آخر تحديث :الجمعة-30 أكتوبر 2026-07:36م

حين تدور الأيام: السعودية تتجرّع من الكأس التي أسقت بها الآخرين

الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - الساعة 07:18 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص
- ارشيف الكاتب


لم تكن المنطقة العربية يومًا بمنأى عن صراعات النفوذ ومشروعات الهيمنة، لكن أخطر ما واجهته خلال العقود الماضية هو تحوّل الخلافات السياسية إلى أدوات لتفكيك الدول وإضعاف مؤسساتها واستنزاف قدراتها. واليوم، مع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراعات والتهديدات الإقليمية، تبرز مفارقة تستحق التأمل: ماذا يحدث حين تجد دولة أسهمت في صياغة توازنات إقليمية على حساب جيرانها نفسها أمام المخاطر ذاتها التي واجهها الآخرون؟

إن ما يجري في المنطقة يعيد إلى الواجهة الحديث عن مشروعات إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وما ارتبط بها من تصورات تستهدف تغيير موازين القوى وإعادة رسم النفوذ. ويرى منتقدو هذه المشروعات أنها أسهمت، عبر التدخلات والصراعات والتحالفات المتقلبة، في إضعاف دول عربية وتحويل بعضها إلى ساحات مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي.

ومن العراق إلى ليبيا وسوريا واليمن، تبدو الصورة شديدة التعقيد؛ فلكل دولة ظروفها الداخلية، وصراعاتها الخاصة، وتدخلاتها الخارجية. ومع ذلك، يبقى القاسم المشترك الذي يستحق التوقف عنده هو أن انهيار مؤسسات الدولة، وتفكيك قدراتها العسكرية، وتعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية، لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار المنطقة، بل قد يفتح أبوابًا جديدة للفوضى يصعب إغلاقها.

اليمن.. ساحة للصراع وحسابات الجوار

في الحالة اليمنية، لا يمكن قراءة ما حدث بمعزل عن الدور الإقليمي الذي أدّته السعودية على امتداد عقود، ولا عن التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها اليمن منذ الوحدة عام 1990، مرورًا بحرب عام 1994، وصولًا إلى الصراع الذي انفجر بصورة أوسع منذ عام 2014 والتدخل العسكري الذي قادته السعودية عام 2015.

لقد ظل اليمن بالنسبة إلى السعودية ملفًا أمنيًا واستراتيجيًا بالغ الحساسية، بحكم الجغرافيا والحدود والمصالح المتداخلة. غير أن السعي إلى ضمان الأمن لا ينبغي أن يتحول إلى سياسة تؤدي إلى إضعاف الدولة المجاورة أو استنزاف قدراتها؛ لأن الدولة التي تفقد مؤسساتها وتنهار توازناتها لا تصبح بالضرورة جارًا أكثر استقرارًا، بل قد تتحول إلى مصدر دائم للاضطرابات والتهديدات العابرة للحدود.

وهنا تبرز مسؤولية السياسات الإقليمية التي راهنت على موازين القوى والتحالفات المتغيرة، بدلًا من الاستثمار في قيام دولة يمنية مستقرة وقادرة على إدارة شؤونها وصون سيادتها.

علي عبدالله صالح.. من التحالفات إلى الصدام

شكّل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح نموذجًا واضحًا للتقلبات التي تطبع السياسة الإقليمية. فقد ارتبطت علاقته بالسعودية والولايات المتحدة بحسابات سياسية وأمنية متغيرة، وشهدت مراحل من التعاون والتوتر، وفقًا لتبدل المصالح والظروف.

وبعد انتفاضة عام 2011، دخل اليمن مرحلة انتقالية مضطربة، ثم تحالف صالح مع جماعة الحوثي، قبل أن ينقلب هذا التحالف إلى مواجهة انتهت بمقتله في ديسمبر 2017.

