آخر تحديث :الخميس-08 أكتوبر 2026-12:26ص

مقالات


الإطار النظري والتأصيلي لنظرية الزمن القضائي المستمر .. «تنازع الاختصاص لا يوقف الساعة»

الإطار النظري والتأصيلي لنظرية الزمن القضائي المستمر .. «تنازع الاختصاص لا يوقف الساعة»

الخميس - 08 أكتوبر 2026 - 12:26 ص بتوقيت عدن

- بقلم / المستشار والباحث مختار راجح

الباب الأول

الإطار النظري والتأصيلي لنظرية الزمن القضائي المستمر

«تنازع الاختصاص لا يوقف الساعة»

دراسة تأصيلية مقارنة في الفقه الإسلامي والقانون اليمني والقانون والقضاء المصري وآراء الفقهاء ورأي المؤلف

تأليف وبحث

المستشار والباحث مختار راجح

---

الفصل الأول

تأسيس نظرية الزمن القضائي المستمر

المبحث الأول

ماهية نظرية الزمن القضائي المستمر

المطلب الأول

مفهوم الزمن القضائي المستمر

لم يعد الزمن في الخصومة القضائية مجرد ظرف خارجي تتحرك خلاله الإجراءات، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في قيمة العدالة ذاتها؛ لأن الحق الذي يصل إلى صاحبه بعد فوات محله أو زوال دليله أو انقضاء مصلحته قد يتحول من حق قابل للحماية إلى حق نظري لا يملك صاحبه الانتفاع به.

ومن هنا تنطلق هذه الدراسة من فكرة مؤداها أن العدالة لا تقاس فقط بصحة الحكم من الناحية القانونية، وإنما تقاس كذلك بقدرة النظام القضائي على إيصال الحماية القضائية إلى صاحبها في الوقت الذي تظل فيه هذه الحماية ذات قيمة.

والزمن القضائي المستمر، وفقًا لتصور هذه الدراسة، هو:

«الامتداد الزمني المنظم للخصومة والحماية القضائية منذ نشوء الحاجة إلى القضاء وحتى استقرار الحكم وتنفيذه، بحيث لا يتحول أي عارض إجرائي، ومنه تنازع الاختصاص، إلى فراغ زمني يهدر الحق أو الدليل أو الحرية، مع الالتزام الكامل بحدود الاختصاص التي رسمها القانون.»

وهذا المفهوم لا يعني أن الدعوى يجب أن تستمر أمام المحكمة نفسها مهما كان وضع اختصاصها، وإنما يعني أن العدالة نفسها يجب أن تستمر من خلال انتقال الدعوى إلى الجهة المختصة، واستمرار ما يسمح به القانون من إجراءات الحماية والحفظ والتحفظ.

ومن هنا ينبغي التفريق بين عبارتين:

استمرار المحكمة.

و

استمرار العدالة.

فقد لا يجوز استمرار المحكمة في نظر الموضوع بسبب عدم اختصاصها، ولكن ذلك لا يعني أن العدالة تتوقف، بل تنتقل إلى المحكمة المختصة.

وهذه هي نقطة الانطلاق الأساسية لنظرية:

««تنازع الاختصاص لا يوقف الساعة».»

---

المطلب الثاني

مفهوم تنازع الاختصاص

تنازع الاختصاص هو الحالة التي يثور فيها خلاف قانوني بين جهتين قضائيتين أو أكثر حول الجهة التي تملك سلطة الفصل في الدعوى.

وقد يكون التنازع:

إيجابيًا عندما تتمسك أكثر من جهة باختصاصها.

وقد يكون:

سلبيًا عندما تتخلى أكثر من جهة عن الاختصاص.

وقد يكون التنازع بين محاكم من درجة واحدة، أو بين جهات قضائية مختلفة بحسب النظام القانوني وطبيعة الاختصاص محل النزاع.

وقد نظم المشرع اليمني هذه المسألة على مستويين متكاملين؛ أولهما دستوري، إذ أسند الدستور إلى المحكمة العليا الفصل في تنازع الاختصاص بين جهات القضاء، وثانيهما تشريعي، إذ نظم قانون المرافعات والتنفيذ المدني وقانون الإجراءات الجزائية صورًا متعددة للاختصاص والإحالة وتعيين المحكمة المختصة.

والأهمية العلمية لهذه المسألة أن مجرد إثارة التنازع لا تكشف وحدها عن أثره الإجرائي؛ لأن الأثر يتغير بحسب نوع الاختصاص المتنازع عليه.

فالتنازع في الاختصاص الولائي ليس كالتنازع في الاختصاص المكاني، والتنازع في الاختصاص النوعي ليس كالتنازع في إجراء وقتي أو تحفظي.

ومن ثم فإن القاعدة المنهجية الأولى للدراسة هي:

««لا يُحكم على أثر تنازع الاختصاص قبل تحديد نوع الاختصاص المتنازع عليه وطبيعة القاعدة المنظمة له والجزاء الذي رتبه القانون على مخالفتها.»»

---

المطلب الثالث

العلاقة بين الاختصاص والزمن والحق

الاختصاص هو الأداة التي يحدد بها القانون المحكمة التي تملك سلطة الفصل.

والزمن هو الإطار الذي تتحرك خلاله الخصومة.

والحق هو الغاية التي من أجلها يلجأ صاحبه إلى القضاء.

ومن الخطأ فصل هذه العناصر الثلاثة.

فالاختصاص بلا زمن قد يتحول إلى إجراءات بطيئة تفقد العدالة أثرها.

والزمن بلا اختصاص قد يؤدي إلى صدور حكم من جهة لا تملك إصداره.

والحق بلا اختصاص ولا زمن يبقى مجرد مركز قانوني غير محمي.

ومن ثم فإن المعادلة التي تقترحها الدراسة هي:

«عدالة فعالة = اختصاص صحيح + إجراء سليم + زمن معقول + حماية مستمرة للحق.»

ولا يجوز تقديم عنصر على الآخر بطريقة تلغي العناصر الباقية.

فلا يجوز أن يقال إن السرعة تبرر تجاوز الاختصاص.

كما لا يجوز أن يقال إن الاختصاص يبرر تعطيل الحق بلا حدود.

---

المبحث الثاني

الأساس الدستوري للنظرية

المطلب الأول

وحدة القضاء وأثرها في تنازع الاختصاص

قرر الدستور اليمني أن:

««القضاء وحدة متكاملة»»

وجعل القانون هو الذي يرتب الجهات القضائية ودرجاتها ويحدد اختصاصاتها. كما جعل المحكمة العليا أعلى هيئة قضائية، وأسند إليها على وجه الخصوص الفصل في تنازع الاختصاص بين جهات القضاء.

وتكشف هذه النصوص عن أصلين متلازمين:

الأول: أن الاختصاص لا يترك للتقدير الشخصي، وإنما يحدده القانون.

والثاني: أن الاختلاف حول الاختصاص له مرجع قضائي يحسمه.

وهذا يعني أن التنازع ليس حالة قانونية ينبغي أن تبقى مفتوحة، وإنما حالة مؤقتة يجب إنهاؤها بقرار الجهة التي حددها القانون.

وهنا يظهر البعد الزمني للنص الدستوري.

فإذا كان الدستور قد حدد جهة الفصل في التنازع، فإن الغاية المنطقية من هذا التحديد هي منع بقاء الدعوى بلا جهة مختصة.

---

المطلب الثاني

المحكمة العليا باعتبارها صمام أمان ضد الفراغ القضائي

إن إسناد الفصل في تنازع الاختصاص إلى المحكمة العليا يؤدي وظيفة تتجاوز مجرد توزيع الملفات.

فهو يمنع أمرين متناقضين:

الأول: أن تمارس محكمتان الاختصاص في القضية نفسها.

الثاني: أن تتخلى المحاكم جميعًا عن الاختصاص وتبقى الدعوى بلا قضاء.

ومن هنا يمكن القول إن المحكمة التي تعين بوصفها مختصة لا تستلم مجرد ملف، وإنما تستلم استمرارية الوظيفة القضائية.

وهذا ينسجم مع نظرية الزمن القضائي المستمر؛ لأن وظيفة القضاء لا ينبغي أن تنقطع بسبب الخلاف حول الباب الذي تدخل منه الدعوى.

---

المبحث الثالث

الأساس التشريعي في قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني

المطلب الأول

الدعوى باعتبارها وسيلة شرعية وقانونية للحماية القضائية

عرفت المادة (70) من قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني الدعوى بأنها الوسيلة الشرعية والقانونية لكل ذي ادعاء أو دفاع يرفعه إلى القاضي للفصل فيه وفقًا للقواعد الشرعية والقانونية. كما عالجت المادة (71) صحة رفع الدعوى وإجراءاتها، وأوجبت على المحكمة معالجة النقص أو البطلان الإجرائي وفقًا للقانون.

وتكمن أهمية هذه النصوص في أنها تكشف عن أن المشرع لا ينظر إلى الدعوى بوصفها ورقة تقدم إلى المحكمة فقط، وإنما باعتبارها وسيلة للوصول إلى الفصل القضائي.

ومن هنا فإن تفسير قواعد الاختصاص يجب أن يكون مرتبطًا بالغاية النهائية للدعوى، وهي الوصول إلى قضاء صحيح.

فإذا وقع خطأ في تحديد المحكمة، فإن السؤال القانوني لا ينبغي أن يكون فقط:

هل هذه المحكمة مختصة؟

بل ينبغي أن يضاف إليه:

ما الطريق القانوني لنقل الدعوى إلى المحكمة المختصة دون إهدار ما تم صحيحًا ودون إطالة غير لازمة؟

وهذا السؤال يمثل قلب النظرية.

---

المطلب الثاني

الاختصاص الدولي وأثره في استمرار الحماية القضائية

نظم المشرع اليمني الاختصاص الدولي في المواد من (78) وما بعدها، وحدد الحالات التي تختص فيها المحاكم اليمنية بالدعاوى المرفوعة على اليمنيين والأجانب، وربط الاختصاص في بعض الحالات بالموطن أو محل الإقامة أو المال الموجود في الجمهورية أو الالتزام الذي نشأ أو نفذ فيها.

غير أن المادة (83) تكتسب أهمية خاصة في هذه الدراسة؛ لأنها تقرر في نطاقها جواز اتخاذ الإجراءات الوقتية والتحفظية التي تنفذ في الجمهورية، ولو لم تكن المحكمة اليمنية مختصة بالدعوى الأصلية وفق قواعد الاختصاص الدولي.

وهذا النص يمثل تطبيقًا تشريعيًا بالغ الدلالة على التفرقة بين:

الاختصاص في أصل الحق

و

الاختصاص في حماية الحق.

فالقانون لم يجعل عدم الاختصاص بالدعوى الأصلية مانعًا مطلقًا من كل إجراء قضائي.

وهذا يؤكد أن الاختصاص ليس كتلة واحدة، وأن الحماية القضائية قد تستمر في نطاق معين رغم عدم امتداد الولاية إلى الموضوع.

---

المطلب الثالث

الاختصاص النوعي وأثره في استمرار الخصومة

نصت المادة (87) على اختصاص المحكمة العليا بالفصل في الطعن بالنقض أو الإقرار في الأحكام التي يحددها القانون، ونصت المادة (88) على اختصاص محاكم الاستئناف بالقضايا الاستئنافية، بينما قررت المادة (89) اختصاص المحاكم الابتدائية بالحكم ابتدائيًا في الدعاوى التي ترفع إليها، مع قيد مهم يتعلق بالمحاكم الابتدائية المتخصصة، إذ تكون ولايتها قاصرة على النوع الذي أنشئت لنظره إلا في حدود الارتباط الذي لا يقبل التجزئة. كما أوجبت المادة (90) على المحكمة أن تحكم من تلقاء نفسها بعدم اختصاصها نوعيًا إذا تبين لها ذلك.

وهذه النصوص تؤسس لقاعدة مهمة:

«الاختصاص النوعي لا يجوز تجاوزه بدعوى المحافظة على الزمن.»

فإذا ثبت أن المحكمة غير مختصة نوعيًا، وجب عليها أن تتوقف عن الفصل في أصل النزاع في الحدود التي يقررها القانون.

ولكن هذه النتيجة لا تعني أن الزمن السابق أصبح عديم القيمة.

