آخر تحديث :الثلاثاء-06 أكتوبر 2026-09:29م

مقالات


الموسوعة القضائية والفقهية والعلمية مقارنة بالفقه الاسلامي والقضاء المصري واراء الفقهاء ورأي المؤلف

الموسوعة القضائية والفقهية والعلمية مقارنة بالفقه الاسلامي والقضاء المصري واراء الفقهاء ورأي المؤلف

الثلاثاء - 06 أكتوبر 2026 - 08:33 م بتوقيت عدن

- المؤلف المستشار / مختار راجح



دراسة تاصيلية مقارنة الكتاب الأول مصادر الإلتزام



مصادر الالتزام في الفقه والقانون اليمني
دراسة أكاديمية مقارنة في ضوء الفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء فقهاء القانون
تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح
المقدمة
تحتل نظرية الالتزام مكانة محورية في البناء القانوني؛ إذ تمثل الإطار الذي تنتظم فيه الروابط المالية والشخصية بين الأفراد، وتحدد على أساسها الحقوق والواجبات وآثار التصرفات والأعمال والوقائع التي ينشأ عنها حق لشخص في مواجهة شخص آخر.
ولا تكمن أهمية دراسة مصادر الالتزام في مجرد حصر الأسباب التي ينشأ عنها الالتزام، وإنما تتجاوز ذلك إلى تحديد الأساس القانوني والفقهي الذي أنشأ الرابطة القانونية، وما يترتب على ذلك من آثار في التكييف، والإثبات، وتحديد نطاق المسؤولية، وتقدير التعويض، وتحديد الطلب القضائي، ثم الحكم وآثاره وقوته التنفيذية.
وتزداد أهمية هذه الدراسة في القانون اليمني؛ لارتباط البناء التشريعي بأصول الشريعة الإسلامية، الأمر الذي يجعل دراسة مصادر الالتزام دراسةً مركبة تجمع بين النص القانوني، والتأصيل الفقهي، والاجتهاد القضائي، والتحليل المقارن.
ومن هنا تقوم هذه الدراسة على جعل القانون اليمني محورًا أصليًا، مع مقارنته بالفقه الإسلامي، والقضاء المصري، وآراء كبار فقهاء القانون، ثم إبداء الرأي في ضوء طبيعة النظام القانوني اليمني واحتياجات التطبيق القضائي.
أولًا: إشكالية الدراسة
تتمثل الإشكالية الرئيسة في السؤال الآتي:
ما المصادر التي ينشأ عنها الالتزام في القانون اليمني، وما الأساس الفقهي والقانوني لكل مصدر، وكيف عالجها الفقه الإسلامي والقضاء المصري والفقه القانوني، وما مدى كفاية التنظيم اليمني لتحقيق الحماية القانونية والعدالة القضائية؟
ويتفرع عن ذلك عدد من الأسئلة:
ما المقصود بالالتزام ومصدره؟
ما الأساس الذي يقوم عليه تقسيم مصادر الالتزام؟
هل جاءت مصادر الالتزام في القانون اليمني متوافقة مع أصول الفقه الإسلامي؟
ما حدود سلطان الإرادة في إنشاء الالتزام؟
متى يكون العقد مصدرًا للالتزام؟
هل تكفي الإرادة المنفردة لإنشاء الالتزام؟
ما شروط قيام المسؤولية عن العمل غير المشروع؟
ما الأساس القانوني للإثراء بلا سبب ودفع غير المستحق والفضالة؟
ما موقع القانون ذاته كمصدر مباشر للالتزام؟
ما موقف القضاء المصري من المسائل التي يثور بشأنها الخلاف؟
وما الرأي الذي يمكن تبنيه في البيئة القانونية والقضائية اليمنية؟
ثانيًا: أهمية الدراسة
تنبع أهمية الدراسة من أن مصادر الالتزام ليست موضوعًا نظريًا مجردًا، وإنما هي الأساس الذي يسبق كثيرًا من التطبيقات القضائية.
فمعرفة مصدر الالتزام تؤثر في:
التكييف القانوني → تحديد القاعدة الواجبة التطبيق → تحديد عبء الإثبات → تحديد نطاق المسؤولية → تحديد الطلب القضائي → تحديد مضمون الحكم → تحديد آثاره وقوته التنفيذية.
ومن ثم فإن الخطأ في تحديد مصدر الالتزام قد يؤدي إلى الخطأ في تكييف الواقعة، وقد ينعكس ذلك على الحكم ذاته.
وتسعى الدراسة إلى تقديم معالجة تجمع بين التأصيل النظري والتطبيق العملي، بحيث لا يبقى الطالب أو الباحث أو المحامي أو القاضي أمام نصوص متفرقة، وإنما يجد أمامه البناء الكامل للرابطة الالتزامية منذ نشأتها حتى آثارها القضائية والتنفيذية.
ثالثًا: أهداف الدراسة
تهدف الدراسة إلى:
بيان مفهوم الالتزام ومصادره.
تأصيل مصادر الالتزام في الفقه الإسلامي.
تحليل التنظيم القانوني اليمني.
بيان الاتجاهات الفقهية في النظرية العامة للالتزام.
دراسة اتجاهات القضاء المصري ذات الصلة.
إجراء المقارنة بين التشريع اليمني والفقه الإسلامي والقانون المصري.
بيان مواطن الاتفاق والاختلاف.
كشف الإشكالات التي قد يثيرها التطبيق القضائي.
تقديم حلول تتلاءم مع البيئة القانونية اليمنية.
الوصول إلى رؤية علمية يمكن أن تسهم في تطوير دراسة الالتزام وتطبيق أحكامه.
رابعًا: مناهج الدراسة
تعتمد الدراسة على مجموعة من المناهج المتكاملة، وذلك على النحو الآتي:
1. المنهج التأصيلي
وذلك بالرجوع إلى أصول الفقه الإسلامي وقواعده الكلية ومبادئ الضمان والعقد والإتلاف والإثراء والوفاء، وبيان الأساس الشرعي لكل صورة من صور الالتزام.
2. المنهج التحليلي
وذلك بتحليل النصوص القانونية اليمنية، وبيان مدلولاتها وشروط تطبيقها وآثارها، وعدم الاكتفاء بمجرد عرض النص.
3. المنهج المقارن
وذلك بمقارنة أحكام القانون اليمني بالفقه الإسلامي والقانون المصري، والاستفادة من التطبيقات القضائية المصرية وآراء فقهاء القانون.
4. المنهج النقدي
وذلك من خلال تقييم الاتجاهات الفقهية والتشريعية والقضائية، وبيان ما يؤخذ عليها وما يمكن ترجيحه منها.
5. المنهج التطبيقي
وذلك بربط القواعد النظرية بالخصومة القضائية والتطبيق العملي، وبيان كيفية انتقال القاعدة من النص إلى الدعوى ثم إلى الحكم.
6. المنهج الاستنباطي
وذلك لاستخلاص القواعد العامة من التطبيقات المختلفة، وبناء نتائج يمكن الإفادة منها في تفسير مصادر الالتزام وتحديد آثارها.
خامسًا: خطة الدراسة
تقسم الدراسة إلى الأبواب الآتية:
الباب الأول
ماهية الالتزام ومصادره وتقسيماته
الباب الثاني
العقد مصدرًا للالتزام
الباب الثالث
الإرادة المنفردة مصدرًا للالتزام
الباب الرابع
العمل غير المشروع والمسؤولية التقصيرية
الباب الخامس
الإثراء بلا سبب ودفع غير المستحق والفضالة
الباب السادس
القانون مصدرًا للالتزام
الباب السابع
مصادر الالتزام في الفقه الإسلامي
الباب الثامن
مصادر الالتزام في القضاء المصري والفقه القانوني
الباب التاسع
التطبيق القضائي اليمني وإشكالات تحديد مصدر الالتزام
الباب العاشر
الرؤية التأصيلية المقترحة ورأي المؤلف
الباب الأول
ماهية الالتزام ومصادره وتقسيماته
الفصل الأول
مفهوم الالتزام
المبحث الأول: تعريف الالتزام
الالتزام رابطة قانونية بين شخصين أو أكثر، يلتزم بموجبها أحدهم بأداء معين لمصلحة الآخر، سواء كان هذا الأداء إعطاء شيء، أو القيام بعمل، أو الامتناع عن عمل.
ويظهر من هذا التعريف أن الالتزام لا يقوم في صورته القانونية الكاملة إلا بوجود طرف دائن، وطرف مدين، ومحل ينصب عليه الأداء، ورابطة قانونية تمنح الدائن سلطة المطالبة بالأداء وفقًا للقانون.
غير أن الالتزام لا ينبغي أن يفهم باعتباره مجرد علاقة مادية بين شخصين، وإنما هو مركز قانوني قابل للحماية القضائية والتنفيذ الجبري متى توافرت شروطه.
وهنا يظهر الفرق بين الالتزام القانوني وغيره من الواجبات الأخلاقية أو الاجتماعية؛ فالالتزام القانوني يرتب أثرًا يمكن أن تتدخل السلطة العامة لحمايته وتنفيذه وفقًا للقانون.
المبحث الثاني: الالتزام والحق الشخصي
الحق الشخصي والالتزام وجهان لرابطة واحدة.
فما يكون حقًا للدائن يكون في الوقت ذاته التزامًا في ذمة المدين.
وبذلك يمكن النظر إلى الرابطة من زاويتين:
من زاوية الدائن: حق في المطالبة.
ومن زاوية المدين: التزام بالأداء.
وهذا التلازم مهم في تحديد طبيعة الدعوى؛ لأن المحكمة لا ينبغي أن تتوقف عند تسمية الخصم لطلبه، وإنما تبحث عن المركز القانوني الحقيقي الذي تستند إليه المطالبة.
المبحث الثالث
مصادر الالتزام
يقصد بمصدر الالتزام الواقعة أو التصرف أو النص القانوني الذي ينشأ عنه الالتزام ويترتب عليه وجود رابطة قانونية بين الدائن والمدين.
ومن هنا فإن السؤال عن مصدر الالتزام ليس سؤالًا شكليًا، وإنما هو بحث في السبب المنشئ للرابطة القانونية.
فإذا نشأ الالتزام عن اتفاق إرادي كان مصدره العقد.
وإذا نشأ عن تصرف إرادي منفرد في الحالات التي يعترف فيها القانون بإنتاجه للأثر كان مصدره الإرادة المنفردة.
وإذا نشأ عن فعل أضر بالغير كان مصدره العمل غير المشروع.
وإذا نشأ عن منفعة حصل عليها شخص على حساب غيره دون سبب مشروع كان مصدره الإثراء بلا سبب في الحالات التي يقررها القانون.
وقد ينشأ الالتزام مباشرة من القانون، دون حاجة إلى عقد أو فعل ضار أو إرادة منفردة.
المبحث الرابع
الأساس الفقهي لمصادر الالتزام
لم ينظر الفقه الإسلامي إلى الالتزام بوصفه مصطلحًا قانونيًا مجردًا بالمعنى الذي استقر عليه الفقه المدني الحديث، ولكنه عالج أصوله وصوره في أبواب متعددة، منها:
العقود.
الضمان.
الغصب.
الإتلاف.
الديون.
الوفاء.
الكفالة.
الحوالة.
الإجارة.
البيع.
الوكالة.
الوديعة.
الشركة.
الصلح.
الإثراء.
دفع الضرر.
رد الحقوق.
وتكشف القواعد الفقهية عن أساس عميق لنظرية الالتزام، ومن ذلك:
«الضرر يزال»
و:
«الخراج بالضمان»
و:
«الغنم بالغرم»
و:
«الأمور بمقاصدها»
و:
«اليقين لا يزول بالشك»
وهي قواعد لا تعمل منفصلة عن الأدلة والأحكام التفصيلية، وإنما تكشف عن البناء العام الذي أقام عليه الفقه الإسلامي حماية الحقوق والذمم.
المبحث الخامس
المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون اليمني
تكشف المقارنة الأولية أن القانون المدني اليمني لا يمكن فهم مصادر الالتزام فيه بمعزل عن المرجعية الشرعية التي يقوم عليها النظام القانوني اليمني.
غير أن التقنين الحديث قام بإعادة ترتيب الأحكام في صورة قواعد قانونية مجردة، بحيث أصبحت الرابطة الالتزامية قابلة للعرض في إطار موحد يشمل العقد والعمل غير المشروع والإثراء وغير ذلك من المصادر.
ومن ثم فإن المقارنة الصحيحة لا تكون بإقامة تعارض مصطنع بين «الفقه» و«القانون»، وإنما بالبحث عن:
الأصل الفقهي → القاعدة القانونية → التطبيق القضائي → مدى ملاءمة التطبيق للواقع اليمني.
رأي المؤلف
أرى أن دراسة مصادر الالتزام ينبغي ألا تبدأ بالسؤال: ما اسم الدعوى؟ وإنما بالسؤال الأسبق والأعمق:
ما الواقعة المنشئة للالتزام؟
فإذا تحددت الواقعة أمكن تحديد مصدر الالتزام، وإذا تحدد المصدر أمكن تحديد القاعدة القانونية الحاكمة، وإذا تحددت القاعدة أمكن الوصول إلى التكييف الصحيح، ثم إلى الطلب الصحيح، ثم إلى الحكم الذي يعبر عن حقيقة المركز القانوني للخصوم.
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة منهجية في الدراسة:
«تحديد مصدر الالتزام هو المدخل الأول إلى التكييف الصحيح للرابطة القانونية، والقضاء لا يتقيد بتسمية الخصوم للمطالبة، وإنما ينزل القانون على حقيقتها ومصدرها وآثارها.»
وهذه القاعدة ستكون أساسًا منهجيًا ننتقل به في الفصول التالية من العقد، والإرادة المنفردة، والعمل غير المشروع، والإثراء بلا سبب، والقانون، مع المقارنة في كل مسألة بين القانون اليمني والفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء الفقهاء، ثم ختم كل مبحث بالترجيح العلمي ورأي المؤلف.
[6/‏10, 7:02 م] gfyffd: مصادر الالتزام في الفقه والقانون اليمني
دراسة أكاديمية مقارنة في ضوء الفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء فقهاء القانون
تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح
الباب الأول
ماهية الالتزام ومصادره وتقسيماته
الفصل الثاني
تقسيم مصادر الالتزام
المبحث الأول: التقسيم التقليدي لمصادر الالتزام
اتجه الفقه المدني إلى تقسيم مصادر الالتزام إلى مصادر إرادية ومصادر غير إرادية، بحسب ما إذا كانت الإرادة الإنسانية هي التي أنشأت الرابطة القانونية ابتداءً أم أن الالتزام نشأ عن واقعة أخرى يرتب القانون عليها أثره.
وتتمثل أهم المصادر في:
العقد.
الإرادة المنفردة.
العمل غير المشروع.
الإثراء بلا سبب.
القانون.
