آخر تحديث :الأحد-04 أكتوبر 2026-09:35م

مقالات


القاضي يحيى الشعيبي

القاضي يحيى الشعيبي

الأحد - 04 أكتوبر 2026 - 08:49 م بتوقيت عدن

- كتب المستشار والباحث / مختار راجح

في زمنٍ صار فيه الوفاء عملةً نادرة، وجدته.
وفي زمنٍ تُغلق فيه أبواب العبقرية حين تُفتح أبواب القرابة، وجدته.
وفي زمنٍ تتعب فيه العدالة من كثرة ما يحيط بها من غبار، وجدته واقفًا حيث ينبغي للعدل أن يقف.

وجدته خارج المذهب الذي جعل القرابة سلّمًا إلى الوظيفة، والمحسوبية جسرًا إلى المكانة، والاسم مفتاحًا للأبواب المغلقة؛ وجدته من أولئك الذين لا يستمدون هيبتهم من الكرسي، بل يجعلون الكرسي يستمد شيئًا من هيبته منهم.

إنه القاضي رئيس نيابة الاستئناف الجزائية يحيى الشعيبي؛ رجلٌ إذا اجتمعت فيه صرامة القانون لم تطرد منها إنسانية التعامل، وإذا حضرت فيه قوة الشخصية لم تغب عنها رقة الطبع، وإذا اشتدت لديه الرؤية لم تضق بها مساحة الإنصاف.

حزمٌ بلا قسوة، ولينٌ بلا ضعف، وهيبةٌ بلا استعلاء، ونشاطٌ لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى.

والأعجب من كل ذلك أنني لم أعرف الرجل إلا يومًا واحدًا.

نعم، يومٌ واحد!

لكن بعض الأيام تُشبه المرايا؛ لا تطيل الوقوف أمامها، لكنها تكشف لك وجهًا كاملًا. وبعض الرجال لا تحتاج إلى سنواتٍ كي تعرف معدنهم؛ يكفي أن تضعهم في لحظةٍ واحدة أمام ميزان المسؤولية، فإذا بالموقف يفتح لك كتابًا كانت صفحاته مكتوبةً قبل أن تعرف عنوانه.

عرفتُه يومًا، فإذا وراء اليوم سنوات.
ورأيتُ موقفًا، فإذا وراء الموقف مسيرة.
ولمستُ حضورًا عابرًا، فإذا خلفه أثرٌ لا يُقاس بمدة اللقاء.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن تُروى:

قد تعرف إنسانًا عشرين عامًا ولا تعرف منه إلا اسمه، وقد تلتقي رجلًا يومًا واحدًا فتدرك أن وراء الصمت تاريخًا، ووراء الهدوء عاصفةً من العمل، ووراء الملامح العادية سيرةً لا تحتاج إلى زينة.

القاضي يحيى الشعيبي من ذلك الطراز الذي لا يرفع راية نفسه؛ لأن عمله يرفعها عنه. لا يطرق أبواب المديح؛ لأن أبواب الأثر مفتوحة لمن أراد أن يرى. ولا يحتاج إلى أن يعلن عن حضوره؛ فبعض الرجال يحضرون في المكان فتتراجع الضوضاء، ويتقدم المعنى.

وفي زمنٍ أصبح فيه المنصب عند البعض غايةً، رأيته وظيفةً من نوعٍ آخر: أمانةً لا غنيمة، وميزانًا لا مغنمًا، ومسؤوليةً لا امتيازًا.

فالنيابة ليست جدرانًا وأوراقًا وأختامًا؛ إنها إحدى نوافذ الدولة التي يرى المواطن من خلالها وجه العدالة. فإذا صلح من يقف خلف النافذة، استقامت الصورة، وإذا اختل الميزان تشوه وجه المؤسسة ولو بقيت الجدران قائمة.

ومن هنا يبدأ إصلاح الوطن؛ لا من كثرة الكلام عن الإصلاح، بل من رجلٍ يضع القانون في موضعه، ويترك القرابة خارج باب الوظيفة، ويجعل الكفاءة لغةً لا تحتاج إلى مترجم.