بل يجب التمييز بين:

زوال ولاية المحكمة عن الفصل في الموضوع

و

زوال كل أثر للإجراءات السابقة.

وهذا التمييز سوف يكون من أهم موضوعات الدراسة في الأبواب اللاحقة.

---

المبحث الرابع

التفريق بين أنواع الاختصاص كأساس للنظرية

المطلب الأول

الاختصاص الولائي

الاختصاص الولائي يتصل بالجهة التي منحها القانون سلطة الفصل في نوع معين من المنازعات.

وهو من أقوى صور الاختصاص، لأن الاتفاق بين الخصوم لا يستطيع إنشاء ولاية قضائية لم يمنحها القانون.

ومن ثم فإن الدفع بعدم الاختصاص الولائي لا يعامل معاملة الدفع المتعلق بالاختصاص المكاني القابل للاتفاق في بعض صوره.

رأي المؤلف:

أرى أن الزمن لا يمكن أن يصحح انعدام الولاية؛ لأن مرور الزمن لا ينشئ سلطة قضائية.

لكن ينبغي في الوقت نفسه أن تكون هناك جهة قانونية سريعة لحسم النزاع حول الولاية، حتى لا يتحول احترام الاختصاص إلى تعطيل دائم للحق.

---

المطلب الثاني

الاختصاص النوعي

الاختصاص النوعي يحدد المحكمة بحسب طبيعة الدعوى.

وقد صريح قانون المرافعات في إلزام المحكمة بالحكم بعدم اختصاصها نوعيًا من تلقاء نفسها عند تحقق عدم الاختصاص.

ومن هنا فإن استمرار المحكمة غير المختصة نوعيًا في الفصل لا يدخل في مفهوم الزمن القضائي المستمر، بل يمثل خروجًا على حدود الاختصاص.

والذي يستمر هو:

الحق في التقاضي.

والإجراءات التي يحميها القانون.

ومسار الدعوى نحو المحكمة المختصة.

---

المطلب الثالث

الاختصاص الوظيفي

يتصل الاختصاص الوظيفي بدرجة المحكمة ووظيفتها في مراحل الخصومة.

فالابتدائي يختلف عن الاستئنافي، والاستئناف يختلف عن النقض.

ولا يجوز أن تستولي محكمة على وظيفة منحها القانون لجهة أخرى.

لكن انتقال الدعوى من وظيفة إلى أخرى يجب ألا يتحول إلى انقطاع في المسار القضائي.

ومن هنا:

«استمرار الزمن القضائي لا يعني استمرار الوظيفة القضائية ذاتها، وإنما يعني استمرار المسار القضائي الصحيح عبر وظائفه المتعاقبة.»

---

المطلب الرابع

الاختصاص القيمي

إذا جعل القانون لقيمة الدعوى أثرًا في تحديد المحكمة المختصة، فإن تحديد القيمة يصبح خطوة لازمة لتحديد الجهة.

ولكن لا ينبغي أن يصبح الخلاف حول القيمة وسيلة لإعادة الخصومة إلى بدايتها كل مرة.

فالقاعدة هنا:

«يجب أن يكون تحديد القيمة وسيلة لتحديد المحكمة، لا سببًا لإطالة الطريق إلى المحكمة.»

---

المطلب الخامس

الاختصاص المكاني

قرر قانون المرافعات في المادة (92) أن الأصل في الاختصاص المكاني هو محكمة موطن المدعى عليه أو محل إقامته المؤقتة، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك. ونظم المواد التالية الاختصاص في بعض الدعاوى الخاصة، كما أجاز القانون في المادة (101) الاتفاق بين الخصوم مقدمًا على اختصاص محكمة معينة، أو الاتفاق أثناء نظر الدعوى على إحالتها إلى محكمة أخرى مع مراعاة الاختصاص النوعي.

وهذا يكشف عن اختلاف جوهري بين الاختصاص المكاني وغيره.

فالمشرع نفسه أجاز في نطاقه قدرًا من إرادة الخصوم.

ولذلك لا يجوز أن تكون آثار الدفع بعدم الاختصاص المكاني مطابقة بالضرورة لآثار الدفع بعدم الاختصاص الولائي أو النوعي.

---

المطلب السادس

الاختصاص الوقتي والتحفظي

نظم القانون الاختصاص في الدعاوى المتعلقة باتخاذ إجراء وقتي، وجعل الاختصاص لمحكمة موطن المدعى عليه أو للمحكمة التي يتم في دائرتها اتخاذ الإجراء الوقتي. كما رتب نظر بعض الدعاوى على وجه السرعة.

وهنا يظهر الزمن القضائي بصورة مباشرة.

فالوقت في الإجراء المستعجل ليس مجرد مدة إدارية، وإنما عنصر من عناصر الحماية.

وقد يصبح التأخير نفسه سببًا في فشل الإجراء.

ومن ثم:

«الاختصاص الوقتي هو أحد أهم المجالات التي تتقاطع فيها قاعدة الاختصاص مع قاعدة الزمن.»

---

المبحث الخامس

الإحالة بوصفها وسيلة لاستمرار العدالة

المطلب الأول

مفهوم الإحالة

الإحالة هي الوسيلة الإجرائية التي تنتقل بها الدعوى من المحكمة التي لا تملك نظرها إلى المحكمة التي يحددها القانون بوصفها صاحبة الاختصاص.

والإحالة في جوهرها ليست عقوبة للخصم، وليست إنهاءً للحق.

بل هي تصحيح للمسار القضائي.

ومن هنا فإن فهم الإحالة يجب أن يكون مرتبطًا بمبدأ:

««القضاء لا ينتهي بتحديد عدم الاختصاص، وإنما ينتقل إلى الجهة المختصة.»»

---

المطلب الثاني

الإحالة وعدم إعادة الزمن إلى الصفر

إذا كانت الغاية من الإحالة نقل الدعوى إلى المحكمة المختصة، فإن إعادة كل الإجراءات من بدايتها ينبغي ألا تكون هي الأصل إلا إذا أوجب القانون ذلك.

والسبب أن الخصومة القضائية تتكون من سلسلة من الإجراءات، وبعض هذه الإجراءات قد يكون صحيحًا ومنتجًا لأثره.

ومن ثم فإن إهدارها بلا نص يؤدي إلى مضاعفة الزمن القضائي دون تحقيق مصلحة حقيقية.

رأي المؤلف:

أرى أن الإحالة يجب أن تفسر باعتبارها استمرارًا للخصومة في مسارها الصحيح، لا باعتبارها ولادة جديدة للدعوى.

---

الفصل الثاني

إشكالية نظرية الزمن القضائي المستمر وحدودها

المبحث الأول

الإشكالية الرئيسية

المطلب الأول

السؤال المركزي

تتمثل الإشكالية الرئيسية في السؤال الآتي:

«إلى أي مدى يمكن منع تنازع الاختصاص من تعطيل العدالة، دون أن يؤدي ذلك إلى السماح لمحكمة غير مختصة بممارسة سلطة الفصل في أصل النزاع؟»

وهذا السؤال ينقسم إلى مجموعة أسئلة فرعية:

هل يوقف التنازع جميع الإجراءات؟

هل يوقف الفصل في الموضوع فقط؟

هل تستمر الإجراءات الوقتية؟

ماذا يحدث للدليل الذي يخشى ضياعه؟

ما مصير الحرية الشخصية في الدعوى الجزائية؟

ما أثر التأخير في القيمة العملية للحكم؟

وهل يجوز أن يتحول الدفع بالاختصاص إلى وسيلة للمماطلة؟

---

المطلب الثاني

الفرضية الأساسية للنظرية

تنطلق النظرية من فرضية:

««الاختصاص يحدد من يملك الحكم، أما الزمن فيحدد متى تصل العدالة إلى صاحبها؛ ولا يجوز أن يؤدي الخلاف حول الأول إلى إهدار الثاني بغير مقتضى قانوني.»»

وبناء على ذلك لا تتبنى النظرية استمرار المحكمة غير المختصة، وإنما تتبنى استمرار الحماية القضائية والمسار القضائي الصحيح.

---

المبحث الثاني

حدود النظرية

المطلب الأول

الحد الأول: النص القانوني

لا يجوز للنظرية أن تتجاوز نصًا قانونيًا صريحًا يمنع إجراءً معينًا.

فالنظرية ليست مصدرًا مستقلًا لإنشاء الاختصاص.

وإنما هي منهج لتفسير العلاقة بين النصوص بما يحقق غايات العدالة دون مخالفة القانون.

---

المطلب الثاني

الحد الثاني: الولاية القضائية

لا يجوز للمحكمة أن تستمر في الفصل في موضوع لا يدخل في ولايتها لمجرد أن الخصومة بدأت أمامها.

فالسرعة لا تنشئ الاختصاص.

---

المطلب الثالث

الحد الثالث: حقوق الدفاع

لا يجوز اختصار الزمن القضائي إلى درجة تؤدي إلى إهدار حق الخصوم في العلم بالدعوى أو تقديم دفاعهم أو أدلتهم.

فالعدالة السريعة التي تهدم ضمانات الدفاع ليست عدالة كاملة.

---

المطلب الرابع

الحد الرابع: التناسب

كل إجراء يتخذ أثناء فترة التنازع يجب أن يكون متناسبًا مع الغرض الذي يستهدفه.

فالإجراء الوقتي يجب ألا يتحول إلى حكم في الموضوع.

والإجراء التحفظي يجب ألا يتحول إلى مصادرة نهائية للحق.

---

المطلب الخامس

الحد الخامس: القضايا الجزائية

في المجال الجزائي يجب أن تكون حماية الحرية في مقدمة الاعتبارات.

فلا يجوز أن يصبح مجرد وجود تنازع في الاختصاص سببًا مستقلًا لإطالة أي قيد على الحرية خارج الحدود التي يقررها القانون.

---

الفصل الثالث

التأصيل الفقهي الإسلامي لنظرية الزمن القضائي المستمر

المبحث الأول

ولاية القضاء في الفقه الإسلامي

المطلب الأول

أصل الولاية القضائية

يقوم القضاء في الفقه الإسلامي على الولاية التي تمنح للقاضي، ولا يجوز له أن يتجاوز حدودها.

وهذا الأصل يتفق مع جوهر فكرة الاختصاص الحديثة.

فكما أن القاضي في النظام القانوني لا يملك سلطة خارج حدود اختصاصه، فإن القاضي في الفقه الإسلامي مقيد بالولاية التي فوض بها.

---

المطلب الثاني

منع تعطيل الحقوق

لكن الولاية القضائية في الفقه الإسلامي لم تكن غاية مستقلة، وإنما كانت وسيلة لإقامة العدل وفصل الخصومات وإيصال الحقوق.

ومن هنا فإن تعطيل الحق دون مسوغ شرعي يتعارض مع المقصد الذي من أجله شرع القضاء.

ويؤسس لذلك عدد من القواعد الفقهية، ومنها:

الضرر يزال.

لا ضرر ولا ضرار.

المشقة تجلب التيسير.

درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

الأمور بمقاصدها.

---

المبحث الثاني

قاعدة الضرر وأثر التأخير القضائي

المطلب الأول

الضرر الناشئ عن التأخير

ليس الضرر مقصورًا على إتلاف المال أو الاعتداء المادي.

فقد يكون التأخير ذاته مصدرًا للضرر.

ومن أمثلته:

ضياع البينة.

تغير حالة المال.

وفاة الشاهد.

فقدان المستند.

استمرار الحبس.

تعطيل النشاط التجاري.

انقضاء فرصة الاستثمار.

استحالة التنفيذ.

ومن هنا يصبح الزمن عنصرًا من عناصر الضرر القضائي.

---

المطلب الثاني

رأي المؤلف

أرى أن التأخير لا يصبح ضررًا لمجرد مرور الزمن، وإنما يصبح كذلك عندما يكون:

غير مبرر قانونًا، أو غير متناسب مع الغرض الإجرائي، أو مؤديًا إلى ضياع حق أو مصلحة مشروعة.

أما الزمن الذي تفرضه ضمانات المحاكمة العادلة أو طبيعة التحقيق أو ضرورة حسم الاختصاص، فهو زمن ضروري لا يجوز وصفه بالتعطيل.