ويكشف هذا التقسيم عن اختلاف الأساس الذي تنشأ عنه الرابطة؛ فالعقد يقوم في الأصل على توافق إرادتين، والإرادة المنفردة تقوم على إرادة واحدة متى اعترف القانون لها بالأثر المنشئ للالتزام، بينما ينشأ الالتزام في العمل غير المشروع نتيجة واقعة ضارة، وفي الإثراء بلا سبب نتيجة اختلال غير مشروع في التوازن المالي، أما الالتزام القانوني فينشأ مباشرة من حكم القانون.
المطلب الأول: المصادر الإرادية
المصدر الإرادي هو الذي تكون الإرادة عنصرًا أساسيًا في نشوء الالتزام.
وأبرز صوره العقد.
فالعقد لا يقوم إلا بتلاقي إرادتين أو أكثر على إنشاء أثر قانوني، سواء كان هذا الأثر إنشاء التزام، أو نقله، أو تعديله، أو إنهاءه، في الحدود التي يسمح بها القانون.
أما الإرادة المنفردة، فإنها تختلف عن العقد في أن إنشاء الالتزام فيها لا يحتاج إلى توافق إرادتين، وإنما يكفي صدور إرادة واحدة متى قرر القانون ترتيب الأثر عليها.
المطلب الثاني: المصادر غير الإرادية
لا يكون مصدر الالتزام في هذه الحالة توافق إرادتين، وإنما تنشأ الرابطة بسبب واقعة يرتب القانون عليها أثرًا.
ومن أهم صورها:
العمل غير المشروع.
الإثراء بلا سبب.
القانون.
ويترتب على ذلك أن الشخص قد يصبح مدينًا ولو لم يكن قد قصد إنشاء الالتزام أصلًا.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الإرادة المنشئة للالتزام وبين الإرادة الداخلة في الواقعة المنشئة له.
فقد يتعمد الشخص فعلًا معينًا، ولكنه لا يقصد أن يصبح مسؤولًا عن الأضرار التي تترتب عليه؛ ومع ذلك يرتب القانون المسؤولية متى اكتملت شروطها.
المبحث الثاني
مصادر الالتزام بين الفقه الإسلامي والقانون المدني
المطلب الأول: الالتزام الناشئ عن العقد في الفقه الإسلامي
يحتل العقد مكانة أساسية في الفقه الإسلامي؛ لأن جانبًا كبيرًا من المعاملات المالية يقوم على التراضي المشروع.
والعقد في الفقه الإسلامي ليس مجرد اتفاق مادي، وإنما رابطة شرعية تترتب عليها آثارها بحسب طبيعة العقد وشروطه ومحلّه ومشروعيته.
وقد قرر القرآن الكريم أصل الوفاء بالعقود، كما قرر مشروعية التجارة القائمة على التراضي، مع إخضاع الإرادة للضوابط الشرعية.
ومن ثم فإن حرية التعاقد في الفقه الإسلامي ليست حرية مطلقة، وإنما هي حرية منضبطة بالمشروعية وعدم الضرر وعدم أكل أموال الناس بالباطل.
وهذه النتيجة لها أهميتها في تفسير العقود في القانون اليمني؛ لأن الإرادة لا تعمل بمعزل عن النظام العام والقواعد الآمرة والمبادئ الشرعية.
المطلب الثاني: العمل غير المشروع في الفقه الإسلامي
يقابل المسؤولية التقصيرية في الفقه المدني الحديث نظام واسع من أحكام الضمان.
فمن أتلف مال غيره ضمنه، ومن غصب مالًا لزمه رده، ومن أحدث ضررًا بالغير تحمل آثاره في الحدود التي تقررها أحكام الضمان.
وتظهر هنا القاعدة الفقهية الكبرى:
«الضرر يزال».
ولكن لا ينبغي تحويل هذه القاعدة إلى مسؤولية مطلقة عن كل ضرر، بل يجب بحث سبب الضرر، ونسبته إلى فاعله، والقواعد التي تحدد الضمان، والاستثناءات الواردة عليه.
المطلب الثالث: الإثراء بلا سبب في الفقه الإسلامي
عرف الفقه الإسلامي صورًا متعددة تمنع حصول الشخص على مال غيره بغير حق، وتوجب رد المال أو المنفعة بحسب الحالة.
ومن ذلك:
رد المغصوب.
رد المال المقبوض بغير حق.
ضمان المنافع في بعض الحالات.
رد المال الذي لا يستحقه القابض.
أحكام الفضالة.
أحكام اللقطة.
أحكام الوكالة بغير إذن في بعض صورها.
وهذه التطبيقات تكشف أن فكرة منع الإثراء غير المشروع ليست غريبة عن الفقه الإسلامي، وإن اختلف البناء الاصطلاحي عن البناء الذي استعمله الفقه المدني الحديث.
المبحث الثالث
ترتيب المصادر وأثره في التكييف
ليس ترتيب المصادر مسألة تعليمية فحسب، بل له أثر مباشر في تحديد الحكم القضائي.
فقد تعرض المحكمة واقعة واحدة يمكن أن يصفها الخصوم بأوصاف مختلفة.
قد يسميها المدعي:
دعوى تعويض.
بينما تكون حقيقتها القانونية:
دعوى تنفيذ عقد.
وقد يقدم المدعي الواقعة على أنها:
إثراء بلا سبب.
بينما تكشف المستندات عن وجود عقد يحكم العلاقة.
وقد يسمي الخصم الواقعة:
وفاءً بدين.
بينما يثبت أن ما تم دفعه كان بغير استحقاق.
وهنا تظهر أهمية التكييف.
فالقاضي لا ينبغي أن يقف عند الاسم الذي يضعه الخصوم على الدعوى، وإنما يبحث في الوقائع والطلبات والسبب الحقيقي للرابطة القانونية.
رأي المؤلف
أرى أن مصدر الالتزام سابق منطقيًا على وصف الدعوى؛ لأن الدعوى ليست إلا الوسيلة التي يطلب بها صاحب الحق الحماية القضائية لمركز قانوني نشأ عن مصدر معين.
وبالتالي:
مصدر الالتزام → المركز القانوني → التكييف → الطلب → القاعدة القانونية → الحكم → القوة التنفيذية.
وهذا التسلسل يمنع الخلط بين السبب القانوني للمطالبة وبين الاسم الإجرائي الذي يطلقه الخصم عليها.
الفصل الثالث
العقد مصدرًا للالتزام
المبحث الأول
مفهوم العقد وأساس قوته الملزمة
العقد هو المصدر الإرادي الأبرز للالتزام، لأنه يقوم على توافق إرادتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني.
وتنبع القوة الملزمة للعقد من احترام الإرادة المشروعة للمتعاقدين، ولكن هذه القوة لا تعني أن العقد يصبح فوق القانون؛ إذ تظل الإرادة مقيدة بالنصوص الآمرة، وبالنظام العام، وبالمشروعية، وبمقتضيات حسن النية.
ومن هنا فإن القول بأن العقد «شريعة المتعاقدين» لا يعني إطلاق سلطان الإرادة دون حدود، وإنما يعني أن العقد الصحيح المنشأ وفقًا للقانون يرتب آثاره ويلزم أطرافه في النطاق الذي يعترف به القانون.
المبحث الثاني
أركان العقد
يمكن دراسة العقد من خلال عناصره الأساسية:
أولًا: التراضي
التراضي هو الأساس الإرادي للعقد.
ويتحقق بتوافق الإيجاب والقبول على العناصر التي يتوقف عليها انعقاد العقد.
غير أن التراضي لا يكون صحيحًا إلا إذا صدرت الإرادة من ذي أهلية، وكانت خالية من العيوب التي تؤثر في سلامتها، وفي الحدود التي يقررها القانون.
ثانيًا: المحل
محل العقد هو الأداء الذي يلتزم به المدين، وقد يكون:
إعطاء شيء.
القيام بعمل.
الامتناع عن عمل.
ويشترط أن يكون المحل ممكنًا ومشروعًا وقابلًا للتحديد أو التحديد بحسب القواعد القانونية.
ثالثًا: السبب
يمثل السبب الأساس الذي يبرر الالتزام في البناء القانوني للعقد، وتظهر أهميته بصفة خاصة عندما يكون الالتزام متعلقًا بغرض غير مشروع أو مخالف للقواعد الآمرة.
رابعًا: الأهلية
لا تكفي إرادة مجردة لإنشاء أثر قانوني، بل يجب أن تصدر الإرادة ممن يملك أهلية التصرف في الحدود التي يقررها القانون.
المبحث الثالث
عيوب الإرادة وأثرها في الالتزام
قد تتوافر الإرادة ظاهريًا، ولكنها تكون معيبة بسبب أحد العيوب المعترف بها قانونًا.
ومن أهمها:
الغلط.
التدليس.
الإكراه.
الاستغلال في الحالات التي يعتد بها القانون.
والقاعدة الأساسية أن العيب لا يؤدي تلقائيًا إلى اعتبار العقد معدومًا، بل يجب تحديد طبيعته والأثر الذي رتبه القانون عليه.
وهنا يجب التمييز بين:
البطلان، والقابلية للإبطال، والانعدام.
فالخلط بينها يؤدي إلى نتائج خطيرة في التطبيق القضائي، ولا سيما في تحديد ما إذا كان العقد قد أنتج أثرًا أصلًا، أو أنتج أثرًا قابلًا للإزالة، أو كان معدومًا بحيث لا تقوم له قائمة قانونية.
المبحث الرابع
تفسير العقد
إذا كانت عبارات العقد واضحة في دلالتها، فالأصل احترام معناها، أما إذا شابها الغموض أو التعارض، وجب البحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين وطبيعة التعامل والظروف المحيطة به.
ولا ينبغي أن يتحول التفسير إلى إنشاء عقد جديد بدلًا من تفسير العقد القائم.
وهنا تظهر وظيفة القاضي في الكشف عن الإرادة القانونية الحقيقية لا استبدالها بإرادة قضائية جديدة.
المبحث الخامس
آثار العقد
ينتج العقد الصحيح آثاره بين أطرافه وفقًا للقانون، ويجب تنفيذه طبقًا لمقتضيات حسن النية.
وتظهر آثار العقد في ثلاثة اتجاهات رئيسية:
الاتجاه الأول: الأثر بين المتعاقدين
وهو الأصل؛ إذ تنصرف آثار العقد إلى أطرافه وفقًا لطبيعته.
الاتجاه الثاني: الأثر بالنسبة إلى الغير
وهنا تظهر قاعدة نسبية أثر العقد والاستثناءات التي يقررها القانون، ومن أبرزها الاشتراط لمصلحة الغير في الحدود المقررة قانونًا.
الاتجاه الثالث: الأثر التنفيذي
وهو الجانب الذي يكتسب أهمية خاصة في العمل القضائي.
فالعقد قد ينشئ التزامًا، ثم يمتنع المدين عن التنفيذ، فيتحول النزاع من مرحلة العلاقة العقدية إلى مرحلة المطالبة القضائية، ثم إلى مرحلة تنفيذ الحكم.
ومن هنا فإن دراسة مصدر الالتزام لا تنتهي عند نشأته، بل يجب أن تمتد إلى مصير الالتزام أمام القضاء وبعد صدور الحكم.
رأي المؤلف
أرى أن القوة الملزمة للعقد يجب أن تفهم ضمن منظومة متكاملة قوامها:
حرية التعاقد + المشروعية + حسن النية + احترام الحقوق + حماية الطرف الضعيف + القوة الملزمة + الرقابة القضائية + القوة التنفيذية للحكم.
فلا يصح أن تتحول حرية التعاقد إلى وسيلة للإضرار بالغير، كما لا يصح أن تتحول سلطة القضاء في التفسير إلى وسيلة لإعادة صياغة العقد.
والأصل أن:
العقد الصحيح ينشئ الالتزام، والقانون يحدد حدوده، والقضاء يحميه، والتنفيذ يحقق أثره العملي.
الفصل الرابع
الإرادة المنفردة مصدرًا للالتزام
المبحث الأول: مفهوم الإرادة المنفردة
الإرادة المنفردة هي التصرف الذي يصدر من شخص واحد ويرتب القانون عليه أثرًا ملزمًا في الحالات التي يقررها.
وتختلف عن العقد من حيث عدد الإرادات اللازمة لإنشاء الأثر.
فالعقد يحتاج إلى توافق إرادتين أو أكثر، بينما تقوم الإرادة المنفردة على إرادة واحدة.
غير أن الاعتراف بالإرادة المنفردة كمصدر للالتزام لا يعني أن كل تصريح يصدر عن الشخص يصبح التزامًا قانونيًا؛ إذ لا بد من وجود أساس قانوني يقرر ترتيب الأثر عليه.
المبحث الثاني: موقف الفقه الإسلامي
ناقش الفقه الإسلامي صورًا متعددة للتصرف المنفرد، إلا أن مدى اعتباره منشئًا للالتزام يختلف بحسب طبيعة التصرف وآثاره.
وهنا يظهر الفرق بين:
الوعد، والنذر، والإقرار، والإبراء، والوقف، والجعالة في بعض صورها، والوعد بجائزة.
ولا يصح جمعها تحت حكم واحد دون مراعاة طبيعة كل تصرف وشروطه.
المبحث الثالث: موقف الفقه القانوني
يميل الفقه المدني الحديث إلى الاعتراف بالإرادة المنفردة كمصدر للالتزام في نطاق محدد، لا باعتبارها قاعدة عامة تتيح للشخص أن ينشئ التزامًا في ذمته كيفما شاء.
والسبب في ذلك أن الالتزام المالي لا ينبغي أن يثبت إلا بناء على أساس قانوني واضح، حتى لا تختلط الإرادة المنشئة بالتصريحات العابرة أو الوعود غير الملزمة.
رأي المؤلف
أرى أن الإرادة المنفردة مصدر استثنائي للالتزام، ولا ينبغي التوسع فيها إلا بنص أو قاعدة قانونية واضحة؛ لأن الأصل في الالتزام أن يقوم على سبب مشروع يمكن التحقق منه وإثباته.
وبذلك يتحقق التوازن بين احترام إرادة الشخص وبين استقرار المعاملات ومنع المنازعات الناشئة عن الأقوال غير المنضبطة.
خاتمة مرحلية للباب الأول
يتبين مما تقدم أن مصادر الالتزام ليست مجرد تقسيمات مدرسية، وإنما هي مفاتيح لفهم الرابطة القانونية منذ نشأتها وحتى انتهائها.
وقد ظهر أن العقد يمثل المصدر الإرادي الرئيس، وأن الإرادة المنفردة تعمل في نطاق محدد، بينما تقوم المصادر غير الإرادية على وقائع يرتب القانون عليها آثارًا، وأن الفقه الإسلامي يقدم أصولًا غنية يمكن الإفادة منها في تأصيل هذه النظرية.
كما ظهر أن تحديد المصدر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتكييف القانوني، وأن القاضي ينبغي أن يبحث عن حقيقة الرابطة وسببها المنشئ، لا أن يتقيد بمجرد الأسماء التي يطلقها الخصوم على طلباتهم.
وعلى هذا الأساس ينتقل البحث إلى المسؤولية عن العمل غير المشروع، باعتبارها أحد أهم مصادر الالتزام غير الإرادية، وما يثور فيها من مسائل الخطأ والضرر وعلاقة السببية والضمان والتعويض، مع المقارنة التفصيلية بين القانون اليمني والفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء فقهاء القانون.
[6/‏10, 7:02 م] gfyffd: مصادر الالتزام في الفقه والقانون اليمني

