والفقهي لقانون المرافعات*

نظم المشرع اليمني قواعد المرافعات والتنفيذ المدني في قانون واحد هو القانون رقم (40) لسنة 2002م بشأن المرافعات والتنفيذ المدني، وقد بدأ القانون بباب تمهيدي خصصه للتسمية والتعاريف، ثم تناول سريان القانون من حيث الزمان، وولاية القاضي وحدودها، وغيرها من القواعد العامة.

ويكشف هذا التنظيم عن تصور تشريعي يقوم على وحدة متكاملة بين الخصومة القضائية والتنفيذ؛ فالخصومة تبدأ بالمطالبة القضائية، وتمر بإجراءات الإعلان والحضور والطلبات والدفوع والإثبات والمرافعة، وتنتهي بالحكم، ثم ينتقل الحق المحكوم به إلى مرحلة التنفيذ متى توافرت شروطه القانونية.

ومن الناحية الفقهية يمكن تعريف قانون المرافعات بأنه:
"مجموعة القواعد القانونية التي تنظم السلطة القضائية في مباشرة وظيفتها القضائية، وتنظم الخصومة أمام القضاء منذ نشأتها حتى صدور الحكم وما يتصل به من طرق الطعن والتنفيذ."

وهذا التعريف يبرز أن قانون المرافعات لا ينظم الدعوى بمعزل عن المحكمة أو الخصوم، وإنما ينظم العلاقة الإجرائية الكاملة التي تنشأ بسبب الالتجاء إلى القضاء.

ولا يصح اختزال قانون المرافعات في مجرد قواعد شكلية؛ لأن الشكل الإجرائي في كثير من الحالات شرع لحماية غاية موضوعية، كضمان العلم بالدعوى، وتمكين الخصم من الدفاع، ومنع المفاجأة، وتحقيق المساواة بين الخصوم، وضمان سلامة الحكم.

*رأي الفقهاء*

ذهب الفقه الإجرائي إلى النظر إلى قانون المرافعات بوصفه القانون المنظم للوسيلة التي يمارس بها حق التقاضي، وأن قواعده لا تستهدف الشكل لذاته، وإنما تستهدف تنظيم العمل القضائي وتحقيق الحماية القضائية.

وتظهر هذه الفكرة في مؤلفات كبار فقهاء المرافعات، ومنهم أحمد أبو الوفا وفتحي والي ووجدي راغب وغيرهم، حيث يرتبط البحث في الإجراءات بوظيفتها في حماية الحق وضمان حسن سير العدالة.

*المقارنة بالقانون المصري*

أصدر المشرع المصري قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم (13) لسنة 1968، وهو ينظم الاختصاص وإجراءات الخصومة والأحكام وطرق الطعن والتنفيذ الجبري، بما يجعل نطاقه قريبًا من الوظيفة العامة التي يؤديها قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني، وإن اختلف البناء التشريعي والتفصيلات بين النظامين.

ويلاحظ أن المشرع المصري أفرد قانون المرافعات المدنية والتجارية للتقاضي والإجراءات والتنفيذ، بينما جمع المشرع اليمني بين المرافعات والتنفيذ المدني في تشريع واحد.

وهذا الاختلاف في البناء التشريعي لا يؤدي إلى اختلاف في الوظيفة الأساسية؛ إذ يظل الهدف في النظامين هو تنظيم الحماية القضائية من مرحلة عرض النزاع أمام القضاء حتى الوصول إلى الحكم وما يترتب عليه من آثار تنفيذية.

*التأصيل في الفقه الإسلامي*

يقوم القضاء في الفقه الإسلامي على أصول إجرائية واضحة، وإن لم تكن مصاغة في صورة قانون إجرائي حديث.

فقد اهتم الفقهاء بضوابط الدعوى، والخصومة، والبينات، والإقرار، والشهادة، واليمين، والقضاء، وتنفيذ ما ثبت به الحق.

ومن أهم الأصول المتصلة بذلك قول الله تعالى:
"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ".

كما ورد في كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء ما يتعلق بتنظيم الخصومة وسماع الحجة وإعطاء الخصم حقه في البيان والدفاع.

ومن ثم فإن القواعد الإجرائية الحديثة، وإن اختلفت في الصياغة والتقسيم، تجد لها أصولًا في مقاصد القضاء الإسلامي، ولا سيما منع الظلم، وإيصال الحقوق إلى أصحابها، وتمكين الخصوم من عرض حججهم، ومنع الحكم بغير علم.

*رأي المؤلف*

يرى المؤلف أن قانون المرافعات لا ينبغي النظر إليه باعتباره قانونًا شكليًا محضًا، بل باعتباره "قانون الحماية القضائية".

فالحق الموضوعي لا يكتمل أثره العملي بمجرد تقريره في القانون، وإنما يحتاج إلى طريق قضائي يحميه، وحكم يفصل فيه، وقوة تنفيذية تمكن صاحبه من اقتضائه.