وهنا أميز بين:

«الزمن الضروري»

و

«الزمن المهدَر.»

---

الفصل الرابع

المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون اليمني والقانون والقضاء المصري

المبحث الأول

أوجه الاتفاق

المطلب الأول

احترام الولاية والاختصاص

يتفق الفقه الإسلامي والقانون اليمني والفقه الإجرائي المصري في أصل احترام حدود الولاية والاختصاص.

فلا يجوز أن يصدر الحكم من جهة لا تملك سلطة إصداره.

---

المطلب الثاني

منع الفراغ القضائي

يتفق النظام القضائي في جوهره على ضرورة وجود وسيلة لحسم الخلاف حول المحكمة المختصة.

ويظهر ذلك في القانون اليمني بصورة صريحة من خلال إسناد الفصل في تنازع الاختصاص إلى المحكمة العليا، ومن خلال تنظيم الإحالة وتعيين المحكمة المختصة في المواد الجزائية.

---

المطلب الثالث

استمرار الحماية عند الحاجة

يظهر في التشريع اليمني بوضوح الفصل بين الاختصاص الموضوعي والاختصاص الوقتي والتحفظي، وهو ما يسمح ببناء تصور قانوني للحماية المستمرة أثناء النزاع على الاختصاص.

وهذه الفكرة لها نظائر في الفقه الإجرائي المصري، حيث يميز الفقه بين الاختصاص الموضوعي والإجراءات الوقتية والتحفظية وآثار الحكم بعدم الاختصاص.

---

المبحث الثاني

أوجه الاختلاف

المطلب الأول

اختلاف مصادر الاختصاص

الفقه الإسلامي يستند إلى الولاية الشرعية والقواعد الفقهية ومبادئ القضاء.

أما القانون الحديث فيحدد الاختصاص بالنصوص التشريعية والتنظيم القضائي.

ومن ثم فإن التأصيل المقارن لا يعني مساواة المصادر، وإنما يعني المقارنة في المبادئ والآثار.

---

المطلب الثاني

اختلاف الجزاءات الإجرائية

ليس كل إخلال بالاختصاص يؤدي إلى النتيجة نفسها.

فقد يترتب على بعض صور عدم الاختصاص بطلان أو انعدام أو إحالة أو عدم قبول أو غير ذلك بحسب النص وطبيعة القاعدة.

وهنا يجب الحذر من التوسع في استعمال الجزاء؛ لأن الجزاء الإجرائي يجب أن يكون بقدر المخالفة التي شرع لمعالجتها.

---

الفصل الخامس

بناء نظرية «تنازع الاختصاص لا يوقف الساعة»

المبحث الأول

المبادئ الحاكمة للنظرية

المطلب الأول

المبدأ الأول: الاختصاص وسيلة وليس غاية

الاختصاص وضع لتنظيم العدالة، وليس لإغلاق الطريق إليها.

المطلب الثاني

المبدأ الثاني: الزمن عنصر من عناصر العدالة

كلما كان التأخير مؤثرًا في قيمة الحق، أصبح الزمن جزءًا من الحماية القضائية.

المطلب الثالث

المبدأ الثالث: لا استمرار لمحكمة غير مختصة في الموضوع

النظرية لا تمنح اختصاصًا غير موجود.

المطلب الرابع

المبدأ الرابع: لا فراغ قضائي

إذا خرجت الدعوى من يد محكمة، وجب أن تجد طريقها إلى المحكمة المختصة.

المطلب الخامس

المبدأ الخامس: الحماية لا تتوقف إلا بنص أو مقتضى قانوني

إذا أجاز القانون إجراءً وقتيًا أو تحفظيًا أو حفظًا للدليل، فلا يوقفه مجرد إثارة النزاع حول الاختصاص الموضوعي.

المطلب السادس

المبدأ السادس: السرعة ليست تسرعًا

المقصود بالسرعة القضائية الوصول إلى القرار الصحيح في الزمن المعقول، لا اختصار الضمانات الأساسية.

المطلب السابع

المبدأ السابع: المحافظة على الإجراءات الصحيحة

لا ينبغي إهدار الإجراءات الصحيحة لمجرد تغير المحكمة المختصة إلا حيث يقرر القانون خلاف ذلك.

---

المبحث الثاني

المعيار الرباعي لتطبيق النظرية

المطلب الأول

السند

هل يوجد نص قانوني يجي الإجراء؟

المطلب الثاني

الضرورة

هل توجد ضرورة حقيقية لاتخاذه أثناء فترة التنازع؟

المطلب الثالث

التناسب

هل الإجراء متناسب مع الخطر المراد دفعه؟

المطلب الرابع

الزمن

هل الإجراء أو التأخير في اتخاذه يتناسب مع طبيعة الحق وخطر ضياعه؟

وبناءً على ذلك:

«كل إجراء مشروع أثناء التنازع يجب أن يجمع بين السند والضرورة والتناسب والزمن.»

---

المبحث الثالث

الصياغة النهائية للنظرية

المطلب الأول

الصياغة العامة

««تنازع الاختصاص لا يوقف الساعة؛ وإنما يوقف ما أوجب القانون وقفه من الفصل في أصل النزاع، ويستمر ما أجاز القانون استمراره من إجراءات الحماية والحفظ والتحفظ وسائر الإجراءات التي لا تمس ولاية المحكمة في الموضوع، مع وجوب حسم التنازع في أقصر مدة قانونية معقولة.»»

المطلب الثاني

الصياغة الأعمق

««الاختصاص يحدد جهة الحكم، والزمن يحدد فعالية الحماية، ولا يجوز أن يتحول النزاع حول جهة الحكم إلى تعطيل للحق خارج الحدود التي رسمها القانون.»»

المطلب الثالث

رأي المؤلف

أرى أن القيمة العلمية لهذه النظرية تكمن في أنها تنقل البحث في الاختصاص من سؤال أحادي هو:

«من المحكمة المختصة؟»

إلى منظومة أكثر شمولًا:

من المحكمة المختصة؟

ما الذي يتوقف؟

ما الذي يستمر؟

من يحمي الحق أثناء التنازع؟

ما مصير الدليل؟

ما مصير الحرية؟

ما مصير الإجراءات السابقة؟

وما المدة التي يجوز أن يستغرقها حسم التنازع؟

ومن هنا فإن النظرية لا تنشئ قانونًا جديدًا بقدر ما تستخلص من النصوص القائمة مبدأً عامًا يمكن صياغته على النحو الآتي:

««لا اختصاص بلا قانون، ولا عدالة بلا زمن، ولا زمن قضائي مشروع بلا حماية للحق.»»

وتتأكد هذه النتيجة في القانون اليمني بوجه خاص؛ إذ جمع الدستور بين وحدة القضاء وتحديد الاختصاص، وأسند إلى المحكمة العليا الفصل في تنازع الاختصاص، بينما نظم قانون المرافعات صور الاختصاص والإحالة والإجراءات الوقتية، ونظم قانون الإجراءات الجزائية الإحالة وتعيين المحكمة المختصة، وأوجب حسمها على وجه السرعة.

---

الهوامش

1. دستور الجمهورية اليمنية، المواد المنظمة للسلطة القضائية، وبخاصة المادة (150) بشأن وحدة القضاء وتحديد اختصاصاته بالقانون، والمادة (153) بشأن اختصاص المحكمة العليا بالفصل في تنازع الاختصاص بين جهات القضاء.

2. قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م وتعديلاته، المادة (70)، بشأن تعريف الدعوى باعتبارها الوسيلة الشرعية والقانونية لكل ذي ادعاء أو دفاع.

3. المرجع السابق، المادة (71)، بشأن صحة رفع الدعوى واستكمال النقص وتصحيح البطلان الإجرائي.

4. المرجع السابق، المواد (78–84)، بشأن الاختصاص الدولي للمحاكم اليمنية.

5. المرجع السابق، المادة (83)، بشأن الإجراءات الوقتية والتحفظية التي يجوز اتخاذها في الجمهورية في الحدود التي حددها القانون ولو لم تكن المحكمة مختصة بالدعوى الأصلية.

6. المرجع السابق، المادة (87)، بشأن اختصاص المحكمة العليا بالطعن بالنقض أو الإقرار في الأحكام التي يحددها القانون.

7. المرجع السابق، المادة (88)، بشأن اختصاص محاكم الاستئناف بالقضايا الاستئنافية.

8. المرجع السابق، المادة (89)، بشأن اختصاص المحاكم الابتدائية، وبشأن قصر ولاية المحكمة الابتدائية المتخصصة على النوع الذي أنشئت لنظره في الحدود التي حددها القانون.

9. المرجع السابق، المادة (90)، بشأن حكم المحكمة من تلقاء نفسها بعدم اختصاصها نوعيًا.

10. المرجع السابق، المادة (91)، بشأن عدم اعتبار توزيع القضايا بين هيئات الحكم داخل المحكمة الواحدة أو بين المحاكم المتساوية الدرجة من قبيل الاختصاص النوعي المنصوص عليه في الفصل الخاص بالاختصاص بحسب نوع الدعوى.

11. المرجع السابق، المادة (92)، بشأن الأصل العام في الاختصاص المكاني.

12. المرجع السابق، المواد (93–100)، بشأن الاختصاص المكاني الخاص بالعقار والإفلاس والمواد التجارية والتوريدات والمقاولات والنفقات والإجراءات الوقتية.

13. المرجع السابق، المادة (101)، بشأن الاتفاق على الاختصاص المكاني وإحالة الدعوى باتفاق الخصوم مع مراعاة الاختصاص النوعي.

14. قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم (13) لسنة 1994م وتعديلاته، المادة (237)، بشأن إحالة القضية الجزائية عند ثبوت عدم اختصاص المحكمة.

15. المرجع السابق، المادة (238)، بشأن تعيين المحكمة المختصة في حالات التنازع الإيجابي أو السلبي بين المحاكم الجزائية.

16. المرجع السابق، المادة (239)، بشأن تعيين الحكم الواجب التنفيذ عند صدور حكمين نهائيين متعارضين في دعوى جزائية واحدة.

17. المرجع السابق، المادة (240)، بشأن طلب تعيين المحكمة المختصة وأثره على وقف السير في الدعوى، مع الاستثناء الذي أجازه النص.

18. المرجع السابق، المادة (242)، بشأن تعيين المحكمة المختصة على وجه السرعة والفصل في شأن الإجراءات والأحكام الصادرة من المحاكم الأخرى التي قضت بعدم اختصاصها.

19. قانون السلطة القضائية اليمني رقم (1) لسنة 1991م وتعديلاته، الأحكام المنظمة لاختصاص المحكمة العليا في تنازع الاختصاص والرقابة القضائية.

20. القرآن الكريم، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، سورة النحل، الآية 90.

21. القرآن الكريم، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، سورة النساء، الآية 58.

22. حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، وهو أصل من أصول القواعد الفقهية المتعلقة بإزالة الضرر.

23. السيوطي، الأشباه والنظائر، مباحث القواعد الفقهية الكبرى.

24. ابن نجيم، الأشباه والنظائر، مباحث قاعدة الضرر يزال وقواعد المشقة والضرورة.

25. الشاطبي، الموافقات، مباحث المقاصد والمصلحة ورفع الحرج.

26. السرخسي، المبسوط، مباحث القضاء والولاية القضائية وحجية الأحكام.

27. ابن قدامة، المغني، مباحث القضاء والشهادات والخصومات.

28. السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، مباحث الحق والحماية القضائية وآثار الإجراءات القانونية، مع مراعاة اختلاف نطاق الدراسة المدنية عن مسائل الاختصاص القضائي.

29. أحمد أبو الوفا، المرافعات المدنية والتجارية، مباحث الاختصاص والدفع بعدم الاختصاص والإحالة وتنازع الاختصاص.

30. فتحي والي، الوسيط في قانون القضاء المدني، مباحث الاختصاص والإجراءات وآثار الحكم بعدم الاختصاص.

31. أنور سلطان، المبادئ القانونية العامة في القانون المدني، في مباحث الحق والحماية القانونية، مع الاستفادة من منهجه في الربط بين القاعدة القانونية والغاية منها.

32. فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، مباحث الاختصاص الجنائي وضمانات المحاكمة وسير الدعوى الجنائية.

33. محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، مباحث الاختصاص الجنائي وضمانات المتهم وآثار الإجراءات.

34. رأي المؤلف: الاختصاص لا يجوز أن يتحول إلى عائق أمام العدالة، كما أن الزمن لا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لإنشاء اختصاص غير موجود.

35. رأي المؤلف: الجزاء الإجرائي يجب أن يتناسب مع طبيعة المخالفة الإجرائية، ولا يجوز إهدار إجراء صحيح لمجرد انتقال الدعوى من محكمة إلى أخرى إلا إذا أوجب القانون ذلك.

36. رأي المؤلف: الإحالة استمرار للخصومة في طريقها الصحيح، وليست ميلادًا جديدًا للخصومة.

37. رأي المؤلف: تنازع الاختصاص يوقف ما يجب قانونًا وقفه، ولا يوقف ما يجب قانونًا حمايته، ولا يبرر تعطيل العدالة أكثر من القدر اللازم لحسم التنازع.

38. رأي المؤلف: عدالة فعالة = اختصاص صحيح + إجراء سليم + زمن معقول + حماية مستمرة للحق.


أستكمل هنا الباب الأول من حيث توقف، ثم الباب الثاني كاملًا، مع الحفاظ على التراتبية الموحدة، وجعل التأصيل والمقارنة داخل كل مبحث ومطلب، وإثبات الهوامش في نهاية النص، دون روابط أو مواقع.
تنازع الاختصاص لا يوقف الساعة — استكمال البابين الأول والثاني
الباب الأول
الإطار النظري والتأصيلي لنظرية الزمن القضائي المستمر
الفصل السادس
التفريق الإجرائي بين أنواع الاختصاص وأثره في النظرية
المبحث الأول
الاختصاص الولائي وأثره في استمرار الحماية القضائية
المطلب الأول
ماهية الاختصاص الولائي وتمييزه عن غيره
يقصد بالاختصاص الولائي تحديد الجهة التي منحها القانون سلطة الفصل في نوع معين من المنازعات، بحيث لا يجوز لجهة قضائية أن تباشر اختصاصًا أسنده القانون إلى جهة قضائية أخرى، ولا يجوز لجهة قضائية أن تنشئ لنفسها ولاية لم يمنحها إياها الدستور أو القانون.
ويتميز الاختصاص الولائي عن غيره من صور الاختصاص بأنه يتصل بالبنية الأساسية للسلطة القضائية، ولذلك فإن مخالفة قواعده لا تعالج باعتبارها مجرد خطأ مكاني أو تنظيمي.
ويقتضي هذا الأصل أن يبدأ القاضي قبل الدخول في الموضوع بالسؤال عن مصدر ولايته، وعن حدودها، وعن مدى دخول النزاع المعروض في المجال الذي خوله القانون.
وهذا يتفق مع أصل فقهي راسخ في القضاء الإسلامي، هو أن القاضي لا يحكم إلا في حدود الولاية التي فوض بها، لأن الولاية القضائية ليست سلطة مطلقة، وإنما تفويض مقيد بحدوده.
أما في القانون اليمني، فإن الدستور وقانون السلطة القضائية وقانون المرافعات يضعون البناء العام للولاية والاختصاص، ويجعلون المحكمة العليا مرجعًا لحسم تنازع الاختصاص في الحالات التي يحددها القانون.
ومن ثم يتفق الفقه الإسلامي والقانون اليمني والقانون الإجرائي المصري في أصل جوهري هو:
لا حكم صحيحًا من جهة لا تملك ولاية الحكم.
غير أن هذا الأصل لا يحسم وحده مسألة الزمن القضائي؛ لأن السؤال التالي يظل قائمًا:
ماذا يحدث للحق أثناء النزاع حول الولاية؟
المطلب الثاني
أثر الاختصاص الولائي في نظرية الزمن القضائي المستمر
إذا ثبت انعدام ولاية المحكمة عن أصل النزاع، فلا يجوز لها أن تستمر في إصدار حكم موضوعي بحجة أن الخصومة بدأت أمامها أو أن استمرارها يحقق السرعة.
فالزمن لا ينشئ اختصاصًا.
ومع ذلك، فإن عدم الاختصاص الولائي لا ينبغي أن يفسر على أنه إعدام لكل حماية قضائية ممكنة.
فإذا أجاز القانون اتخاذ إجراء تحفظي أو وقتي أو إجراء لحفظ دليل، فإن مباشرة هذا الإجراء في الحدود القانونية لا تعني إنشاء ولاية موضوعية.
وهنا نصل إلى قاعدة دقيقة:
«انعدام الاختصاص بالحكم في الموضوع لا يستلزم بالضرورة انعدام كل اختصاص إجرائي متصل بحماية الحق، متى وجد له سند قانوني مستقل.»
وهذه القاعدة تجد سندًا خاصًا في قانون المرافعات اليمني في مجال الإجراءات الوقتية والتحفظية، كما تظهر في النظم المقارنة التي تفرق بين الولاية الموضوعية والاختصاص الوقتي.
رأي المؤلف:
أرى أن الخلط بين الاختصاص الموضوعي والاختصاص الوقتي من أكثر أسباب اضطراب مفهوم تنازع الاختصاص؛ إذ قد يقال إن المحكمة غير مختصة، ثم يستخلص من ذلك أنها عاجزة عن اتخاذ أي إجراء، مع أن القانون قد يمنحها اختصاصًا محددًا لحماية الحق.
والصحيح أن لكل اختصاص مجاله، ولكل مجال أثره.
المبحث الثاني
الاختصاص النوعي
المطلب الأول
الاختصاص النوعي في القانون اليمني والفقه المقارن
يقوم الاختصاص النوعي على طبيعة الدعوى وموضوعها، فيحدد القانون المحكمة التي تختص بالفصل فيها بحسب نوع النزاع.
وقد نظم قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني اختصاص المحاكم الابتدائية والاستئنافية والعليا، كما نظم اختصاص المحاكم المتخصصة، وأوجب على المحكمة الحكم بعدم اختصاصها نوعيًا متى تبين لها عدم اختصاصها.
ويتميز الاختصاص النوعي عن الاختصاص المكاني بأن المشرع يولي الأول حماية أشد في نطاق القواعد المتعلقة بالنظام العام.
وفي الفقه الإسلامي يمكن العثور على أصل مقارب من خلال توزيع الولايات القضائية بحسب نوع الوظيفة والولاية.
أما الفقه المصري فيميز كذلك بين الاختصاص النوعي والاختصاص المحلي، ويعطي لكل منهما أثرًا مختلفًا بحسب طبيعة القاعدة التي تحكمه.
ومن هنا:
لا يجوز جمع أنواع الاختصاص في سلة إجرائية واحدة، لأن لكل نوع أساسًا وجزاءً وأثرًا مختلفًا.
المطلب الثاني
عدم الاختصاص النوعي وأثره على الزمن
إذا تبين للمحكمة أنها غير مختصة نوعيًا، فإن استمرارها في الفصل في أصل النزاع يكون خروجًا على القانون.
لكن هذا لا يعني أن الدعوى فقدت قيمتها الزمنية.
فالفترة التي قضتها الدعوى أمام المحكمة غير المختصة يجب ألا تصبح ـ من الناحية العملية ـ زمنًا مهدَرًا بالكامل، متى كان القانون يسمح بالمحافظة على آثار الإجراءات الصحيحة أو إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة.
ومن هنا أقرر:
«جزاء عدم الاختصاص النوعي يجب أن ينصب على ولاية المحكمة في الفصل، لا أن يتحول بغير نص إلى عقوبة على الحق ذاته.»
وفي المقارنة مع القضاء المصري، نجد أن فكرة الإحالة تقوم في جوهرها على تصحيح المسار، وهو ما يقتضي المحافظة على ما يمكن المحافظة عليه من إجراءات الدعوى وفقًا للقانون.
المبحث الثالث
الاختصاص الوظيفي
المطلب الأول
مفهوم الاختصاص الوظيفي
الاختصاص الوظيفي هو توزيع العمل القضائي بين درجات التقاضي ومراحله.
فالمحكمة الابتدائية لها وظيفة، ومحكمة الاستئناف لها وظيفة، والمحكمة العليا لها وظيفة مختلفة.
ولا يجوز للمحكمة أن تمارس وظيفة لم يمنحها القانون إياها.
وهذا التوزيع يحقق ضمانتين:
الأولى: ضمان تعدد درجات التقاضي.
والثانية: ضمان الرقابة القضائية على الأحكام.
المطلب الثاني
الزمن القضائي عند الانتقال بين درجات التقاضي
لا ينبغي أن يؤدي انتقال الدعوى من درجة إلى أخرى إلى انقطاع غير مبرر في الزمن القضائي.
فإذا انتقلت الدعوى إلى الاستئناف، فإنها لا تولد من جديد، وإنما تنتقل إلى مرحلة جديدة من مراحل الخصومة.
وإذا وصلت إلى المحكمة العليا، فإن الوظيفة القضائية تتغير من حيث طبيعة الرقابة، لكن النزاع لا ينفصل عن تاريخه الإجرائي.
ومن هنا:
«استمرارية الزمن القضائي لا تعني استمرار المحكمة ذاتها، وإنما تعني استمرار الخصومة في مسارها القانوني الصحيح عبر درجات التقاضي.»
وهذه قاعدة مهمة لتفسير أثر الإحالة والطعن والنقض.
المبحث الرابع
الاختصاص القيمي
المطلب الأول
مفهوم الاختصاص القيمي
يقوم الاختصاص القيمي على قيمة الدعوى أو محل النزاع متى جعل القانون لهذه القيمة أثرًا في تحديد المحكمة المختصة.
ويتميز هذا الاختصاص بأنه مرتبط بمعيار مالي أو تقديري يحدده القانون، ولذلك قد ينشأ النزاع حول تقدير قيمة الدعوى وأثرها على المحكمة المختصة.
المطلب الثاني
أثر النزاع في القيمة على الزمن القضائي
ينبغي ألا يتحول الخلاف حول قيمة الدعوى إلى دائرة متكررة تعطل أصل الخصومة.
فإذا كانت القيمة قابلة للتحديد وفق معيار قانوني، وجب حسمها باعتبارها مسألة تمهيدية للوصول إلى المحكمة المختصة.
وهنا تطبق قاعدة النظرية:
«كل إجراء ضروري لتحديد المحكمة المختصة هو جزء من الزمن القضائي الضروري، أما إعادة النزاع في المسألة نفسها بعد حسمها فهي من صور الزمن المهدَر.»
المبحث الخامس
الاختصاص المكاني
المطلب الأول
الطبيعة الخاصة للاختصاص المكاني
يختلف الاختصاص المكاني عن الاختصاص الولائي والنوعي في بعض جوانبه؛ لأن المشرع قد يسمح للخصوم بالاتفاق عليه في الحدود التي رسمها القانون.
ويؤكد ذلك قانون المرافعات اليمني في تنظيمه للاختصاص المكاني واتفاق الخصوم على المحكمة المختصة.
كما أن الفقه الإجرائي المصري يميز بين الاختصاص المحلي وغيره من صور الاختصاص من حيث إمكانية التنازل والاتفاق وآثار الدفع.
ومن ثم فإن الدفع بعدم الاختصاص المكاني لا ينبغي أن يعامل دائمًا بالآثار نفسها التي تترتب على عدم الاختصاص الولائي.
المطلب الثاني
الاختصاص المكاني بين حماية الخصم ومنع المماطلة
شرع الاختصاص المكاني في جانب منه حماية للمدعى عليه وتيسيرًا للدفاع، وليس لإهدار حق المدعي.
ولهذا يجب أن يمارس الدفع في إطاره القانوني، وألا يتحول إلى وسيلة لإطالة الخصومة بغير مقتضى.
رأي المؤلف:
أرى أن المعيار الصحيح هو تحقيق التوازن بين مصلحة الخصم في المثول أمام المحكمة التي حددها القانون، وبين مصلحة العدالة في عدم تحويل قواعد الاختصاص المكاني إلى وسيلة للمماطلة.