دراسة أكاديمية مقارنة في ضوء الفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء فقهاء القانون

تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح

الباب الثاني

العمل غير المشروع مصدرًا للالتزام

تمهيد

إذا كان العقد يقوم في الأصل على الإرادة المشتركة، فإن الالتزام الناشئ عن العمل غير المشروع يقوم على أساس مختلف؛ إذ لا يحتاج نشوء المسؤولية إلى اتفاق سابق بين المضرور والمسؤول، وإنما تنشأ الرابطة القانونية من واقعة ضارة يرتب القانون عليها التزامًا بالتعويض أو الضمان.

وتكتسب المسؤولية عن العمل غير المشروع أهمية خاصة؛ لأنها تمثل إحدى أهم وسائل حماية الحقوق والأموال والحريات، وتحقق التوازن بين حرية الشخص في مباشرة أفعاله وبين واجبه في عدم الإضرار بالغير.

وقد عرف الفقه الإسلامي نظامًا واسعًا للضمان قبل ظهور الاصطلاح الحديث للمسؤولية التقصيرية، فبحث أحكام الإتلاف، والغصب، والتعدي، والتفريط، والجناية، والضرر، وضمان الأموال والمنافع، وغيرها من الصور التي تؤدي إلى تحميل المعتدي تبعة ما أحدثه.

أما الفقه المدني الحديث فقد أقام المسؤولية التقصيرية على أركان ثلاثة اشتهرت في الفقه المقارن:

الخطأ – الضرر – علاقة السببية.

إلا أن هذه الأركان لا ينبغي تناولها بمعزل عن طبيعة النظام القانوني اليمني ومبادئ الشريعة الإسلامية والقواعد القضائية.


---

الفصل الأول

ماهية المسؤولية عن العمل غير المشروع

المبحث الأول: مفهوم العمل غير المشروع

يقصد بالعمل غير المشروع كل فعل أو امتناع مخالف للقانون أو للواجب القانوني العام، يترتب عليه إضرار بالغير، ويستوجب المسؤولية متى توافرت شروطها.

ولا يشترط دائمًا أن يكون الفعل مجرمًا جنائيًا حتى يكون موجبًا للمسؤولية المدنية؛ فقد يكون الفعل مشروعًا من الناحية الجنائية، ومع ذلك يرتب مسؤولية مدنية إذا توافرت شروطها.

ومن هنا يجب التمييز بين:

المسؤولية الجنائية التي تستهدف حماية المجتمع والعقاب على الجريمة، والمسؤولية المدنية التي تستهدف جبر الضرر وإعادة التوازن الذي اختل نتيجة الفعل الضار.

وقد يجتمع الاثنان في واقعة واحدة، كما قد تقوم المسؤولية المدنية دون مسؤولية جنائية.


---

المبحث الثاني

أساس المسؤولية عن العمل غير المشروع

اختلف الفقه في الأساس الذي تقوم عليه المسؤولية.

الاتجاه الأول: نظرية الخطأ

يرى هذا الاتجاه أن المسؤولية تقوم أساسًا على خطأ ينسب إلى المسؤول.