الوطن لا ينهض حين تتكاثر المناصب، بل حين يستقيم الرجال في المناصب.

ولا تُبنى الدولة بكثرة الذين يجلسون على الكراسي، وإنما بقلة الذين يعرفون أن الكرسي عابر، وأن الأثر هو الذي يبقى.

ولعل أجمل ما في القاضي يحيى الشعيبي أن التناقضات التي تجتمع في شخصه لا تتصارع، بل تتآلف:

قوةٌ لا تظلم،
وصرامةٌ لا تُهين،
وحزمٌ لا يُقصي،
ولطفٌ لا يُضعف،
ونشاطٌ لا يستعرض،
وحضورٌ لا يتكلف.

تلك ليست صفاتٍ متجاورة فحسب؛ إنها معادلة نادرة، حين تستقيم في رجلٍ يصبح المنصب أقل من صاحبه، ويصبح الموقع مجرد إطارٍ لصورةٍ أكبر منه.

ولذلك فإن معرفتي به في يومٍ واحد لم تكن نهاية معرفة، بل كانت بداية سؤال:

كم من السنوات يمكن أن تختبئ خلف يوم؟
وكم من العطاء يمكن أن تصمت عنه الملامح؟
وكم من الرجال يعملون بعيدًا عن الضوء، حتى يأتي موقفٌ واحد فيكشف أن الضوء كان فيهم منذ البداية؟

ذلك ما تركه ذلك اللقاء في نفسي.

لم أرَ رجلًا يطلب أن يُقال عنه إنه مختلف؛ رأيت اختلافه يتكلم عنه. ولم أبحث عن مسيرةٍ لأمدحها؛ فإذا بالمسيرة تفرض نفسها من خلال رجلٍ لم يحتج إلى أن يقدّمها.

وهكذا بقي في ذهني ذلك المشهد:

رجلٌ في زمنٍ يبحث فيه الناس عن النفوذ، يبحث عن ميزان.
ورجلٌ في زمنٍ تُفتح فيه الأبواب بالأسماء، يفتح الباب بما يحمله من كفاءة.
ورجلٌ في زمنٍ يكثر فيه الحديث عن الوطن، يحاول أن يجعل موقعه لبنةً في بنائه.

وهنا يصبح الحديث عن رجلٍ واحد حديثًا عن معنى أكبر:

معنى أن تظل الدولة ممكنة، ما دام فيها رجالٌ لم تفسدهم الوظيفة، ولم تغيّرهم السلطة، ولم تجعلهم القرابة أسرى للمصلحة.

فالأوطان لا تموت حين تقل ثرواتها، بقدر ما تتعب حين يقل فيها الرجال الذين يجعلون القانون فوق المصلحة، والعدل فوق الهوى، والواجب فوق القرابة.

ومن بين هذا الضجيج، مرَّ بي رجلٌ لم أعرفه إلا يومًا؛ لكن ذلك اليوم كان كافيًا لأن يقول لي:

ليست كل الأشياء تُقاس بالزمن؛ فبعض الرجال تختصر سيرتهم لحظة، وبعض المواقف تختصر عمرًا، وبعض الوجوه إذا صدقتْ، أغنت عن ألف تعريف.

ذلك هو القاضي يحيى الشعيبي؛
رجلٌ لا أزعم أنني عرفت سنواته، لكنني رأيت في يومٍ واحد ما جعلني أبحث عن تلك السنوات، وأقرأ أثرها في رجلٍ اختار أن يكون حضوره في موقع المسؤولية أبلغ من حضوره في مجالس المديح.

وفي وطنٍ أنهكته المفارقات، تظل أجمل المفارقات أن تجد رجلًا في موضعه، لا لأن الموضع صنعه، بل لأنه يعرف كيف يصنع من الموضع معنى.

فبعض الرجال يشغلون المناصب، وبعض الرجال يجعلون للمناصب قيمة.