الفصل السابع
إشكالية النظرية وحدودها
المبحث الأول
الإشكالية المركزية
المطلب الأول
التناقض الظاهري بين الاختصاص واستمرار العدالة
قد يبدو لأول وهلة أن هناك تعارضًا بين قاعدتين:
الأولى:
لا يجوز للمحكمة غير المختصة أن تفصل في النزاع.
والثانية:
لا يجوز أن يؤدي تنازع الاختصاص إلى تعطيل العدالة.
لكن لا يوجد تعارض حقيقي بين القاعدتين إذا ميزنا بين:
استمرار المحكمة
و
استمرار العدالة.
فالأولى قد تكون ممنوعة، والثانية واجبة.
المطلب الثاني
السؤال عن حدود استمرار الإجراءات
إذا كانت المحكمة غير مختصة، فما الإجراءات التي يجوز لها اتخاذها؟
هل يجوز حفظ الدليل؟
هل يجوز اتخاذ إجراء وقتي؟
هل يجوز اتخاذ إجراء تحفظي؟
هل يجوز اتخاذ إجراء متعلق بالحرية؟
هل يجوز لها أن تفصل في طلب مستقل؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها قاعدة عامة واحدة، وإنما يجب الرجوع في كل حالة إلى نوع الاختصاص والنص القانوني الذي يحكم الإجراء.
ومن هنا:
لا يوجد أثر واحد لتنازع الاختصاص، وإنما تتعدد آثاره بحسب طبيعة الاختصاص وطبيعة الإجراء.
المبحث الثاني
حدود النظرية
المطلب الأول
الحد التشريعي
لا يجوز للنظرية أن تنشئ نصًا غير موجود.
فإذا منع القانون إجراءً معينًا أثناء فترة التنازع، وجب احترام المنع.
وإذا أجاز القانون إجراءً معينًا، فلا يجوز تعطيله لمجرد وجود تنازع لم يمنع ذلك الإجراء.
المطلب الثاني
الحد القضائي
لا يجوز للقاضي أن يستخدم فكرة السرعة لكي يتوسع في ولايته.
فالاختصاص شرط لصحة ممارسة الوظيفة القضائية.
المطلب الثالث
حد حقوق الدفاع
لا يجوز أن تؤدي السرعة إلى حرمان الخصوم من فرصتهم المعقولة في الدفاع.
فالزمن القضائي ليس سباقًا ضد الخصوم، وإنما هو وسيلة للوصول إلى حكم عادل في مدة معقولة.
المطلب الرابع
حد حجية الأحكام
لا يجوز أن تستخدم النظرية لإهدار حجية حكم نهائي إلا وفق طرق الطعن أو الوسائل التي حددها القانون.
فاستمرار الزمن القضائي لا يعني استمرار النزاع إلى ما لا نهاية.
وهنا تظهر قاعدة:
«العدالة المستمرة لا تعني الخصومة الأبدية.»
الباب الثاني
تنازع الاختصاص في الفقه الإسلامي
الفصل الأول
الولاية القضائية في الفقه الإسلامي
المبحث الأول
مفهوم الولاية القضائية
المطلب الأول
تعريف القضاء والولاية
القضاء في الفقه الإسلامي هو ولاية شرعية للفصل بين الناس في الخصومات وفق أحكام الشريعة، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها ومنع الظلم.
والولاية القضائية ليست سلطة مطلقة، وإنما سلطة مقيدة بحدود التفويض.
فمن ولي القضاء في إقليم أو نوع من المنازعات أو وظيفة معينة، لا يجوز له تجاوز ما فوض إليه.
وهذا الأصل هو الأساس الفقهي لفكرة الاختصاص.
المطلب الثاني
حدود ولاية القاضي
تتحدد ولاية القاضي بما فوض إليه، وبالمكان أو الأشخاص أو الموضوعات الداخلة في ولايته.
وقد توسع الفقهاء في بيان شروط القضاء وآدابه وحدوده، لأن الحكم القضائي يتعلق بحقوق الناس وحرياتهم وأموالهم.
ومن ثم فإن تجاوز القاضي لحدود ولايته ليس مجرد خطأ شكلي، بل قد يؤثر في مشروعية الحكم نفسه.
المبحث الثاني
توزيع الولايات القضائية في الفقه الإسلامي
المطلب الأول
تعدد جهات الولاية
عرف الفقه الإسلامي صورًا متعددة من توزيع الولايات؛ فلم يكن القضاء وظيفة واحدة بالضرورة، وإنما عرفت النظم الإسلامية ولايات تتصل بالقضاء والمظالم والحسبة وغيرها، بحسب النظام السياسي والقضائي في كل عصر.
وهذا التعدد يكشف أن فكرة توزيع الاختصاص ليست غريبة عن الفقه الإسلامي.
المطلب الثاني
أثر تعدد الولايات في تنازع الاختصاص
عندما تتعدد جهات الولاية قد ينشأ خلاف حول الجهة صاحبة الاختصاص.
والحل الفقهي يقوم على الرجوع إلى مصدر الولاية وحدودها.
فإذا كانت الولاية لأحد القضاة دون الآخر، وجب احترامها.
أما إذا وقع اشتباه أو تنازع، فلابد من مرجع يفصل في حدود الولاية.
ومن هنا نجد أصلًا تاريخيًا لفكرة تعيين الجهة المختصة.
الفصل الثاني
تنازع الولايات في الفقه الإسلامي
المبحث الأول
التنازع الإيجابي
المطلب الأول
مفهوم التنازع الإيجابي
يتحقق التنازع الإيجابي عندما يدعي أكثر من قاض أو جهة حق الفصل في النزاع.
وهذا الوضع قد يؤدي إلى ازدواج القضاء وتعارض الأحكام.
ولهذا فإن مقتضى العدل يقتضي تحديد الجهة صاحبة الولاية ومنع تعدد الأحكام في الواقعة الواحدة.
المطلب الثاني
أثر التنازع الإيجابي في الحقوق
إذا تدخلت أكثر من جهة في النزاع نفسه، فقد يترتب على ذلك:
اضطراب مراكز الخصوم.
تعدد الأحكام.
اختلاف طرق التنفيذ.
إهدار الوقت.
إضعاف الثقة في القضاء.
ومن هنا فإن حسم التنازع لا يخدم النظام القضائي فقط، بل يحمي الخصوم أنفسهم.
المبحث الثاني
التنازع السلبي
المطلب الأول
مفهوم التنازع السلبي
التنازع السلبي أخطر من بعض صور التنازع الإيجابي من حيث أثره على الوصول إلى العدالة؛ لأنه يؤدي إلى تخلي كل جهة عن النظر في النزاع.
وقد يترتب عليه أن يصبح صاحب الحق بلا جهة يلجأ إليها.
وهذا يتعارض مع المقصد الأساسي من القضاء.
المطلب الثاني
قاعدة منع الفراغ القضائي
يمكن تأصيل منع الفراغ القضائي في الفقه الإسلامي من خلال مقاصد القضاء وقواعد رفع الضرر وتحقيق العدل.
فلا يعقل أن يثبت الحق شرعًا ثم لا توجد وسيلة قضائية لحمايته بسبب تنازع جهات الولاية.
لكن هذا لا يعني أن أي قاض يستطيع أن يتدخل دون ولاية.
بل يجب أن تكون هناك جهة صاحبة ولاية تفصل في التنازع.
ومن هنا:
«إذا كان الاختصاص يمنع القاضي من تجاوز ولايته، فإن العدالة تمنع النظام القضائي من ترك صاحب الحق بلا جهة قضاء.»
الفصل الثالث
القواعد الفقهية الحاكمة لتنازع الاختصاص
المبحث الأول
قاعدة لا ضرر ولا ضرار
المطلب الأول
مفهوم القاعدة
تعد قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» من القواعد الكلية التي تفرعت عنها أحكام كثيرة في الفقه الإسلامي.
وتقوم على منع إحداث الضرر ابتداءً، ومنع مقابلة الضرر بضرر آخر.
المطلب الثاني
تطبيقها على الزمن القضائي
إذا أدى تنازع الاختصاص إلى ضياع حق أو دليل أو استمرار حبس بغير مقتضى، فإن الضرر الناتج عن التأخير يصبح عنصرًا يجب أخذه في الاعتبار.
لكن لا يجوز إزالة الضرر بضرر آخر.
فلا يجوز مثلًا أن نعالج تأخير العدالة بالسماح لمحكمة غير مختصة بإصدار حكم نهائي.
وإنما يعالج الضرر من خلال الوسيلة القانونية المناسبة:
الإحالة.
التدبير الوقتي.
حفظ الدليل.
تعيين المحكمة المختصة.
الإفراج متى توافرت شروطه القانونية.
وغير ذلك من الوسائل التي يقررها القانون.
المبحث الثاني
قاعدة الضرر يزال
المطلب الأول
الضرر القضائي
الضرر القضائي قد يكون ماديًا أو معنويًا أو إجرائيًا.
وقد ينشأ من:
تأخير الحكم.
تأخير التنفيذ.
ضياع الدليل.
استمرار إجراء ماس بالحرية.
تعطيل المال.
منع صاحب الحق من الوصول إلى المحكمة المختصة.
المطلب الثاني
أثر القاعدة في نظرية الزمن القضائي
إذا كان الضرر ناتجًا عن الزمن، فإن معالجة الضرر تقتضي النظر في الزمن ذاته.
ومن هنا يصبح الزمن محلًا للتقييم القضائي:
هل كان ضروريًا؟
هل كان منتجًا؟
هل كان متناسبًا؟
هل كان له سند؟
فإذا كان كذلك فهو زمن مشروع.
أما إذا كان مجرد نتيجة للدوران بين المحاكم أو تكرار الإجراءات دون مقتضى، فإنه يصبح محل مساءلة من حيث أثره القانوني.
المبحث الثالث
قاعدة رفع الحرج
المطلب الأول
مفهوم الحرج
رفع الحرج مقصد شرعي معتبر، وقد جاءت الشريعة برفع المشقة غير المعتادة عن الناس.
ولا يعني ذلك إسقاط الأحكام والضمانات، وإنما يعني منع تحميل المكلف مشقة لا يقتضيها الحكم الشرعي.
المطلب الثاني
تطبيقها في الخصومة القضائية
إذا أدى تنازع الاختصاص إلى إجبار الخصم على إعادة الدعوى مرات متكررة دون مقتضى، فإن ذلك يمثل مشقة إجرائية قد تتعارض مع مقصد التيسير إذا كان بالإمكان قانونًا تجنبها.
ولهذا فإن المحافظة على الإجراءات الصحيحة والإحالة السليمة تحقق جانبًا من رفع الحرج.
المبحث الرابع
قاعدة الأمور بمقاصدها وأثرها في تفسير الإجراءات
المطلب الأول
الغاية من قواعد الاختصاص
الغاية من الاختصاص هي تنظيم القضاء وتحقيق ضمانات التقاضي.
فإذا استخدم الدفع بالاختصاص لتحقيق هذه الغاية، كان استعمالًا مشروعًا.
أما إذا استخدم لمجرد تعطيل الخصومة مع العلم بالجهة المختصة، فقد ينحرف عن الغاية التي شرع من أجلها.
المطلب الثاني
رأي المؤلف
أرى أن تفسير الإجراءات يجب ألا يقف عند ألفاظها المجردة، وإنما ينبغي أن يراعي الغاية التي وضع المشرع النص من أجلها، بشرط عدم مخالفة النص الصريح.
وهذا يحقق التوازن بين:
حرفية النص
و
مقصده التشريعي.
الفصل الرابع
القضاء في الفقه الإسلامي وأثره في استمرارية الحق
المبحث الأول
القضاء وظيفة لتحقيق العدل
المطلب الأول
العدالة غاية القضاء
قال تعالى:
﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
فالغاية من القضاء ليست إصدار الأحكام في ذاتها، وإنما إقامة العدل بين الناس.
ومن ثم فإن الحكم الذي يصل بعد ضياع محله أو تعذر تنفيذه لا يحقق الغاية الكاملة من الحماية القضائية.
المطلب الثاني
الزمن باعتباره جزءًا من فعالية القضاء
لم يكن القضاء الإسلامي منفصلًا عن عنصر الزمن؛ فقد عرفت كتب القضاء أحكامًا تتعلق بسرعة الفصل ومنع المماطلة وإلزام الخصوم بالحضور وإثبات الحقوق.