فلا يكفي وجود الضرر وحده، بل يجب أن يكون هناك سلوك يمكن نسبته إلى المسؤول ويشكل إخلالًا بواجب قانوني.

الاتجاه الثاني: نظرية تحمل التبعة

ذهب اتجاه آخر إلى أن بعض صور المسؤولية يمكن أن تقوم على أساس تحمل التبعة، ولو لم يثبت الخطأ الشخصي بالمعنى التقليدي، خصوصًا في بعض مجالات المسؤولية عن الأشياء والأنشطة التي تنطوي على مخاطر.

الاتجاه الثالث: الجمع بين الأساسين

وهو اتجاه أكثر مرونة، إذ يفرق بين المسؤولية القائمة على الخطأ والمسؤولية التي يقررها القانون في حالات خاصة على أساس مختلف.

رأي المؤلف

أرى أن أساس المسؤولية لا ينبغي أن يحصر في قاعدة واحدة لجميع الوقائع؛ لأن طبيعة الأفعال ومصادر الضرر تختلف.

فالأصل هو المسؤولية القائمة على الخطأ، لكن إذا قرر القانون مسؤولية خاصة بسبب طبيعة النشاط أو الشيء أو علاقة قانونية معينة، فلا يجوز تعطيل النص بحجة عدم ثبوت الخطأ الشخصي.

وهذا يحقق التوازن بين حماية المضرور وعدم تحميل الأشخاص مسؤولية لا أساس لها.


---

الفصل الثاني

أركان المسؤولية عن العمل غير المشروع

المبحث الأول

الخطأ

المطلب الأول: مفهوم الخطأ

الخطأ هو انحراف في السلوك عن السلوك الذي كان يتعين على الشخص المعتاد أن يسلكه في الظروف ذاتها، متى كان من شأن هذا الانحراف أن يؤدي إلى الإضرار بالغير.

وقد يكون الخطأ:

إيجابيًا، كأن يقوم الشخص بفعل يسبب الضرر.

وقد يكون سلبيًا، كأن يمتنع عن اتخاذ إجراء كان القانون أو الظروف تفرض عليه اتخاذه.

ولا يكفي وصف الفعل بأنه غير مألوف، بل يجب تحديد الواجب الذي خالفه الفاعل، ثم بيان الصلة بين هذه المخالفة والضرر.


---

المطلب الثاني: الخطأ العمدي وغير العمدي

أولًا: الخطأ العمدي

يتحقق عندما يتجه الشخص بإرادته إلى الفعل مع علمه بطبيعته وآثاره، وقد يقصد النتيجة الضارة أو يتوقعها ويقبل احتمال وقوعها بحسب الأحوال.

ثانيًا: الخطأ غير العمدي

يتحقق عندما لا يقصد الشخص إحداث الضرر، ولكنه يسلك سلوكًا ينطوي على رعونة أو إهمال أو عدم احتياط أو عدم تبصر.

والعبرة في المسؤولية المدنية ليست دائمًا بقصد الإضرار، وإنما بتحقق الإخلال بالواجب وقيام بقية عناصر المسؤولية.


---

المبحث الثالث

الخطأ في الفقه الإسلامي

لم يستخدم الفقه الإسلامي مصطلح «الخطأ» دائمًا بالمعنى الفني الذي استقر عليه القانون المدني الحديث، ولكنه عالج مضمونه من خلال مفاهيم:

- التعدي.
- التفريط.
- التقصير.
- الإتلاف.
- الغصب.
- الجناية.
- مخالفة الواجب.
- مباشرة الضرر أو التسبب فيه.

وتكشف هذه المفاهيم عن قاعدة مهمة، وهي أن الضمان يرتبط في الفقه الإسلامي بالفعل المؤثر في حق الغير، مع اختلاف الحكم بحسب طبيعة الفعل، والقصد، وطريق حصول الضرر، وصفة اليد على المال، وغير ذلك.

رأي المؤلف

أرى أن المقارنة الصحيحة بين الخطأ في القانون والضمان في الفقه الإسلامي لا تكون بالبحث عن تطابق المصطلحات، وإنما بالبحث عن الوظيفة القانونية والشرعية لكل مفهوم.

فالخطأ المدني يبحث في انحراف السلوك، بينما يبحث الضمان الفقهي في الأساس الذي يوجب تحمل تبعة الضرر.

وقد يلتقيان في النتيجة، مع اختلاف البناء النظري.


---

المبحث الرابع

الضرر

الضرر هو الركن الثاني في المسؤولية، وهو الأثر الذي يصيب الشخص في حق أو مصلحة يحميها القانون.

ولا تقوم المسؤولية التقصيرية بمجرد وجود خطأ مجرد إذا لم يترتب عليه ضرر يستوجب الجبر، ما لم يوجد نص خاص يرتب أثرًا آخر.

وينقسم الضرر إلى:

أولًا: الضرر المادي

وهو ما يصيب المال أو الجسم أو المصلحة المالية، ومن صوره:

- إتلاف المال.
- إنقاص قيمته.
- فقد المنفعة.
- نفقات العلاج.
- خسارة الدخل.
- ضياع فرصة مالية في الحدود التي يعترف بها القانون.

ثانيًا: الضرر الأدبي

وهو ما يصيب الإنسان في شرفه أو اعتباره أو شعوره أو سمعته أو حريته أو مركزه الأدبي، في الحدود التي يقرر القانون إمكان التعويض عنها.

ثالثًا: الضرر المباشر وغير المباشر

والأصل في التعويض أن ينصرف إلى الضرر الذي تتوافر فيه الصلة القانونية اللازمة بالفعل المنشئ للمسؤولية، دون تحميل المسؤول نتائج بعيدة لا تربطها بالواقعة رابطة سببية معتبرة.


---

المبحث الخامس

شروط الضرر القابل للتعويض

لا يكفي أن يدعي الشخص وقوع ضرر، بل يجب التحقق من شروطه.

ومن أهمها:

1. أن يكون الضرر محققًا

فالضرر المحتمل لا يعامل معاملة الضرر الواقع إلا في الحدود التي يسمح بها القانون.

2. أن يكون شخصيًا

أي أن يكون المدعي قد أصيب به أو كان ممن يجيز القانون له المطالبة بالتعويض عنه.

3. أن تكون هناك مصلحة مشروعة

فلا حماية قانونية لمصلحة مخالفة للقانون أو للنظام العام.

4. أن يكون الضرر قابلًا للجبر

سواء بإعادة الحال إلى ما كان عليه متى أمكن ذلك، أو بالتعويض المالي عندما تكون الإعادة غير ممكنة أو غير كافية.


---

المبحث السادس

الضرر في الفقه الإسلامي

يحتل الضرر مكانة مركزية في الفقه الإسلامي، وتأتي قاعدة:

«الضرر يزال»

في مقدمة القواعد الكلية التي تكشف عن هذا الاتجاه.

غير أن إزالة الضرر ليست قاعدة تعني التعويض المالي في جميع الأحوال، بل تختلف وسيلة المعالجة باختلاف نوع الحق وطبيعة الضرر.

فقد تكون الإزالة:

- برد المال.
- بإزالة التعدي.
- بمنع الاستمرار في الضرر.
- بضمان المال.
- بالتعويض.
- بالقصاص أو العقوبة في المجالات التي يقررها الشرع.
- أو بوسيلة أخرى يقررها الحكم الشرعي.

وهذا يبين أن فكرة جبر الضرر في الفقه الإسلامي أوسع من مجرد التعويض النقدي.

رأي المؤلف

أرى أن العدالة في المسؤولية المدنية لا تتحقق بمجرد تقدير مبلغ مالي، وإنما تبدأ من تحديد طبيعة الضرر ووسيلة جبره.

فقد يكون رد الحق أفضل من التعويض، وقد يكون إزالة الضرر أولى من التعويض عنه، وقد يجتمع الأمران.


---

الفصل الثالث

علاقة السببية

المبحث الأول: مفهوم السببية

لا يكفي وجود خطأ وضرر حتى تقوم المسؤولية؛ بل يجب أن يثبت أن الضرر كان نتيجة للفعل المنسوب إلى المسؤول.

فلو وقع خطأ دون أن يترتب عليه الضرر المدعى به، فلا يكفي مجرد إثبات الخطأ للحكم بالتعويض عن ذلك الضرر.

ومن هنا تقوم السببية بوظيفة الفصل بين:

الضرر الذي يتحمل المسؤول تبعته، والضرر الذي لا ينسب إليه قانونًا.


---

المبحث الثاني

تعدد الأسباب

قد يشترك أكثر من سبب في إحداث الضرر.

وقد يكون من بينها:

- فعل المسؤول.
- فعل المضرور.
- فعل الغير.
- حادث أجنبي.
- ظرف طبيعي.

وهنا تظهر صعوبة تحديد السبب الذي يرتب المسؤولية.

ولا يكفي أن يكون الفعل مجرد سبب مادي في سلسلة الأحداث، بل يجب بحث مدى الاعتداد به قانونًا بوصفه سببًا منتجًا للضرر.


---

المبحث الثالث

السبب الأجنبي

قد تنتفي المسؤولية أو تخف آثارها إذا ثبت أن الضرر يرجع إلى سبب أجنبي تتوافر فيه شروط الإعفاء المقررة قانونًا.

ومن أبرز صور السبب الأجنبي:

- القوة القاهرة.
- الحادث الفجائي.
- خطأ المضرور.
- فعل الغير.

غير أن أثر السبب الأجنبي لا يمكن تحديده بمجرد تسميته؛ بل يجب التحقق من مدى قطعه لعلاقة السببية.


---

المبحث الرابع

السببية في الفقه الإسلامي

عالج الفقه الإسلامي العلاقة بين الفعل والنتيجة من خلال مفاهيم المباشرة والتسبب، وهي من أهم الأصول التي تكشف عن عمق النظر الفقهي في مسألة إسناد الضرر.

فالمباشر للضرر يختلف حكمه عن المتسبب فيه، كما تختلف الأحكام باختلاف الظروف والملابسات.

وهذا البناء يمثل مجالًا مهمًا للمقارنة مع نظرية السببية في القانون المدني.

رأي المؤلف

أرى أن التمييز بين المباشرة والتسبب في الفقه الإسلامي يمكن أن يقدم أساسًا تحليليًا مهمًا للقضاء المدني في مسائل السببية، خصوصًا في الوقائع المركبة التي تتعدد فيها الأفعال وتتداخل فيها الأسباب.


---

الفصل الرابع

التعويض عن الضرر

المبحث الأول: وظيفة التعويض

التعويض ليس عقوبة في الأصل، وإنما هو وسيلة لجبر الضرر وإعادة التوازن الذي اختل بسبب الفعل غير المشروع.

ولهذا يجب أن يتناسب مع الضرر الثابت، وألا يتحول إلى وسيلة للإثراء على حساب المسؤول.

ومن هنا تظهر أهمية التمييز بين:

جبر الضرر والعقوبة.

فإذا كان الهدف من التعويض جبر الضرر، فإن تقديره ينبغي أن يقوم على مقدار الضرر وآثاره، لا على الرغبة في الانتقام من المسؤول.


---

المبحث الثاني

طرق التعويض

قد يكون التعويض:

1. عينيًا

بإعادة الحال إلى ما كان عليه، متى كان ذلك ممكنًا.