ومن ثم فإن المراحل الإجرائية الثلاث:
مرحلة الوصول إلى القضاء.
ومرحلة الحكم.
ومرحلة التنفيذ.
تمثل حلقات متصلة في منظومة واحدة هي منظومة الحماية القضائية.

*المطلب الثاني*
*الخصومة القضائية باعتبارها محل تنظيم قانون المرافعات*

عرف المشرع اليمني الخصومة القضائية ضمن التعريفات الواردة في القانون بأنها مجموعة من الإجراءات القضائية التي تبدأ بالمطالبة وتنتهي بحكم.

ويتميز هذا التعريف بأنه لا يجعل الخصومة مجرد علاقة بين المدعي والمدعى عليه، وإنما يجعلها مجموعة إجراءات متتابعة.

وهذا يعني أن الخصومة ليست حدثًا واحدًا، وإنما هي بناء إجرائي متكامل.

وتبدأ الخصومة بالمطالبة القضائية، ثم تنتقل إلى الإعلان، ثم الحضور، ثم تقديم الطلبات والدفوع وأوجه الدفاع، ثم الإثبات، ثم المرافعة، ثم الحكم.

ومن هنا فإن كل إجراء في الخصومة لا ينظر إليه منفردًا، وإنما ينظر إليه في علاقته بالمراحل السابقة واللاحقة.

*أثر هذا المفهوم في تفسير الإجراءات*

إذا كانت الخصومة مجموعة مترابطة من الإجراءات، فإن صحة كل مرحلة لا تقاس فقط بوجود الإجراء من الناحية الشكلية، وإنما بمدى تحقيقه للغاية التي شرع من أجلها.

فالإعلان مثلًا ليس مجرد ورقة أو إجراء مادي، وإنما غايته الأساسية تمكين الخصم من العلم بالخصومة وإتاحة الفرصة له للحضور والدفاع.

والدفع ليس مجرد عبارة ترد في مذكرة، وإنما وسيلة قانونية لحماية مركز الخصم.

والحكم ليس مجرد وثيقة مكتوبة، وإنما قرار قضائي يحسم النزاع في الحدود التي رسمها القانون.

والتنفيذ ليس مجرد إجراء إداري، وإنما الوسيلة التي يتحقق بها الأثر العملي للحكم.

*المقارنة بالقانون المصري*

يقوم النظام المصري كذلك على تصور الخصومة باعتبارها مجموعة من الإجراءات المتتابعة التي تبدأ بإقامة الدعوى وتستمر حتى صدور الحكم، مع تنظيم مستقل لطرق الطعن والتنفيذ.

ويؤدي ذلك إلى نتيجة مهمة، وهي أن الإجراء القضائي لا يجوز تفسيره بمعزل عن وظيفته داخل الخصومة.

*رأي المؤلف*

يرى المؤلف أن تعريف الخصومة باعتبارها "مجموعة من الإجراءات" يجب أن يؤدي إلى تطوير مفهوم شامل للجزاء الإجرائي؛ فلا يكون كل عيب في إجراء سببًا تلقائيًا لإهدار الخصومة كلها، وإنما يجب تحديد موضع العيب وأثره والغاية التي حماها الإجراء ومدى تحقق الضرر.

وهذا الأساس سيكون محورًا لاحقًا لنظرية "التدرج في الجزاء الإجرائي" داخل الموسوعة.

*المبحث الثاني*
*قانون المرافعات باعتباره قانون حماية الحقوق*

*المطلب الأول*
*العلاقة بين الحق الموضوعي والحماية الإجرائية*

ينشأ الحق الموضوعي من مصادره القانونية المختلفة، كالعقد أو القانون أو الفعل الضار أو الملكية أو غير ذلك من مصادر الحقوق.

لكن وجود الحق من الناحية الموضوعية لا يعني بالضرورة أن صاحبه يستطيع اقتضاءه بنفسه.

ومن هنا تظهر وظيفة القضاء.

فالقضاء يحول الحق المتنازع عليه من ادعاء يحتاج إلى الإثبات إلى حق يقرره حكم قضائي.

ثم تأتي مرحلة التنفيذ لتحويل الحكم من تقرير قضائي إلى أثر عملي.

وبذلك يمكن تمثيل مسار الحماية على النحو الآتي:
الحق الموضوعي ← المطالبة القضائية ← الخصومة ← الإثبات ← الحكم ← الحجية ← القوة التنفيذية ← التنفيذ.

وهذه السلسلة تكشف أن قانون المرافعات يمثل الحلقة التي تربط الحق الموضوعي بالحماية القضائية.

*المطلب الثاني*
*الحماية القضائية بين الحكم والتنفيذ*

من أهم المسائل التي تميز فلسفة قانون المرافعات والتنفيذ المدني أن الحماية القضائية لا ينبغي أن تتوقف عند صدور الحكم.