ومن هنا يمكن استنباط أن المحافظة على الزمن ليست فكرة حديثة في جوهرها، وإن كانت صياغتها المعاصرة قد أخذت شكلًا مختلفًا.
المبحث الثاني
منع المماطلة في القضاء
المطلب الأول
المماطلة وأثرها في الحق
المماطلة قد تؤدي إلى إضعاف الحق أو تعطيل وصول صاحبه إليه.
ولهذا جاءت الشريعة بمبادئ تمنع التسويف في أداء الحقوق.
ويمكن إسقاط هذا الأصل على المجال الإجرائي الحديث من خلال منع استعمال الدفع أو الطعن استعمالًا كيديًا يقصد به تعطيل العدالة.
المطلب الثاني
التمييز بين استعمال الحق والمماطلة
ليس كل دفع بعدم الاختصاص مماطلة.
فقد يكون الدفع صحيحًا وجوهريًا، ويترتب عليه حماية الخصم من محاكمة أمام جهة غير مختصة.
لكن إذا كان الدفع بلا أساس أو تكرر بعد حسم المسألة أو استخدم لإعادة النزاع في نقطة انتهى منها القانون، فإنه يقترب من التعسف الإجرائي.
ومن هنا يجب أن يكون معيار الحكم هو:
جدية الدفع، وسنده، وتوقيته، وأثره، ومدى إنتاجه في تحديد المحكمة المختصة.
الفصل الخامس
المقارنة بين التأصيل الفقهي والقانون اليمني والقانون المصري
المبحث الأول
أوجه الاتفاق
المطلب الأول
احترام الولاية
يتفق الفقه الإسلامي والقانون اليمني والفقه الإجرائي المصري على أن القاضي لا يملك الحكم خارج نطاق ولايته.
المطلب الثاني
ضرورة تحديد الجهة المختصة
تتفق الأنظمة الثلاثة على ضرورة تحديد الجهة القضائية التي تملك الفصل.
المطلب الثالث
حماية الحقوق
تلتقي الأنظمة في أن الغاية من القضاء هي حماية الحقوق وتحقيق العدل.
المطلب الرابع
منع التعطيل
تتفق القواعد العامة في الأنظمة الثلاثة على رفض المماطلة وتعطيل الحقوق بغير مقتضى.
المبحث الثاني
أوجه الاختلاف
المطلب الأول
اختلاف مصدر الولاية
في الفقه الإسلامي تقوم الولاية على أساس شرعي وسياسي وقضائي بحسب نظام الدولة.
وفي القانون الحديث تقوم على الدستور والقانون والتنظيم القضائي.
المطلب الثاني
اختلاف الجزاءات
لا تتطابق آثار مخالفة الاختصاص في الفقه الإسلامي مع آثارها في القانون الحديث؛ لأن القانون الحديث يضع جزاءات إجرائية محددة بحسب نوع المخالفة.
المطلب الثالث
اختلاف البنية القضائية
تطورت النظم القضائية الحديثة إلى درجات ومحاكم متخصصة وآليات دقيقة للإحالة وتنازع الاختصاص، بينما كانت صور توزيع الولايات في الفقه الإسلامي مرتبطة بالنظام القضائي والسياسي للعصر.
الفصل السادس
رأي المؤلف في التأصيل الفقهي للنظرية
المبحث الأول
الأساس الشرعي للنظرية
المطلب الأول
النظرية ليست خروجًا على الولاية
نظرية «تنازع الاختصاص لا يوقف الساعة» لا تعني أن القاضي يجوز له تجاوز ولايته.
بل تعني أن احترام الولاية يجب أن يقترن بآلية تمنع الفراغ القضائي.
المطلب الثاني
النظرية امتداد لمقصد إقامة العدل
إذا كان القضاء وسيلة لإقامة العدل، فإن تعطيل الحق بسبب تنازع الاختصاص يجب ألا يتجاوز القدر الضروري لتحديد الجهة صاحبة الولاية.
ومن هنا:
الولاية تحمي مشروعية القضاء، والزمن يحمي فعالية القضاء.
المبحث الثاني
الصياغة الفقهية النهائية للنظرية
المطلب الأول
القاعدة الأولى
«لا ولاية لقاضٍ خارج حدود ما فوض إليه.»
المطلب الثاني
القاعدة الثانية
«لا يجوز أن يؤدي الخلاف في الولاية إلى ترك صاحب الحق بلا حماية حيث توجد وسيلة مشروعة للحماية.»
المطلب الثالث
القاعدة الثالثة
«الإحالة من جهة غير مختصة إلى الجهة المختصة استمرار للعدالة وليست إعدامًا للخصومة.»
المطلب الرابع
القاعدة الرابعة
«الزمن الضروري لحسم الاختصاص زمن قضائي مشروع، أما الزمن المهدَر الناتج عن تعطيل غير مبرر فهو ضد الغاية من القضاء.»
الفصل السابع
النتيجة التأصيلية للبابين
المبحث الأول
النتيجة المتعلقة بالاختصاص
المطلب الأول
الاختصاص شرط للمشروعية
لا يمكن أن يكون الحكم القضائي صحيحًا إذا صدر من جهة لا تملك ولاية الفصل فيه، في الحدود التي يرتب فيها القانون أثرًا على ذلك.
المطلب الثاني
الاختصاص ليس غاية مستقلة
الاختصاص وسيلة لتنظيم العدالة، وليس غاية تستعمل لتعطيلها.
المبحث الثاني
النتيجة المتعلقة بالزمن
المطلب الأول
الزمن عنصر من عناصر العدالة
كلما أدى التأخير إلى إفراغ الحماية القضائية من قيمتها، أصبح الزمن جزءًا من المسألة القانونية.
المطلب الثاني
الزمن ليس مبررًا لتجاوز الاختصاص
لا يجوز أن تستخدم السرعة لتصحيح اختصاص غير موجود.
المبحث الثالث
القاعدة الجامعة
المطلب الأول
الصياغة النهائية
«تنازع الاختصاص لا يوقف الساعة؛ وإنما يوقف ما يجب قانونًا وقفه، ويستمر ما أجاز القانون استمراره، وتظل حماية الحق قائمة في حدود الولاية القانونية، إلى أن تحسم الجهة المختصة التنازع وتنتقل الخصومة إلى مسارها الصحيح.»
المطلب الثاني
نظرية المؤلف
«الاختصاص ينظم طريق العدالة، والزمن يحمي قيمتها، والحماية القضائية تمنع ضياع الحق أثناء انتقاله من جهة إلى جهة، ولا تكتمل العدالة إلا باجتماع الاختصاص الصحيح مع الزمن المعقول والحماية الفعالة.»
وهذه هي القاعدة التي ينبغي أن تكون أساسًا للأبواب التالية من الدراسة، بحيث لا تعود مسألة تنازع الاختصاص مجرد بحث تقليدي في تحديد المحكمة، وإنما تصبح بحثًا في العلاقة بين الاختصاص والوقت والحماية القضائية وحجية الحكم وقوته التنفيذية.
الهوامش
دستور الجمهورية اليمنية، المواد المنظمة للسلطة القضائية، ولا سيما الأحكام المتعلقة باستقلال القضاء ووحدة القضاء واختصاص المحكمة العليا.
قانون السلطة القضائية اليمني رقم (1) لسنة 1991م وتعديلاته، الأحكام الخاصة باختصاص المحكمة العليا في تنازع الاختصاص.
قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني رقم (40) لسنة 2002م وتعديلاته، الباب الخاص بالاختصاص القضائي.
قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني، المادة (70)، بشأن الدعوى باعتبارها الوسيلة الشرعية والقانونية للحماية القضائية.
المرجع السابق، المادة (83)، بشأن الإجراءات الوقتية والتحفظية في نطاق الاختصاص الدولي.
المرجع السابق، المواد (87–91)، بشأن الاختصاص بحسب نوع الدعوى والاختصاص النوعي.
المرجع السابق، المواد (92–102)، بشأن الاختصاص المكاني وقواعده الخاصة والاتفاق عليه والإحالة.
قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم (13) لسنة 1994م وتعديلاته، المواد المنظمة للاختصاص الجزائي والإحالة وتنازع الاختصاص.
المرجع السابق، المادة (237)، بشأن إحالة القضية عند عدم الاختصاص.
المرجع السابق، المادة (238)، بشأن تنازع الاختصاص بين المحاكم الجزائية.
المرجع السابق، المادة (239)، بشأن تعارض الأحكام النهائية في الدعوى الجزائية.
المرجع السابق، المادة (240)، بشأن طلب تعيين المحكمة المختصة وأثره على سير الدعوى.
المرجع السابق، المادة (242)، بشأن تعيين المحكمة المختصة على وجه السرعة وآثار الإجراءات والأحكام السابقة.
القرآن الكريم، سورة النساء، الآية (58).
القرآن الكريم، سورة النحل، الآية (90).
القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية (185)، في أصل رفع الحرج.
حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، وهو أصل القاعدة الفقهية الكبرى في منع الضرر.
السرخسي، المبسوط، أبواب القضاء والولاية القضائية.
ابن قدامة، المغني، كتاب القضاء وأحكام الخصومات.
الماوردي، الأحكام السلطانية، باب ولاية القضاء وما يتصل بحدود ولاية القاضي.
ابن فرحون، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، مباحث القضاء وولاية القاضي وآداب الحكم.
السيوطي، الأشباه والنظائر، القواعد الكلية، ولا سيما قاعدة «الضرر يزال» وقاعدة «المشقة تجلب التيسير».
ابن نجيم، الأشباه والنظائر، القواعد الفقهية وتطبيقاتها في القضاء والمعاملات.
الشاطبي، الموافقات، مباحث المقاصد ورفع الحرج وتحقيق المصالح.
السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، مباحث الحق والحماية القانونية، مع مراعاة اختلاف نطاق البحث المدني عن الاختصاص القضائي.
أحمد أبو الوفا، المرافعات المدنية والتجارية، مباحث الاختصاص والدفع بعدم الاختصاص والإحالة وتنازع الاختصاص.
فتحي والي، الوسيط في قانون القضاء المدني، مباحث الاختصاص القضائي وآثار الدفع بعدم الاختصاص والإحالة.
أنور سلطان، المؤلفات المتعلقة بالمبادئ العامة في القانون المدني، في نطاق الحق والحماية القانونية وآثار القواعد الإجرائية.
فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية، مباحث الاختصاص الجنائي وضمانات المتهم وسير الدعوى.
محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، مباحث الاختصاص وضمانات المحاكمة والإجراءات الجنائية.
رأي المؤلف: لا يجوز أن يتحول الاختصاص إلى أداة لتعطيل الحق، كما لا يجوز أن يتحول الزمن إلى ذريعة لتجاوز الاختصاص.
رأي المؤلف: الإحالة ليست نهاية للخصومة، وإنما انتقال للخصومة إلى قاضيها الطبيعي.
رأي المؤلف: تنازع الاختصاص السلبي أخطر صور التنازع من حيث خطر الفراغ القضائي، ولذلك ينبغي أن تكون آلية حسمه سريعة وفعالة.
رأي المؤلف: كل زمن قضائي ضروري لحماية حق أو حسم اختصاص أو ضمان دفاع مشروع هو زمن منتج، أما الزمن الذي لا يضيف شيئًا إلى هذه الغايات فهو زمن مهدَر ينبغي أن يخضع للرقابة.
رأي المؤلف: العدالة المستمرة لا تعني الخصومة الأبدية، وإنما تعني ألا يفقد الحق حمايته بسبب انتقال الدعوى بين جهات القضاء.