2. نقديًا

عندما يتعذر التنفيذ العيني أو لا يكون كافيًا لجبر الضرر.

3. مختلطًا

بأن يجمع الحكم بين إزالة الضرر والتعويض عن آثاره التي لا يمكن إزالتها.

وهذا ينسجم مع الفكرة العامة القائلة إن العدالة لا تبحث عن المال لذاته، وإنما عن إعادة التوازن القانوني الذي اختل بفعل الضرر.


---

المبحث الثالث

تقدير التعويض

تقدير التعويض من أكثر مسائل المسؤولية المدنية اتصالًا بالسلطة التقديرية للقاضي.

إلا أن السلطة التقديرية لا تعني إطلاقها دون ضوابط.

فالقاضي مطالب ببيان:

- طبيعة الضرر.
- مداه.
- آثاره.
- علاقته بالفعل.
- الظروف المحيطة به.
- الأدلة المقدمة.
- ما إذا كان الضرر ماديًا أو أدبيًا.
- وما إذا كان قد أصاب المضرور وحده أو امتد إلى غيره.

رأي المؤلف

أرى أن الحكم بالتعويض يجب ألا يكتفي بذكر رقم نهائي دون تسبيب كافٍ، لأن التعويض نتيجة قانونية لضرر محدد، وليس رقمًا تقديريًا منفصلًا عن عناصر الدعوى.


---

الفصل الخامس

المسؤولية عن فعل الغير

المبحث الأول: الأساس العام

قد يرتب القانون مسؤولية شخص عن فعل صدر من شخص آخر، متى قامت علاقة قانونية تجعل الأول مسؤولًا عن الثاني وفقًا للشروط التي يحددها القانون.

ومن أبرز التطبيقات:

مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه.

وهنا يجب تحديد:

- وجود علاقة التبعية.
- صدور الفعل الضار من التابع.
- وقوع الفعل أثناء الوظيفة أو بسببها بحسب القواعد القانونية.
- توافر بقية شروط المسؤولية.


---

المبحث الثاني

المسؤولية عن فعل القاصر ومن في حكمه

تظهر في هذا المجال أهمية الحماية القانونية لمن لا يملك القدرة الكاملة على إدراك نتائج أفعاله، وفي الوقت ذاته حماية المضرور الذي لا ينبغي أن يترك دون جبر لضرره.

ولذلك تقيم التشريعات مسؤوليات خاصة في بعض الحالات، وتحدد نطاقها وشروطها.

ويجب عدم الخلط بين:

مسؤولية الفاعل الأصلي ومسؤولية من يلتزم القانون بمراقبته أو رعايته.


---

المبحث الثالث

المسؤولية عن الأشياء

تثير الأشياء التي تحتاج إلى حراسة أو الرقابة القانونية مسائل خاصة، خصوصًا عندما يكون الضرر ناشئًا عن طبيعة الشيء أو عن عدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة.

وهنا يظهر الانتقال من المسؤولية الشخصية البسيطة إلى أنظمة قانونية أكثر تعقيدًا توازن بين:

حماية المضرور – عدالة تحميل التبعة – طبيعة النشاط – قدرة المسؤول على منع الضرر.


---

الفصل السادس

المسؤولية في الفقه الإسلامي والقانون اليمني والقضاء المصري

تكشف المقارنة عن أن الأنظمة الثلاثة، رغم اختلاف المصطلحات والتفصيلات، تلتقي في أصل جوهري هو:

منع الاعتداء على حقوق الغير وجبر الضرر المترتب عليه.

إلا أن الفقه الإسلامي يبني كثيرًا من أحكامه على مفهوم الضمان، بينما يصوغ القانون المدني الحديث المسؤولية في صورة أركان وقواعد عامة.

أما القضاء المصري فقد أسهم بصورة كبيرة في تفصيل عناصر المسؤولية وتحديد شروط الخطأ والضرر والسببية والتعويض، وهو ما يوفر مادة غنية للمقارنة والاستفادة عند تفسير النصوص وتطبيقها.

ولا ينبغي أن تكون المقارنة مجرد نقل من القضاء المصري إلى البيئة اليمنية، وإنما يجب أن تمر عبر سؤال أساسي:

هل تتفق القاعدة أو المبدأ القضائي مع النص اليمني وأصوله الشرعية وطبيعة المجتمع اليمني؟


---

رأي المؤلف

أرى أن أفضل منهج في المسؤولية المدنية اليمنية هو المنهج التكاملي الذي يجمع بين:

النص اليمني + أصل الشريعة + القواعد الفقهية + الاجتهاد القضائي + الفقه القانوني + طبيعة الواقعة + مصلحة المضرور + عدم الإضرار بالمسؤول.

وبذلك لا تكون المقارنة تبعية لتشريع آخر، وإنما وسيلة للوصول إلى تفسير أكثر اتزانًا للنص اليمني.

كما أرى أن قاعدة المسؤولية ينبغي أن تقوم على مبدأ:

> «لا تعويض بلا ضرر ثابت، ولا ضرر بلا إسناد قانوني، ولا إسناد بلا رابطة سببية، ولا إعفاء من المسؤولية لمجرد التسمية، وإنما بالعلة التي يعتد بها القانون.»



وبهذا تظل المسؤولية المدنية وسيلة للعدالة، لا وسيلة للعقوبة، ولا طريقًا للإثراء.

المطلب الختامي

العلاقة بين المسؤولية المدنية والقوة التنفيذية للحكم

لا تكتمل دراسة مصدر الالتزام عند صدور الحكم؛ لأن الحكم نفسه يمثل مرحلة انتقالية من الحق الموضوعي إلى الحماية القضائية ثم إلى التنفيذ.

فإذا ثبتت المسؤولية وصدر الحكم بالتعويض، أصبح على المدين تنفيذ ما قضى به الحكم، فإذا امتنع انتقلت المسألة إلى مرحلة التنفيذ الجبري وفقًا للقواعد الإجرائية.

ومن هنا تظهر الصلة بين القانون الموضوعي وقانون المرافعات والتنفيذ:

الفعل الضار → المسؤولية → التعويض → الدعوى → الحكم → حجية الحكم → القوة التنفيذية للحكم → التنفيذ.

وهذه السلسلة تؤكد أن دراسة مصادر الالتزام لا ينبغي أن تكون معزولة عن قانون المرافعات والتنفيذ، لأن الحق الذي لا يصل إلى مرحلة التنفيذ الفعلي تظل حمايته ناقصة من الناحية العملية.