فإذا حكم القضاء لشخص بمبلغ مالي ثم امتنع المحكوم عليه عن الوفاء، فإن مجرد وجود الحكم لا يحقق الغاية العملية من القضاء ما لم توجد وسيلة قانونية تمكن المحكوم له من اقتضاء حقه.

ومن هنا تبرز القوة التنفيذية للحكم القضائي.

والقوة التنفيذية تختلف عن الحجية.

فالحجية تتعلق بما فصل فيه الحكم ومنع إعادة طرحه في الحدود التي يقررها القانون.

أما القوة التنفيذية فتتعلق بإمكان اتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري لاقتضاء الحق المحكوم به متى توافرت شروط التنفيذ.

*رأي المؤلف*

يرى المؤلف أن الجمع بين المرافعات والتنفيذ المدني في القانون اليمني يمكن أن يؤسس لنظرية أوسع هي:
نظرية الحماية القضائية المكتملة.

ومقتضى هذه النظرية أن العدالة القضائية تمر بثلاث مراحل مترابطة:
الوصول إلى القضاء.
الحصول على الحكم.
تنفيذ الحكم.

ولا تبلغ الحماية غايتها العملية في الحقوق التي تحتاج إلى تنفيذ جبري إلا بالمرحلة الثالثة.

*المبحث الثالث*
*قانون المرافعات بين الشكل والغاية*

*المطلب الأول*
*الوظيفة الحقيقية للإجراء القضائي*

الإجراء القضائي وسيلة لتحقيق غاية قانونية.

ولهذا لا ينبغي تفسير النصوص الإجرائية بطريقة تؤدي إلى تحويل الوسيلة إلى غاية مستقلة.

فإذا فرض القانون إجراءً معينًا لحماية حق الدفاع، فإن أهمية الإجراء تستمد من هذه الحماية.

وإذا فرض ميعادًا معينًا لتحقيق استقرار الخصومة، فإن أهمية الميعاد تستمد من هذه الغاية.

وإذا اشترط بيانات معينة في صحيفة الدعوى، فإن الغاية قد تكون تمكين المحكمة والخصم من معرفة حقيقة الطلب.

وبالتالي فإن فهم النص الإجرائي يتطلب الجمع بين:
لفظ النص.
وغايته.
وموقعه داخل النظام الإجرائي.
والأثر الذي يرتبه القانون على مخالفته.

*المقارنة بالفقه المصري*

استقر الفكر الإجرائي المصري على أهمية النظر إلى الإجراء في ضوء الغاية التي شرع لتحقيقها، ولا سيما عند بحث البطلان والجزاءات الإجرائية.

وهذا الاتجاه يساعد على منع التوسع في إهدار الإجراءات دون أن تكون المخالفة قد مست الضمانة التي قصد المشرع حمايتها.

*المطلب الثاني*
*التوازن بين الشكل والغاية*

لا يجوز إلغاء الشكل الإجرائي بحجة تحقيق العدالة الموضوعية.

كما لا يجوز تقديس الشكل إلى درجة يصبح معها الإجراء عائقًا أمام حماية الحق دون مبرر.

والتوازن الصحيح يقوم على أن:
الشكل يحترم عندما يكون مقررًا لضمانة جوهرية.
والغاية تراعى عند تفسير الإجراء وتحديد أثر مخالفته.
والجزاء يتحدد بحسب طبيعة العيب وأثره.

وهذا يقود إلى قاعدة مهمة:
لا بطلان بلا أساس قانوني معتبر، ولا صحة لإجراء يهدر ضمانة جوهرية قصد القانون حمايتها.

*الهوامش*

قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م، الباب التمهيدي، المادة (1).

المرجع نفسه، المادة (2)، وما تضمنته من تعريف الخصومة القضائية والمواجهة القضائية والحكم النهائي والحكم البات والحكم.

قانون المرافعات المدنية والتجارية المصري رقم (13) لسنة 1968م.

أحمد أبو الوفا، المرافعات المدنية والتجارية، في مباحث الدعوى والخصومة والإجراءات القضائية.

فتحي والي، الوسيط في قانون القضاء المدني، في مباحث الخصومة والدعوى والطلبات والدفوع.

وجدي راغب، مبادئ القضاء المدني، في بيان وظيفة الخصومة والحماية القضائية.

السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، في بيان التمييز بين الحق الموضوعي ووسائل حمايته، مع الاستعانة به في التأصيل العام للعلاقة بين الحق والحماية القانونية.

من أصول القضاء في الفقه الإسلامي: التثبت من الدعوى، وسماع حجة الخصوم، وعدم القضاء بغير علم، وإيصال الحقوق إلى أصحابها.

قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني، المادة (8)، التي تقرر تقيد القاضي في قضائه بالقوانين النافذة وتطبيق أحكامها.

قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني، المواد المتعلقة بالتسمية والتعاريف وسريان القانون وولاية القاضي، وهي تمثل الأساس العام لبناء الخصومة القضائية في التشريع اليمني.