سأعيد بناء الجزء الخاص بالاختصاص في الدراسة بحيث يصبح المسار المدني مستقلًا، ثم المسار الجزائي مستقلًا، مع إبقاء النظرية العامة في موضعها دون خلط بين القواعد. ويؤكد قانون المرافعات اليمني تنظيمه المستقل للاختصاص المدني، بينما أفرد قانون الإجراءات الجزائية فصلًا خاصًا لتنازع الاختصاص الجزائي. �
النيابة العامة - اليمن +1
تنازع الاختصاص لا يوقف الساعة — الفصل بين المسار المدني والمسار الجزائي
الباب الثالث
تنازع الاختصاص في القانون المدني اليمني
الفصل الأول
الاختصاص القضائي المدني وأثره في الزمن القضائي
المبحث الأول
الاختصاص المدني بوصفه تنظيمًا لطريق الخصومة
المطلب الأول
مفهوم الاختصاص في الخصومة المدنية
الاختصاص في الخصومة المدنية هو التحديد القانوني للجهة القضائية التي تملك سلطة نظر النزاع والفصل فيه، سواء تعلق الأمر بنوع المحكمة، أو درجتها، أو وظيفتها، أو مكان انعقادها، أو الاختصاص الدولي لها.
ولا يمثل الاختصاص المدني مجرد توزيع إداري للعمل بين المحاكم، وإنما يمثل ضمانة إجرائية للمتقاضي؛ إذ يحدد المحكمة التي يجوز لها أن تباشر الخصومة وتصدر فيها حكمًا تتوافر له شروط الحجية والقوة التنفيذية للحكم القضائي.
وقد نظم قانون المرافعات والتنفيذ المدني اليمني أحكام الاختصاص ضمن باب مستقل، فنظم الاختصاص الدولي، والاختصاص بحسب نوع الدعوى، والاختصاص المكاني، كما نظم الإحالة ونقل الدعوى وتعيين المرجع.
ومن ثم فإن نظرية «تنازع الاختصاص لا يوقف الساعة» في المجال المدني لا تعني أن المحكمة غير المختصة تملك الفصل في أصل الحق، وإنما تعني أن الخصومة لا ينبغي أن تدخل في فراغ زمني غير مبرر بسبب مجرد النزاع حول المحكمة المختصة.
المطلب الثاني
الاختصاص الولائي والنوعي والوظيفي
يجب التمييز بين الاختصاص الذي يمس أصل الولاية القضائية وبين الاختصاص الذي ينظم توزيع العمل داخل الجهاز القضائي.
فالاختصاص الولائي يتعلق بالحدود التي تفصل القضاء عن غيره من جهات الفصل أو السلطات والهيئات التي قد يقرر القانون لها اختصاصًا معينًا.
أما الاختصاص النوعي فيتعلق بنوع المنازعة التي تدخل في ولاية المحكمة. وقد نص القانون اليمني على أن المحكمة الابتدائية تختص أصلًا بالدعاوى التي ترفع إليها، مع مراعاة المحاكم المتخصصة، كما أوجب عليها أن تحكم من تلقاء نفسها بعدم اختصاصها نوعيًا إذا تبين لها ذلك.
وهنا يظهر أثر النظرية:
فإذا ثبت أن المحكمة غير مختصة نوعيًا، فإنها لا يجوز لها أن تفصل في أصل النزاع بحجة المحافظة على الزمن القضائي؛ لأن استمرار الزمن القضائي لا ينشئ اختصاصًا غير موجود.
لكن ذلك لا يعني أن الزمن الذي استغرقته الخصومة يصبح بلا قيمة قانونية بالضرورة، بل يجب أن ينظر إلى الآثار الإجرائية التي أجاز القانون بقاءها أو نقلها أو إعادة ترتيبها.
ومن هنا تقرر النظرية:
لا يحول احترام الاختصاص دون استمرار العدالة، ولا يحول استمرار العدالة دون احترام الاختصاص.
المطلب الثالث
الاختصاص المكاني في الدعوى المدنية
الأصل في الاختصاص المكاني المدني أن يكون للمحكمة التي يقع في دائرتها موطن المدعى عليه أو محل إقامته المؤقتة، مع وجود قواعد خاصة لبعض المنازعات، ومنها المنازعات العقارية والتجارية وغيرها. كما أجاز القانون في حدود معينة اتفاق الخصوم على اختصاص محكمة معينة مع مراعاة الاختصاص النوعي.
ويختلف الاختصاص المكاني المدني عن الاختصاص المكاني الجزائي اختلافًا جوهريًا؛ فلا يجوز نقل الحكم المتعلق بالاختصاص الجزائي إلى المجال المدني دون سند.
وهذه المسألة مهمة في نظرية الزمن القضائي المستمر؛ لأن طبيعة الجزاء المترتب على مخالفة الاختصاص المكاني المدني ليست بالضرورة هي ذاتها في الدعوى الجزائية.
ومن ثم فإن:
القياس بين الاختصاص المكاني المدني والاختصاص المكاني الجزائي قياس يحتاج إلى ضابط، ولا يصح لمجرد التشابه في الاسم.
المطلب الرابع
الإحالة المدنية واستمرار الخصومة
الإحالة ليست بداية جديدة للخصومة، وإنما هي انتقال للخصومة من المحكمة التي ثبت عدم اختصاصها إلى المحكمة التي يقرر القانون اختصاصها.
وقد نظم القانون اليمني الإحالة، كما أجاز اتفاق الخصوم على إحالة الدعوى إلى محكمة أخرى مع مراعاة الاختصاص النوعي، وأوجب على المحكمة المحال إليها الدعوى أن تفصل فيها.
وعلى ذلك فإن الإحالة تمثل أحد أهم التطبيقات العملية لنظرية الزمن القضائي المستمر؛ لأنها تمنع أن يؤدي اكتشاف عدم الاختصاص إلى إهدار كامل للزمن الذي استغرقته الخصومة.
ولهذا أقرر:
الإحالة استمرار للخصومة في طريقها الصحيح، وليست ميلادًا جديدًا للخصومة.
المبحث الثاني
الإجراءات الوقتية والتحفظية في الخصومة المدنية
المطلب الأول
استقلال الحماية الوقتية عن الفصل في أصل الحق
من أهم مظاهر استمرار العدالة في المجال المدني أن عدم اختصاص المحكمة بالدعوى الأصلية لا يعني بالضرورة انعدام كل سلطة لها في حماية الحق.
وقد قرر قانون المرافعات اليمني اختصاص المحاكم اليمنية بالأمر بالإجراءات الوقتية والتحفظية التي تنفذ في اليمن ولو كانت غير مختصة بالدعوى الأصلية.
وهذا النص يمثل تطبيقًا تشريعيًا واضحًا لفكرة جوهرية في النظرية:
قد ينعدم الاختصاص بأصل الحق، دون أن تنعدم كل صور الحماية القضائية.
وهذا هو الفارق بين الفصل في الموضوع والحماية المؤقتة للحق.
المطلب الثاني
المحافظة على الدليل أثناء تنازع الاختصاص
قد يؤدي تنازع الاختصاص إلى خطر مستقل عن أصل النزاع، وهو خطر ضياع الدليل.
فإذا كان الدليل معرضًا للتلف أو الزوال أو التغيير، فإن انتظار حسم النزاع حول المحكمة المختصة قد يجعل الحكم اللاحق عديم الفائدة من الناحية العملية.
ومن هنا يجب التمييز بين:
المحكمة التي تملك الفصل في أصل الحق.
المحكمة التي يجي لها القانون اتخاذ إجراء وقتي أو تحفظي.
الإجراء المتعلق بحفظ الدليل.
الإجراء الذي لا يجوز اتخاذه إلا من المحكمة المختصة أصلًا.
وعليه:
الاختصاص في أصل الحق لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لضياع الدليل الذي سيقوم عليه الحكم الصحيح.
المطلب الثالث
أثر تنازع الاختصاص على الزمن المدني
الزمن في الخصومة المدنية ليس عنصرًا خارجيًا عن العدالة، لأن التأخير قد يؤدي إلى تضخم الضرر، وتغير قيمة المال، وضياع المستندات، ووفاة الشهود، وتغير المراكز القانونية.
غير أن الزمن لا يستطيع أن يصحح عيب الاختصاص.
لذلك تقوم النظرية على معادلة دقيقة:
اختصاص صحيح + إجراء صحيح + زمن معقول + حماية مستمرة للحق = عدالة مدنية فعالة.
أما إذا كان التأخير ناشئًا عن إجراء ضروري لحسم الاختصاص، فهو زمن قضائي ضروري.
أما إذا أصبح النزاع حول الاختصاص وسيلة لتدوير الملف بين الجهات دون حسم، فهو زمن قضائي مهدَر.
المبحث الثالث
الفقه الإسلامي والقضاء المصري في تنازع الاختصاص المدني
المطلب الأول
التأصيل الفقهي الإسلامي
عرف الفقه الإسلامي الولاية القضائية باعتبارها سلطة شرعية للفصل في الخصومات ورد الحقوق إلى أصحابها.
والقاضي لا يملك أن يتجاوز حدود ولايته، لأن الولاية مصدر مشروعية عمله القضائي.
لكن الفقه الإسلامي في الوقت ذاته لم يجعل الإجراءات غاية مستقلة عن المقصود منها، وإنما جعل الغاية إقامة العدل، ومنع الظلم، ورد الحقوق.
ومن القواعد الفقهية التي تؤسس لهذا الاتجاه:
الضرر يزال.
وقاعدة:
المشقة تجلب التيسير.
وقاعدة:
الضرر لا يزال بالضرر.
وعليه فإن التأخير الذي يحمي قاعدة اختصاصية واجبة الاحترام لا يعامل معاملة التأخير الذي لا سند له ويؤدي إلى إهدار الحق.
المطلب الثاني
القضاء المصري والفقه الإجرائي
يتجه الفقه الإجرائي المصري إلى التمييز بين أنواع الاختصاص وآثار مخالفتها، وعدم التسوية بين الاختصاص المتعلق بالنظام العام والاختصاص الذي تقرر القاعدة المتعلقة به لمصلحة الخصوم.
وقد اهتم فقهاء المرافعات، ومنهم أحمد أبو الوفا وفتحي والي، ببيان طبيعة الاختصاص وآثار الدفع به والإحالة وما يترتب على الحكم بعدم الاختصاص.
وتستفيد النظرية من هذا التمييز في بناء معيار لا يقوم على مجرد وجود عيب الاختصاص، وإنما يسأل أيضًا:
ما نوع الاختصاص؟
وما أثر مخالفته؟
وهل يوجب القانون وقف جميع الإجراءات؟
أم يقتصر أثره على منع الفصل في الموضوع؟
المطلب الثالث
رأي المؤلف في الاختصاص المدني
أرى أن الخطأ المنهجي الأكبر في معالجة تنازع الاختصاص المدني هو تحويل الاختصاص من وسيلة لتنظيم العدالة إلى سبب لتعطيلها.
فالاختصاص واجب الاحترام، لكن احترامه لا يبرر خلق فراغ إجرائي طويل.
ولهذا أقترح القاعدة الآتية:
إذا ثبت عدم الاختصاص، وجب الامتناع عن الفصل فيما لا يدخل في الولاية، ووجب في الوقت ذاته اتخاذ ما يقرره القانون من إحالة أو حفظ أو إجراء وقتي أو تحفظي، بحيث لا يتحول تصحيح الاختصاص إلى إهدار للحق.
الباب الرابع
تنازع الاختصاص في القانون الجزائي اليمني
الفصل الأول
خصوصية الاختصاص الجزائي
المبحث الأول
الطبيعة الخاصة للاختصاص الجزائي
المطلب الأول
الاختصاص الجزائي وضمانة الحرية الشخصية
يختلف الاختصاص الجزائي عن الاختصاص المدني اختلافًا جوهريًا؛ لأن الدعوى الجزائية لا تتعلق بمجرد مركز مالي أو حق مدني، وإنما قد تتصل مباشرة بحرية الإنسان وسمعته وحياته ومستقبله.
ولهذا فإن قواعد الاختصاص الجزائي تتسم بدرجة أعلى من الصرامة، ولا يصح تطبيق قواعد الاختصاص المدني عليها بطريق القياس لمجرد وجود تشابه إجرائي.
وقد أفرد قانون الإجراءات الجزائية اليمني تنظيمًا خاصًا للاختصاص، كما أفرد فصلًا مستقلًا لتنازع الاختصاص.
المطلب الثاني
الاختصاص المكاني الجزائي