ومن ثم ينتقل البحث بعد استكمال المسؤولية عن العمل غير المشروع إلى المصدر الثالث: الإثراء بلا سبب، وما يتفرع عنه من دفع غير المستحق والفضالة، باعتبارها مصادر مستقلة للالتزام تقوم على إعادة التوازن ومنع حصول شخص على منفعة على حساب غيره بغير سند مشروع.
[6/‏10, 8:11 م] نادر: مصادر الالتزام في الفقه والقانون اليمني
دراسة أكاديمية مقارنة في ضوء الفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء فقهاء القانون
تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح
الباب الثالث
الإثراء بلا سبب ودفع غير المستحق والفضالة
تمهيد
إذا كان العقد والعمل غير المشروع يمثلان صورتين واضحتين لنشوء الالتزام، فإن هناك طائفة أخرى من الالتزامات تنشأ من اختلال التوازن بين ذمتين ماليتين دون أن يكون مصدرها عقدًا أو فعلًا ضارًا بالمعنى التقليدي.
فقد يزداد مال شخص على حساب مال غيره دون سند مشروع، أو يؤدي شخص دينًا لا يجب عليه أداؤه، أو يتدخل شخص في شأن غيره بقصد تحقيق مصلحته دون أن يكون مأذونًا بذلك.
ومن هنا ظهرت في الفقه المدني الحديث نظرية الإثراء بلا سبب، وتفرعت عنها صور مهمة، أبرزها:
دفع غير المستحق والفضالة.
وهذه النظرية لها جذور واضحة في الفقه الإسلامي، وإن اختلفت المصطلحات والتقسيمات الفنية.
الفصل الأول
الإثراء بلا سبب
المبحث الأول: مفهوم الإثراء بلا سبب
يقوم الإثراء بلا سبب على وجود اختلال مالي تتحقق بموجبه منفعة لشخص يقابلها افتقار في ذمة شخص آخر، دون أن يكون هناك سبب قانوني مشروع يبرر انتقال المنفعة.
وعليه تقوم الفكرة على عناصر مترابطة:
حصول إثراء لشخص.
حصول افتقار لشخص آخر.
وجود علاقة بين الإثراء والافتقار.
عدم وجود سبب قانوني يبرر الإثراء.
عدم وجود وسيلة قانونية أخرى كافية لمعالجة الحالة، في الحدود التي يقررها القانون.
والإثراء لا يقتصر على زيادة المال زيادة مباشرة، بل قد يتحقق عن طريق:
اكتساب مال.
الحصول على منفعة.
تجنب خسارة.
التخلص من عبء مالي.
الاستفادة من عمل الغير في بعض الحالات.
المبحث الثاني
الإثراء في الفقه الإسلامي
لم يستخدم الفقهاء مصطلح «الإثراء بلا سبب» بالصياغة المدنية الحديثة، إلا أن أحكام الفقه الإسلامي تضمنت تطبيقات متعددة تمنع استفادة الشخص من مال غيره بغير حق.
ومن ذلك أحكام:
الغصب.
رد المال المقبوض بغير حق.
ضمان المنافع.
رد المال المسروق أو المغصوب.
الوفاء بغير حق.
الفضالة.
استرداد المال الذي دفع بناءً على اعتقاد خاطئ.
منع أكل أموال الناس بالباطل.
والأصل الشرعي الجامع هو تحريم أكل أموال الناس بالباطل، ووجوب رد الحقوق إلى أصحابها.
ومن هنا فإن نظرية الإثراء بلا سبب، وإن كانت حديثة من حيث الصياغة الاصطلاحية، ليست غريبة عن الأصول الفقهية.
المبحث الثالث
الإثراء والافتقار
لا يكفي وجود منفعة حصل عليها شخص؛ بل يجب أن يقابلها افتقار في ذمة شخص آخر.
فإذا حصل شخص على منفعة دون أن يتحمل غيره خسارة أو افتقارًا معتبرًا، فلا تقوم النظرية في صورتها التقليدية.
والافتقار قد يكون:
نقصًا فعليًا في المال.
تحمل نفقة عن الغير.
بذل عمل أو منفعة دون مقابل مستحق.
تحمل عبء كان ينبغي أن يتحمله شخص آخر.
ويجب أن تكون هناك علاقة بين الإثراء والافتقار.
المبحث الرابع
انعدام السبب
يمثل انعدام السبب العنصر الحاسم في النظرية.
فقد يثري شخص على حساب آخر، ولكن الإثراء يكون مشروعًا إذا استند إلى:
عقد صحيح.
حكم قضائي.
نص قانوني.
هبة صحيحة.
تبرع مشروع.
سبب قانوني آخر.
أما إذا انعدم السند الذي يبرر انتقال المنفعة، ظهرت الحاجة إلى إعادة التوازن وفقًا للقواعد القانونية.
وهنا تظهر قاعدة مهمة:
ليس كل إثراء على حساب الغير إثراءً بلا سبب.
فالسبب المشروع هو الذي يحول دون قيام المسؤولية بهذه الصورة.
المبحث الخامس
دعوى الإثراء بلا سبب وطبيعتها
دعوى الإثراء بلا سبب ليست بديلًا تلقائيًا عن كل دعوى أخرى.
فإذا كان بين الطرفين عقد صحيح يحكم العلاقة، فالأصل الرجوع إلى أحكام العقد.
وإذا كان هناك فعل ضار مكتمل الأركان، تطبق أحكام المسؤولية عن العمل غير المشروع.
أما إذا لم يوجد عقد أو مصدر آخر كافٍ، وتحققت عناصر الإثراء والافتقار وانعدام السبب، أمكن اللجوء إلى أحكام الإثراء بلا سبب وفقًا للقانون.
وهنا تظهر أهمية تحديد مصدر الالتزام مرة أخرى.
رأي المؤلف
أرى أن دعوى الإثراء بلا سبب ينبغي أن تكون دعوى احتياطية ذات وظيفة تصحيحية، لا وسيلة لتجاوز عقد صحيح أو تعطيل قواعد المسؤولية التقصيرية.
فلا يجوز أن يستخدمها المدعي لمجرد أن مصدرًا آخر للالتزام لم يثبت لمصلحته.
الفصل الثاني
دفع غير المستحق
المبحث الأول
مفهوم دفع غير المستحق
يتحقق دفع غير المستحق عندما يقوم شخص بأداء شيء إلى آخر معتقدًا أنه مدين به، ثم يتبين أن الدين غير قائم أو أن الوفاء لم يكن مستحقًا.
ويترتب على ذلك، في الحدود التي يقررها القانون، حق من دفع في استرداد ما دفعه.
وهذه الصورة تمثل تطبيقًا واضحًا لفكرة منع الإثراء غير المشروع.
المبحث الثاني
صور دفع غير المستحق
قد يكون الدفع غير مستحق بسبب:
عدم وجود الدين أصلًا.
انقضاء الدين قبل الوفاء.
دفع الدين إلى شخص غير مستحق.
الوفاء بمقدار يزيد على الدين.
تكرار الوفاء بالدين نفسه.
زوال سبب الالتزام قبل الدفع.
لكن ليس كل دفع خاطئ يؤدي تلقائيًا إلى الاسترداد؛ إذ يجب بحث حسن النية، وطبيعة الوفاء، ومركز من قبض المال، والظروف التي أحاطت بالدفع.
المبحث الثالث
دفع غير المستحق في الفقه الإسلامي
عرف الفقه الإسلامي أحكام رد الأموال التي تقبض بغير حق، وأقامها على أصول منها:
رد المظالم.
تحريم أكل المال بالباطل.
وجوب رد الحقوق.
ضمان المال المقبوض بغير حق بحسب الحالة.
أحكام الغلط في الوفاء.
وتلتقي هذه الأحكام مع الفكرة الحديثة في أن بقاء المال في يد من لا يستحقه يحتاج إلى سند مشروع.
المبحث الرابع
أثر حسن النية وسوء النية
تختلف الآثار القانونية بحسب حالة من قبض المال.
فمن قبض المال معتقدًا أنه مستحق له، يختلف مركزه عمن يعلم منذ البداية أنه قبض مالًا لا يستحقه.
ويظهر أثر ذلك في:
مقدار الرد.
رد الثمار والمنافع.
التعويض.
تحمل الهلاك أو التلف.
المسؤولية عن التصرف في المال.
رأي المؤلف
أرى أن حسن النية لا يحول المال غير المستحق إلى مال مستحق، وإنما يؤثر في نطاق المسؤولية وآثار الرد.
فأصل الحق في الاسترداد شيء، وتحديد مدى مسؤولية القابض عن الفترة التي كان فيها المال تحت يده شيء آخر.
الفصل الثالث
الفضالة
المبحث الأول
مفهوم الفضالة
الفضالة هي أن يتولى شخص، من تلقاء نفسه، القيام بشأن عاجل أو نافع لحساب شخص آخر دون أن يكون ملزمًا بذلك أو مأذونًا فيه ابتداءً، ثم تترتب على تدخله آثار قانونية وفقًا لشروطها.
ومن صورها أن يقوم شخص بإصلاح مال جاره الغائب لمنع هلاكه، أو يتخذ إجراءً عاجلًا لحماية مصلحة شخص آخر لا يستطيع مباشرة شؤونه في الوقت المناسب.
المبحث الثاني
أساس الفضالة
تقوم الفضالة على فكرة تحقيق مصلحة الغير دون تفويض سابق، ولذلك توازن القواعد القانونية بين مصلحتين:
حماية صاحب المصلحة، وحماية الفضولي من تحمل ما لا يلزمه إذا قام بعمل نافع وفق الشروط القانونية.
ومن هنا تنشأ التزامات متبادلة بين الطرفين.
المبحث الثالث
التزامات الفضولي
يلتزم الفضولي، بحسب طبيعة الحالة، بأن:
يستمر في العمل الذي بدأه في الحدود اللازمة.
يبذل عناية الشخص المعتاد.
يقدم حسابًا عما قام به.
يرد ما تسلمه لحساب رب العمل.
يحافظ على الأموال والمصالح التي تدخل في شأنها.
ولا يجوز أن تتحول الفضالة إلى وسيلة للاستيلاء على شؤون الغير أو فرض إرادة شخصية عليه.
المبحث الرابع
التزامات رب العمل
إذا توافرت شروط الفضالة، ترتبت على رب العمل التزامات بحسب القواعد القانونية، ومنها تحمل النفقات الضرورية والنافعة التي أنفقها الفضولي في الحدود التي يعترف بها القانون.
وقد يستحق الفضولي التعويض عما أصابه بسبب قيامه بالعمل إذا توافرت شروطه.
المبحث الخامس
الفضالة في الفقه الإسلامي
توجد في الفقه الإسلامي تطبيقات قريبة من فكرة الفضالة، ولا سيما في حالات التصرف في شؤون الغير لمصلحته عند الحاجة.
ومن القواعد التي يمكن استحضارها في هذا المجال:
«المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا»
وقاعدة:
«الضرر يزال»
وقاعدة:
«الضرر لا يزال بالضرر».
لكن لا يجوز إسقاط القواعد على الفضالة دون مراعاة أحكام الإذن والوكالة والضرورة وحفظ المال.
رأي المؤلف
أرى أن الفضالة ليست ترخيصًا عامًا للتدخل في شؤون الآخرين، وإنما هي نظام استثنائي لحماية المصلحة عند غياب صاحبها أو تعذر تدخله، بشرط أن يكون التدخل لمصلحته وبالقدر اللازم.
الفصل الرابع
العلاقة بين الإثراء بلا سبب ودفع غير المستحق والفضالة
هذه الصور الثلاث تشترك في كونها من مصادر الالتزام غير العقدية، لكنها ليست صورة واحدة.
المصدر
الواقعة المنشئة
الغاية
الإثراء بلا سبب
حصول منفعة بلا سند مشروع
إعادة التوازن
دفع غير المستحق
الوفاء بما لا يجب أداؤه
رد ما دفع بغير حق
الفضالة
إدارة شأن الغير دون وكالة سابقة
حماية مصلحة الغير وتنظيم آثار التدخل
ومن الخطأ دمج هذه المصادر في مصدر واحد؛ لأن لكل منها شروطه وآثاره.
الفصل الخامس
المقارنة مع القضاء المصري والفقه القانوني
اهتم الفقه المدني المصري بهذه المصادر ضمن النظرية العامة للالتزام، كما تناولتها التطبيقات القضائية من حيث شروط قيامها وآثارها.
وقد أفاد الفقه القانوني في تحليلها من خلال التمييز بين:
المصدر المنشئ للالتزام والدعوى التي تحميه.
وهذا التمييز مهم للغاية؛ لأن الدعوى ليست هي مصدر الحق.