تكشف هذه المحطة أن التحالفات التي تُبنى على المصالح المؤقتة، لا على مشروع وطني واضح، تظل معرضة للانهيار عند أول اختبار حقيقي. كما تؤكد أن الأطراف التي تتعاون اليوم ضد خصم مشترك قد تجد نفسها غدًا في مواجهة بعضها بعضًا، حين تتعارض الحسابات وتتغير الأولويات.

حين ترتد السياسات على أصحابها

إن جوهر المفارقة لا يكمن في الشماتة بدولة تواجه خطرًا، ولا في تبرير تهديد أمن شعوبها، وإنما في استخلاص الدرس السياسي الأهم: أن إضعاف الجيران لا يصنع أمنًا دائمًا، وأن تفكيك الدول لا يضمن السيطرة على نتائج تفككها.

فحين تُستنزف الجيوش، وتنهار المؤسسات، وتتسع الانقسامات، تنشأ قوى جديدة لا تخضع بالضرورة لحسابات الأطراف التي أسهمت في صعودها. وقد تتحول التحالفات المؤقتة إلى خصومات مفتوحة، وتخرج الصراعات من نطاق السيطرة، لتجد الدول التي راهنت على توظيفها نفسها أمام تداعيات لم تكن تتوقعها.

والسعودية، شأنها شأن سائر دول المنطقة، ليست بمنأى عن هذه القاعدة. فأمنها الحقيقي لا يتحقق بمجرد امتلاك القوة أو إضعاف الخصوم، بل ببناء علاقات إقليمية متوازنة، واحترام سيادة الدول، ودعم استقرار اليمن وسائر دول الجوار، ومعالجة جذور الصراعات بدلًا من الاكتفاء بإدارة نتائجها.

إن استمرار الأزمات اليمنية والعربية يفرض مراجعة جادة للسياسات التي جعلت من الصراعات وسيلة لتحقيق المصالح، وأغفلت أن الفوضى لا تبقى محصورة في الحدود التي بدأت داخلها.

الخاتمة: الكأس التي تدور بين الأيدي

ما أشد مرارة أن يجد المرء نفسه يومًا أمام الكأس التي أسقى بها الآخرين بالأمس! فالأيام تتداول بين الناس، وموازين القوى لا تثبت على حال، والسياسة التي تُبنى على إضعاف الآخرين قد تتحول إلى عبء على أصحابها حين تتبدل الظروف وتتغير التحالفات.

ومن يظن أن النار التي أشعلها في بيوت جيرانه لن تمتد يومًا إلى داره، ينسى أن النيران لا تعترف بالحدود، وأن الرياح لا تسير دائمًا وفق ما تشتهي السفن.

ليس المطلوب أن تتجرع السعودية أو غيرها مرارة الخطر، ولا أن يدفع الأبرياء ثمن أخطاء الحكومات وحسابات القوى المتصارعة؛ فالشعوب العربية جميعها تستحق الأمن والاستقرار والكرامة. لكن المطلوب أن تدرك دول المنطقة أن أمنها لا يمكن أن يُبنى على أنقاض أمن جيرانها، وأن استقرارها لا يستقيم مع استمرار تفكيك الدول المحيطة بها.

فمن زرع الضعف في جواره، قد يحصد الخوف في داره؛ ومن اعتاد أن يسقي الآخرين من كأس الأزمات، عليه أن يتذكر أن الكأس تدور، وأن ما يُزرع في أرض المنطقة قد يعود يومًا إلى صاحبه، لا بالضرورة بالصورة نفسها، ولكن بمرارة الدرس ذاته.

وتلك هي العبرة التي ينبغي أن تستوعبها المنطقة بأسرها: لا أمن دائمًا في ظل فوضى الجيران، ولا انتصار حقيقيًا في تفكيك الأوطان، ولا حصانة لأحد من نتائج سياسات يظن أصحابها، في لحظة غرور القوة، أنهم وحدهم من يتحكم في نهاياتها.

الصحفي صالح حقروص
2026/10/30م