فمثلًا:
دعوى رد غير المستحق ليست هي التي أنشأت الحق في الرد، وإنما الواقعة التي تمثلت في الوفاء غير المستحق هي التي أنشأت الرابطة، أما الدعوى فهي الوسيلة الإجرائية لحمايتها.
وهذا التمييز ينبغي أن يظل حاضرًا في القضاء؛ حتى لا تختلط المسألة الموضوعية بالمسألة الإجرائية.
رأي المؤلف
أرى أن أهم ما ينبغي ترسيخه في دراسة هذه المصادر هو الفصل بين ثلاث دوائر:
الدائرة الأولى: المصدر
وهو الواقعة المنشئة للالتزام.
الدائرة الثانية: الحق
وهو المركز القانوني الذي نشأ نتيجة تلك الواقعة.
الدائرة الثالثة: الدعوى
وهي الوسيلة القضائية التي يطلب بها صاحب الحق الحماية.
وبناءً على ذلك:
لا يجوز أن تتحول تسمية الدعوى إلى حجاب يحجب المحكمة عن مصدر الالتزام الحقيقي.
فإذا كان مصدر الالتزام عقدًا، وجب تطبيق أحكام العقد.
وإذا كان مصدره عملًا غير مشروع، وجب بحث الخطأ والضرر والسببية.
وإذا كان مصدره إثراء بلا سبب، وجب بحث الإثراء والافتقار وانعدام السبب.
وإذا كان مصدره دفعًا غير مستحق، وجب التحقق من عدم استحقاق الوفاء وشروط الرد.
وإذا كان مصدره فضالة، وجب التحقق من شروط التدخل في شأن الغير وآثاره.
وهذا هو الطريق الأقرب إلى التكييف الصحيح للخصومة والحكم الصحيح فيها.
الباب الرابع
القانون مصدرًا مباشرًا للالتزام
تمهيد
لا تنشأ جميع الالتزامات نتيجة عقد أو إرادة منفردة أو عمل غير مشروع أو إثراء بلا سبب.
فهناك التزامات يقررها القانون مباشرة، وتقوم بمجرد تحقق الوقائع أو المراكز القانونية التي ربط بها المشرع ذلك الالتزام.
وهذا المصدر يمثل أهمية خاصة؛ لأنه يكشف أن الإرادة الفردية ليست وحدها أساس الالتزام، وأن القانون يستطيع، تحقيقًا للمصلحة العامة أو حماية لفئة معينة أو تنظيمًا لعلاقة اجتماعية، أن ينشئ التزامًا في ذمة شخص دون حاجة إلى رضاه.
الفصل الأول
مفهوم القانون كمصدر للالتزام
يقصد بالقانون كمصدر للالتزام أن تكون القاعدة القانونية ذاتها هي المنشئة للرابطة، بحيث لا يكون العقد أو العمل الضار أو الإثراء هو السبب المباشر للالتزام.
ومن أمثلته الالتزامات التي تنشأ بحكم القانون بسبب:
القرابة.
صفة قانونية معينة.
الوظيفة.
الملكية.
الحيازة في بعض الحالات.
واجبات النفقة.
الالتزامات العامة.
بعض الالتزامات المالية.
المسؤوليات التي يقررها القانون صراحة.
رأي المؤلف
أرى أن القانون في هذه الحالة لا يكون مجرد منظم للالتزام، وإنما يكون منشئًا مباشرًا له.
وهذا التمييز ضروري عند تحديد مصدر الالتزام، لأن القول بأن القانون هو المصدر لا يعني أن كل التزام في النظام القانوني مصدره القانون بالمعنى الفني؛ إذ إن القانون ينظم جميع العلاقات القانونية، لكن المقصود هنا هو الالتزام الذي ينشأ مباشرة بحكم النص دون حاجة إلى مصدر إرادي أو واقعة أخرى مستقلة.
[6/‏10, 8:11 م] نادر: نواصل الدراسة من الباب السادس: انقضاء الالتزام بغير الوفاء، مع إبقاء الصلة بين الالتزام والقضاء والحجية والقوة التنفيذية.
أحكام الالتزام — الباب السادس: انقضاء الالتزام بغير الوفاء
الباب السادس
انقضاء الالتزام بغير الوفاء
لا ينقضي الالتزام بالوفاء وحده، وإن كان الوفاء طريقه الطبيعي، وإنما قد ينقضي لأسباب أخرى تزيل الرابطة القانونية كلها أو في حدود معينة، سواء تعلق ذلك بالإبراء، أو المقاصة، أو اتحاد الذمة، أو التجديد، أو استحالة التنفيذ، أو غيرها من الأسباب التي تقررها القواعد العامة.
وتظهر أهمية هذه الأسباب في أن انقضاء الالتزام قد يقع قبل نشوء الخصومة القضائية، وقد يقع أثناءها، وقد يحدث بعد صدور الحكم، وفي كل حالة يختلف أثره في الدعوى والحكم والقوة التنفيذية.
والقاعدة التي تحكم هذا الباب هي:
أن سبب انقضاء الالتزام لا يُبحث بمعزل عن مصدره ومحلّه وزمنه ومركز أطرافه، ولا عن الأثر الذي ترتب عليه قضائيًا.
المبحث الأول
الإبراء من الالتزام
الإبراء هو تخلي الدائن عن حقه في مواجهة المدين، بما يؤدي إلى سقوط الالتزام في الحدود التي شملها الإبراء.
والإبراء يختلف عن الوفاء؛ ففي الوفاء يستوفي الدائن حقه، أما في الإبراء فإنه يتخلى عنه دون استيفاء مقابله.
المطلب الأول
طبيعة الإبراء
الإبراء يقوم على إسقاط الحق، ولذلك يجب تمييزه عن التصرفات التي يكون محلها نقل الحق إلى شخص آخر.
فالدائن الذي يحيل حقه إلى شخص آخر لم يُبرئ المدين، وإنما نقل مركزه إلى غيره.
أما إذا أسقط حقه نهائيًا، فقد تحقق الإبراء.
المطلب الثاني
الإبراء في الفقه الإسلامي
عرف الفقه الإسلامي الإبراء بوصفه إسقاطًا للحق، وهو من التصرفات التي تظهر فيها سلطة صاحب الحق على حقه، مع مراعاة الشروط الشرعية المتعلقة بالمحل والأهلية والرضا.
والإبراء في الفقه يقوم على معنى الإسقاط، ولذلك يختلف عن الهبة في مواضع، وعن الوفاء في مواضع أخرى.
المطلب الثالث
أثر الإبراء
إذا صح الإبراء وانصرف إلى كامل الدين، زال حق الدائن في المطالبة به.
أما إذا تعلق بجزء من الدين، بقي الجزء الآخر.
رأي المؤلف
أرى أن الإبراء يجب أن يفسر في نطاقه، فلا يجوز التوسع فيه على حساب حق الدائن.
فإذا قال الدائن إنه أبرأ المدين من جزء معلوم من الدين، فلا يصح حمل عبارته على إسقاط الباقي.
والأصل أن:
الإبراء يسقط الحق بقدر ما اتجهت إليه إرادة صاحبه وثبتت دلالته.
المبحث الثاني
التجديد
التجديد هو استبدال الالتزام القائم بالتزام جديد، بحيث ينقضي الالتزام الأول ويحل محله الالتزام الجديد متى توافرت شروط التجديد.
والتجديد يختلف عن تعديل الالتزام؛ فليس كل تعديل تجديدًا.
فقد يتغير موعد الوفاء أو بعض شروط الالتزام دون أن ينقضي الالتزام الأصلي.
المطلب الأول
التجديد وتغيير محل الالتزام
إذا استبدل الطرفان محل الالتزام القديم بالتزام جديد مستقل، فقد يتحقق التجديد بحسب القواعد المنظمة له.
لكن مجرد تعديل طريقة الأداء لا يكفي وحده للقول بالتجديد.
المطلب الثاني
التجديد وتغيير المدين
قد يرتبط التجديد بتغيير شخص المدين وفق الشروط القانونية التي تجعل الالتزام الجديد بديلًا عن الالتزام السابق.
المطلب الثالث
التجديد وتغيير الدائن
كما قد يتصل التجديد بتغيير الدائن إذا تحققت الشروط التي تميز ذلك عن مجرد حوالة الحق.
رأي المؤلف
أرى أن معيار التجديد ليس مجرد وجود اختلاف بين الالتزامين، وإنما:
هل أراد الطرفان إنهاء الالتزام القديم وإنشاء التزام جديد يحل محله؟
فإذا لم يثبت هذا المعنى، بقي الأصل هو استمرار الالتزام الأول.
المبحث الثالث
اتحاد الذمة
يقوم اتحاد الذمة عندما تجتمع صفة الدائن والمدين في شخص واحد بالنسبة إلى الالتزام ذاته، فيصبح الشخص في مركز قانوني لا يستقيم معه بقاء الالتزام بصورته السابقة.
فلا يتصور أن يكون الشخص مدينًا لنفسه في الحق ذاته على نحو يبقى معه الالتزام قائمًا بالصورة المعتادة.
مثال
إذا انتقل الحق إلى المدين نفسه بسبب الإرث أو انتقال قانوني آخر، فقد تجتمع في ذمته صفتا الدائن والمدين.
رأي المؤلف
أرى أن اتحاد الذمة يقوم على استحالة استمرار الازدواج في المركز القانوني ذاته، ولذلك يكون أثره مرتبطًا بحدود ما اجتمعت فيه الصفتان.
المبحث الرابع
استحالة التنفيذ
قد ينقضي الالتزام إذا أصبح تنفيذه مستحيلًا استحالة حقيقية، وكان سبب الاستحالة أجنبيًا عن إرادة المدين وفق الشروط القانونية.
وهنا يجب التمييز بين:
الاستحالة الحقيقية، والاستحالة النسبية، والمشقة، وارتفاع المنفعة الاقتصادية.
فليس كل صعوبة في التنفيذ استحالة.
المطلب الأول
الاستحالة المادية
تتحقق عندما يصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن من الناحية المادية.
ومن أمثلتها هلاك الشيء المعين الذي تعلق به الالتزام، إذا كان الهلاك غير راجع إلى خطأ المدين وكان محل الالتزام مما ينقضي بهلاكه.
المطلب الثاني
الاستحالة القانونية
قد يصبح التنفيذ غير ممكن بسبب مانع قانوني ينشأ بعد قيام الالتزام، متى كان هذا المانع معتبرًا قانونًا ويترتب عليه استحالة الأداء.
المطلب الثالث
الاستحالة بسبب أجنبي
لا يكفي أن يعجز المدين عن التنفيذ، وإنما يجب بحث سبب العجز.
فإذا كان عدم التنفيذ راجعًا إلى فعل المدين أو تقصيره، فلا يجوز له التمسك بالاستحالة التي تسبب فيها.
رأي المؤلف
أرى أن القاعدة الأهم هي:
لا يستفيد المدين من استحالة صنعها بخطئه.
فالاستحالة سبب للانقضاء عندما تكون خارجة عن إرادة المدين وتتوفر شروطها، أما إذا كانت نتيجة سلوكه، فقد تتحول المسألة من انقضاء إلى مسؤولية وتعويض.
المبحث الخامس
أثر القوة القاهرة في الالتزام
القوة القاهرة من أهم الصور التي قد تمنع التنفيذ أو تجعله مستحيلًا.
والعبرة ليست بمجرد تسمية الواقعة قوة قاهرة، وإنما بمدى تحقق عناصرها وأثرها الحقيقي في التنفيذ.
ومن ذلك:
عدم إمكان توقع الواقعة في الظروف المعتبرة قانونًا.
تعذر دفعها أو تجاوز أثرها وفق الضوابط القانونية.
اتصالها المباشر بعدم التنفيذ.
رأي المؤلف
أرى أن المحكمة لا ينبغي أن تكتفي بعبارة «قوة قاهرة»، بل عليها أن تبحث:
ما الواقعة؟ ومتى حدثت؟ وكيف أثرت؟ وهل كانت سببًا مباشرًا في عدم التنفيذ؟ وهل كان يمكن للمدين تنفيذ الالتزام بطريقة أخرى؟
فالقوة القاهرة واقعة مؤثرة، وليست وصفًا يكتسب أثره بمجرد إطلاقه.
المبحث السادس
المقاصة كسبب لانقضاء الالتزام
المقاصة سبق تناولها من زاوية الوفاء، لكنها في حقيقتها تعد من أسباب انقضاء الالتزام أيضًا.
فإذا تقابل دينان بين شخصين، وتوافرت شروط المقاصة، انقضى كل منهما في الحدود التي تتوافر فيها المقاصة.
المطلب الأول
المقاصة القانونية
تتحقق وفق الشروط التي يحددها القانون دون حاجة إلى إعادة تنفيذ الدينين تنفيذًا ماديًا مستقلًا في الحدود التي تقع فيها المقاصة.
المطلب الثاني
المقاصة الاتفاقية
قد يتفق الطرفان على إجراء المقاصة بين حقوقهما، حتى في الحالات التي يكون الاتفاق فيها هو أساس التسوية.
المطلب الثالث
المقاصة القضائية
قد تعرض المقاصة أمام القضاء عندما تكون هناك منازعة تحتاج إلى بحث قضائي قبل ترتيب أثرها.
رأي المؤلف
أرى أن المقاصة القضائية تكشف الصلة بين القانون الموضوعي وقانون المرافعات؛ لأن المحكمة قد لا تكون أمام مجرد مطالبة بدين، وإنما أمام تصفية حساب قانوني متبادل بين الطرفين.
ولهذا يجب على المحكمة أن تحدد:
أصل كل دين.
مقدار كل منهما.
استحقاقه.
مدى قابليته للمقاصة.
مقدار ما ينقضي بالمقاصة.
مقدار الباقي القابل للحكم والتنفيذ.
المبحث السابع
التقادم وأثره في الالتزام
التقادم من المسائل الدقيقة؛ لأن أثره لا ينبغي أن يخلط بين سقوط الحق وسقوط سماع الدعوى، بحسب النظام القانوني الذي يحكم المسألة.
ومن ثم يجب عند بحث التقادم تحديد:
طبيعة الحق.
تاريخ نشوئه.
تاريخ استحقاقه.
مدة التقادم المقررة.
أسباب الوقف.
أسباب الانقطاع.
أثر التمسك بالتقادم.
رأي المؤلف
أرى أن التقادم لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لطمس الحقوق دون ضوابط، كما لا يجوز تجاهل أثره القانوني متى استكملت شروطه.
ولهذا ينبغي أن يكون بحث التقادم بحثًا في الزمن القانوني للحق لا مجرد دفع شكلي.
المبحث الثامن
أثر انقضاء الالتزام في الضمانات
الأصل أن الضمانات التابعة تتبع الالتزام الأصلي وجودًا وانقضاءً.
فإذا انقضى الدين، بحث أثر ذلك في:
الكفالة.
الرهن.
الامتياز.
الحجز.
سائر الضمانات التابعة.
لكن يجب التحقق من طبيعة كل ضمان؛ لأن بعض المراكز القانونية قد تكون لها أسباب مستقلة.
رأي المؤلف
أرى أن:
التبعية هي مفتاح فهم أثر انقضاء الالتزام في الضمان.
فكلما كان الضمان تابعًا للدين، تأثر بانقضائه بقدر تبعيته.
المبحث التاسع
انقضاء الالتزام أثناء الدعوى
قد ينقضي الالتزام بعد رفع الدعوى وقبل صدور الحكم.
وهنا لا يكفي للمحكمة أن تبحث أصل الحق كما كان وقت رفع الدعوى، بل يجب عليها أن تنظر في الوقائع اللاحقة المؤثرة في استمرار النزاع، وفق القواعد الإجرائية الموضوعية الحاكمة.
فإذا أثبت المدين الوفاء أو الإبراء أو المقاصة أو غير ذلك من أسباب الانقضاء، وجب تحديد أثر ذلك في الطلب القضائي.
رأي المؤلف
أرى أن القضاء يجب أن يفصل بين:
نشوء الحق، واستحقاقه، واستمرار سببه، وانقضائه أثناء الخصومة.
فالدعوى ليست صورة جامدة للحظة رفعها، وإنما الخصومة القضائية قد تتأثر بالوقائع القانونية اللاحقة متى كانت مؤثرة ومقبولة إجرائيًا.
المبحث العاشر
انقضاء الالتزام بعد صدور الحكم
إذا انقضى الالتزام بعد صدور الحكم، فإن ذلك لا يعني سقوط الحكم أو محو حجيته.
بل يجب التفريق بين:
أولًا: حجية الحكم
وهي الأثر الذي يترتب على الفصل القضائي في المسألة التي حسمها الحكم.
ثانيًا: القوة التنفيذية للحكم
وهي السلطة التي تتيح تنفيذ ما قضى به الحكم.
ثالثًا: الواقعة اللاحقة
وهي ما يقع بعد الحكم من وفاء أو إبراء أو مقاصة أو غير ذلك.
رأي المؤلف
أقرر هنا قاعدة أراها من القواعد المركزية في النظرية العامة للالتزام:
الواقعة اللاحقة لا تهدم حجية الحكم فيما فصل فيه، لكنها قد تمنع تنفيذ ما انقضى من الالتزام بعد صدور الحكم.
وهذا هو الفاصل بين حجية الحكم والقوة التنفيذية للحكم القضائي.
المبحث الحادي عشر
انقضاء الالتزام وأثره في التنفيذ الجبري
إذا كان الدائن يحمل حكمًا واجب التنفيذ، ثم ثبت أن الالتزام قد انقضى بعد صدور الحكم، فإن التنفيذ يجب أن يقف عند حدود الحق القائم قانونًا.
فلا يجوز أن يتحول الحكم إلى وسيلة لاستيفاء حق زال سببه بعد الحكم.
وفي المقابل، لا يجوز للمدين أن يدعي الانقضاء دون دليل معتبر.
وهنا تظهر أهمية منازعات التنفيذ.
رأي المؤلف
أرى أن قاضي التنفيذ أو المحكمة المختصة يجب أن توازن بين أمرين:
احترام حجية الحكم من جهة، ومنع التنفيذ على حق ثبت انقضاؤه من جهة أخرى.
فالتنفيذ ليس خصومة جديدة لإعادة بحث أصل الحق، لكنه أيضًا ليس عملًا آليًا منفصلًا عن الوقائع القانونية اللاحقة المؤثرة في نطاق التنفيذ.
المبحث الثاني عشر
الانقضاء والحجية
الحجية تتعلق بما فصل فيه الحكم، أما أسباب الانقضاء فقد تكون سابقة على الحكم أو لاحقة له.
فإذا كان سبب الانقضاء سابقًا على الحكم وكان من الممكن طرحه في الخصومة، فإن أثر الحكم في المسألة يتحدد وفق قواعد الحجية والدفوع التي كان يجوز إبداؤها.
أما إذا كان سبب الانقضاء لاحقًا للحكم، فإنه يمثل واقعة جديدة لا يجوز الخلط بينها وبين الموضوع الذي فصل فيه الحكم.
رأي المؤلف
أرى أن التمييز الزمني بين سبب الانقضاء والحكم من أهم مفاتيح معالجة حجية الأمر المقضي.
فالقاعدة:
ما كان سابقًا على الحكم له حكم، وما نشأ بعد الحكم له حكم آخر.
ولا يجوز استعمال الواقعة اللاحقة لإعادة فتح ما حسمه الحكم، كما لا يجوز استعمال حجية الحكم لتجاهل واقعة لاحقة ثبت أثرها قانونًا.
المبحث الثالث عشر
الانقضاء في الفقه الإسلامي
تتعدد أسباب انقضاء الالتزام في الفقه الإسلامي بتعدد صور المعاملات، ومن ذلك:
الأداء.
الإبراء.
المقاصة.
الصلح.
الحوالة.
اتحاد الذمة في بعض الصور.
تعذر محل الالتزام في الأحوال التي يترتب عليها ذلك.
غيرها من الأسباب التي تناولتها أبواب المعاملات.
ويمتاز الفقه الإسلامي بأنه ينظر إلى الالتزام من خلال الحق والذمة والسبب والمحل وآثار التصرف، وليس من خلال الشكل المجرد وحده.
رأي المؤلف
أرى أن الاستفادة من الفقه الإسلامي في القانون المعاصر لا تكون بنقل المصطلحات فقط، وإنما بإعادة بناء المسألة على أساس:
الحق، والذمة، والسبب، والمحل، والرضا، والضرر، وحماية التعامل.
وهذا يجعل المقارنة الفقهية ذات قيمة عملية في تفسير كثير من مسائل الالتزام.
المبحث الرابع عشر
الانقضاء في القضاء المصري
تناول الفقه والقضاء المصريان أسباب انقضاء الالتزام ضمن النظرية العامة للالتزام، مع التمييز بين الوفاء والإبراء والتجديد والمقاصة واتحاد الذمة واستحالة التنفيذ والتقادم وغيرها.
وقد أفاد الفقه المدني المصري من بناء النظرية العامة للالتزام في ضبط العلاقة بين السبب والمنشأ والأثر والانقضاء.
ويظهر في هذا السياق أثر مؤلفات السنهوري وأنور سلطان وغيرهما في تنظيم مسائل الالتزام، مع أهمية أحكام القضاء المصري في تطبيق النصوص على الوقائع العملية.
رأي المؤلف
أرى أن المقارنة بالقضاء المصري تفيد في الجانب التحليلي والتطبيقي، لكن لا يجوز أن تحل محل النص اليمني أو المبادئ التي يقوم عليها النظام القانوني اليمني.
فالمقارنة وسيلة للفهم، وليست مصدرًا لإلغاء خصوصية التشريع الوطني.
المبحث الخامس عشر
موقف الفقهاء من أسباب الانقضاء
تتفق الاتجاهات الفقهية في جوهرها على أن الالتزام لا يبقى إلى غير نهاية، وإنما ينقضي بتحقق السبب الذي يزيله.
لكن الخلاف قد يظهر في:
طبيعة السبب.
أثره.
هل هو إسقاط أم استيفاء؟
هل يحتاج إلى قبول؟
هل يزيل أصل الحق أم يمنع المطالبة به؟
هل يمتد أثره إلى الضمانات؟
هل يؤثر في الحكم السابق؟
وهل يجوز الاحتجاج به في التنفيذ؟
وهذه الأسئلة تكشف أن دراسة الانقضاء لا يمكن فصلها عن النظرية العامة للحق والدعوى والحكم والتنفيذ.
المبحث السادس عشر
رأي المؤلف في النظرية العامة لانقضاء الالتزام
أرى أن أسباب انقضاء الالتزام يمكن ردها من الناحية التحليلية إلى أربع مجموعات كبرى:
المجموعة الأولى: انقضاء بالاستيفاء
مثل الوفاء وما يقوم مقامه من صور الأداء.
المجموعة الثانية: انقضاء بالإسقاط
مثل الإبراء.
المجموعة الثالثة: انقضاء بالتقابل أو الاندماج
مثل المقاصة واتحاد الذمة في الحدود التي يقررها القانون.
المجموعة الرابعة: انقضاء بسبب خارج عن الإرادة
مثل الاستحالة والقوة القاهرة في الأحوال التي يترتب عليها انقضاء الالتزام.
أما التجديد فيمثل حالة مختلفة؛ لأنه لا يقتصر على إسقاط الالتزام، وإنما يستبدل رابطة قانونية بأخرى.
ومن ثم فإن النظرية العامة للانقضاء يجب ألا تكتفي بتعداد الأسباب، بل تبحث طبيعة كل سبب وآثاره في الحق والدعوى والحكم والتنفيذ والضمانات.
الخلاصة العامة للباب السادس
يمكن صياغة البناء العام لانقضاء الالتزام على النحو الآتي:
الالتزام → وجوده → استحقاقه → قيام سببه → إمكان تنفيذه → قيام سبب الانقضاء → تحديد أثر الانقضاء → أثره في الدعوى → أثره في الحكم → أثره في القوة التنفيذية → أثره في الضمانات.
وهذه السلسلة تكشف أن انقضاء الالتزام ليس نهاية نظرية فحسب، وإنما قد يكون نقطة انتقال من القانون الموضوعي إلى قانون المرافعات والتنفيذ.
ومن هنا فإن:
الحق قد ينقضي، لكن حجية الحكم لا تزول بمجرد انقضاء الحق اللاحق، والقوة التنفيذية لا يجوز أن تتجاوز حدود الحق القائم وقت التنفيذ.
وهذه القاعدة تمثل جسرًا بين النظرية العامة للالتزام والنظرية العامة للحكم القضائي.
الباب السابع
آثار الالتزام في المسؤولية المدنية والتعويض
ينتقل البحث بعد ذلك إلى مرحلة الإخلال بالالتزام، باعتبار أن الالتزام لا تظهر قيمته العملية بمجرد نشوئه، وإنما تظهر عند احترامه أو الإخلال به.
ويتناول هذا الباب:
الإخلال بالالتزام، التأخر في التنفيذ، عدم التنفيذ، التنفيذ المعيب، المسؤولية العقدية، الضرر المادي والأدبي، علاقة السببية، الخطأ، التعويض، تقدير التعويض، التعويض الاتفاقي، الشرط الجزائي، القوة القاهرة، فعل الغير، خطأ الدائن، تعدد المسؤولين، مسؤولية الشخص الاعتباري، وأثر الحكم بالتعويض في الحجية والقوة التنفيذية.