حدد القانون اليمني الاختصاص المحلي في الجرائم بالمكان الذي وقعت فيه الجريمة، أو المكان الذي يقيم فيه المتهم، أو المكان الذي يقبض عليه فيه، مع القواعد الخاصة بالجرائم الواقعة في الخارج أو التي تمتد أفعالها بين الداخل والخارج.
وهنا تظهر خصوصية الاختصاص الجزائي بوضوح.
فقد أكدت إحدى القواعد القضائية المستخلصة من أحكام المحكمة العليا اليمنية أن الاختصاص المكاني في الدعوى الجزائية يختلف عن الاختصاص المكاني في الدعوى المدنية من حيث تعلقه بالنظام العام، وأكدت عدم صحة إسقاط قاعدة من المرافعات المدنية على الدفع بعدم الاختصاص المكاني الجزائي.
وهذا يؤكد القاعدة التي تتبناها الدراسة:
استقلال المسار الجزائي ليس استقلالًا شكليًا، بل استقلال في طبيعة القاعدة والجزاء والضمانة والغاية.
المبحث الثاني
تنازع الاختصاص الجزائي
المطلب الأول
التنازع الإيجابي
يتحقق التنازع الإيجابي عندما تتمسك أكثر من محكمة باختصاصها بنظر الدعوى الجزائية ذاتها أو الجرائم المرتبطة بها.
وقد نظم القانون اليمني آلية طلب تعيين المحكمة المختصة في هذه الحالة، وربط الاختصاص بجهة قضائية أعلى بحسب نطاق المحاكم المتنازعة. ويكون قرار تعيين المحكمة المختصة نهائيًا في الحالات التي حددها القانون.
والغاية من ذلك ليست مجرد توزيع الملفات، وإنما منع صدور أحكام متعددة في الواقعة ذاتها من جهات قضائية مختلفة.
المطلب الثاني
التنازع السلبي
يتحقق التنازع السلبي عندما تتخلى أكثر من جهة قضائية عن اختصاصها بالدعوى.
وهذا النوع أخطر من الناحية الزمنية؛ لأنه قد يخلق حالة فراغ يكون فيها المتهم أو المجني عليه أو الحق العام عالقًا بين قرارات متعاقبة بعدم الاختصاص.
ولهذا فإن القانون اليمني لم يترك التنازع السلبي بلا وسيلة للحسم، بل نظم طلب تعيين المحكمة المختصة.
وهنا تتجلى النظرية بصورة أكثر وضوحًا:
تنازع الاختصاص لا يوقف الساعة؛ بل يفرض على مؤسسات العدالة أن تسارع إلى تحديد صاحب الولاية.
المطلب الثالث
الإحالة الجزائية
إذا تبين للمحكمة أن القضية الجزائية لا تدخل في اختصاصها، فإن القانون يقرر إحالتها إلى المحكمة المختصة، بقرار مسبب، ما لم يقرر القانون خلاف ذلك. كما نظم القانون حالة تعدد الجرائم المرتبطة واختصاص محاكم متعددة بها.
والإحالة الجزائية تختلف عن الإحالة المدنية في آثارها وضماناتها، ولذلك لا يصح دمج الحكمين في قاعدة واحدة.
المبحث الثالث
الزمن القضائي في الدعوى الجزائية
المطلب الأول
الزمن والحرية الشخصية
في الدعوى الجزائية لا يكون الزمن مجرد عنصر اقتصادي أو إجرائي؛ فقد يكون مرتبطًا مباشرة بحرية الإنسان.
ومن ثم فإن التأخير غير المبرر في حسم تنازع الاختصاص قد يؤدي إلى استمرار وضع إجرائي يمس الحرية أو يطيل عدم اليقين القانوني.
لكن ذلك لا يعني أن السرعة تبيح تجاوز الاختصاص.
فالقاعدة الصحيحة هي:
لا يجوز أن تكون السرعة سببًا لحكم صادر من محكمة غير مختصة، كما لا يجوز أن يكون الاختصاص ذريعة لتأخير غير مبرر يمس الحرية أو يعطل العدالة.
المطلب الثاني
الإجراءات التي يخشى فواتها
يجب التمييز بين:
الفصل في الاتهام.
التحقيق.
حفظ الأدلة.
الإجراءات الضرورية التي يخشى فواتها.
الإجراءات المتعلقة بالحرية.
الإجراءات التي لا يجوز اتخاذها إلا من الجهة المختصة قانونًا.
وهذا التمييز هو الذي يمنع النظرية من التحول إلى مبرر لتجاوز الاختصاص.
فالنظرية لا تقول إن كل إجراء يستمر رغم التنازع، وإنما تقول:
يستمر من الإجراءات ما أجازه القانون، ويحظر ما منعه القانون، ويُحسم التنازع في أسرع وقت ممكن.
المطلب الثالث
أثر تعيين المحكمة المختصة
بعد تعيين المحكمة المختصة تنتهي حالة التنازع، وتنتقل الدعوى إلى مسارها الصحيح وفقًا لما يقرره القانون.
وهنا يجب دراسة أثر الإجراءات السابقة بصورة مستقلة: فما كان صحيحًا ومنتجًا لأثره القانوني لا يفترض إهداره لمجرد تغير المحكمة، وما كان باطلًا أو صادرًا من جهة لا تملك اتخاذه فلا يكتسب المشروعية بمجرد الإحالة.
وهذا يقود إلى قاعدة مهمة:
الإحالة لا تطهر الإجراء الباطل، كما أن عدم الاختصاص لا يمحو تلقائيًا كل إجراء سابق.
المبحث الرابع
الفقه الإسلامي والقضاء المصري في تنازع الاختصاص الجزائي
المطلب الأول
الولاية في الفقه الإسلامي
أساس القضاء في الفقه الإسلامي هو الولاية المشروعة، فلا يحكم من لا ولاية له.
غير أن الفقه الإسلامي يربط الولاية بمقصد إقامة العدل ومنع الظلم، ولذلك لا يجوز أن يؤدي النزاع حول الولاية إلى ترك الناس بلا حماية أو تعطيل حقوقهم دون ضرورة.
المطلب الثاني
القضاء المصري والاختصاص الجزائي
يتميز الاختصاص الجزائي في الفقه والقضاء المصريين كذلك بخصوصيته المرتبطة بالنظام العام وبطبيعة الدعوى الجنائية.
والدراسة المقارنة هنا لا تهدف إلى نقل الحل المصري إلى اليمن، وإنما إلى الكشف عن المبادئ المشتركة والفروق التي ينبغي مراعاتها عند بناء نظرية الزمن القضائي المستمر.
المطلب الثالث
رأي المؤلف في تنازع الاختصاص الجزائي
أرى أن التنازع الجزائي يجب أن يخضع لمعادلة أكثر صرامة من التنازع المدني، لأن محل الحماية قد يكون الحرية الشخصية، ولأن الخطأ في تحديد المحكمة المختصة قد يمس شرعية الإجراءات ذاتها.
وعليه فإن الصياغة الأدق للنظرية في المجال الجزائي هي:
«تنازع الاختصاص الجزائي لا يوقف واجب الدولة في حماية الحرية والحق العام وحفظ الأدلة، ولا يبيح في الوقت ذاته لأي محكمة أن تفصل في الاتهام دون اختصاص؛ وإنما يوجب الإسراع في حسم التنازع، واستمرار الإجراءات التي يجيها القانون، ومنع كل إجراء يتجاوز حدود الولاية.»
الباب الخامس
المقارنة بين الاختصاص المدني والاختصاص الجزائي
الفصل الأول
الفروق الجوهرية بين المسارين
المبحث الأول
الاختصاص المدني
المطلب الأول
طبيعة المصلحة محل الحماية
المصلحة في الدعوى المدنية تدور في الغالب حول حق خاص أو مركز قانوني أو مصلحة مالية أو شخصية، ولذلك تكون قواعد الاختصاص المدني مرتبطة بتنظيم الخصومة وحماية حقوق أطرافها.
المطلب الثاني
أثر التنازع المدني على الزمن
الأصل أن التنازع لا يهدم الحق ذاته، وإنما قد يؤخر طريق الوصول إلى الحكم، ولذلك تظهر أهمية الإحالة والإجراءات الوقتية والتحفظية وحفظ الأدلة.
المبحث الثاني
الاختصاص الجزائي
المطلب الأول
طبيعة المصلحة محل الحماية
الدعوى الجزائية تتصل بالحق العام وبالمجتمع وبحقوق المتهم والمجني عليه، وقد تتصل بالحرية الشخصية اتصالًا مباشرًا.
المطلب الثاني
أثر التنازع الجزائي على الزمن
يكون الزمن أكثر حساسية؛ لأن التأخير قد ينعكس على الحرية والأدلة وحقوق الدفاع والمصلحة العامة في سرعة الفصل.
المبحث الثالث
عدم جواز الخلط بين النظامين
المطلب الأول
اختلاف قواعد الاختصاص
لا يجوز القول بأن ما يطبق في الدعوى المدنية يطبق تلقائيًا في الدعوى الجزائية.
وقد ظهر ذلك بوضوح في القضاء اليمني بشأن الاختصاص المكاني، حيث ميزت المحكمة العليا بين موقف القانون من الاختصاص المكاني في الدعوى المدنية وموقفه في الدعوى الجزائية.
المطلب الثاني
اختلاف الجزاء الإجرائي
ليس كل عيب في الاختصاص المدني يؤدي إلى ذات الجزاء المترتب على العيب في الاختصاص الجزائي.
ولهذا يجب أن يسبق تطبيق النظرية تحديد:
نوع الاختصاص ← طبيعة القاعدة ← تعلقها بالنظام العام ← الجزاء القانوني ← أثر الإجراء ← الزمن اللازم للحسم.
المطلب الثالث
القاعدة الجامعة
لا أرى مانعًا من وجود قاعدة نظرية جامعة للمسارين، بشرط ألا تكون قاعدة تطبيقية موحدة.
فالقاعدة الجامعة هي:
«لا يجوز أن يتحول تنازع الاختصاص إلى فراغ زمني غير مبرر، مع بقاء كل نظام خاضعًا لقواعد اختصاصه وضماناته وآثاره الخاصة.»
أما التطبيق فيظل مختلفًا.
فالمدني يقوم بصورة أكبر على حماية الحق الخاص واستمرار الخصومة والإحالة والحماية الوقتية والتحفظية.
والجزائي يقوم بصورة أشد على شرعية الإجراءات وحماية الحرية والحق العام وسرعة حسم الاختصاص وحفظ الأدلة وضمانات الدفاع.
الباب السادس
التطبيق الموحد لنظرية الزمن القضائي المستمر مع استقلال المسارين
الفصل الأول
التطبيق المدني
المبحث الأول
حالة تنازع محكمتين مدنيتين
المطلب الأول
التنازع الإيجابي
إذا تمسكت محكمتان مدنيتان بالاختصاص، وجب حسم التنازع وفق القواعد القانونية الخاصة بذلك، دون السماح بتعدد الأحكام في النزاع ذاته.
المطلب الثاني
التنازع السلبي
إذا تخلت محكمتان عن الاختصاص، فإن الخطر الأكبر يتمثل في دوران الخصومة بين الجهات القضائية.
وهنا تطبق النظرية باعتبار أن الزمن المهدَر ليس أثرًا طبيعيًا للاختصاص، وإنما نتيجة يجب منعها بآلية الحسم السريع والإحالة الصحيحة.
الفصل الثاني
التطبيق الجزائي
المبحث الأول
التنازع بين المحاكم الجزائية
المطلب الأول
الحسم السريع للتنازع
نظم قانون الإجراءات الجزائية اليمني طلب تعيين المحكمة المختصة في حالات التنازع، بما يمنع بقاء الدعوى في حالة مجهولة المحكمة المختصة.
المطلب الثاني
حماية الحرية أثناء التنازع
لا يجوز أن يتحول تنازع الاختصاص إلى مبرر تلقائي لاستمرار المساس بالحرية مدة غير مبررة، كما لا يجوز اتخاذ إجراءات لا يجيها القانون بحجة الاستعجال.
ومن هنا تكون الحماية القانونية مزدوجة:
حماية المجتمع من الجريمة + حماية الفرد من التعسف في الإجراءات.
الفصل الثالث
الصياغة النهائية للنظرية
المبحث الأول
القاعدة المدنية
المطلب الأول
صياغة القاعدة
«في الخصومة المدنية، لا يترتب على تنازع الاختصاص وقف الزمن القضائي إلا بالقدر الذي يوجبه القانون، ويجب حسم التنازع والإحالة إلى المحكمة المختصة، مع المحافظة على ما أجاز القانون المحافظة عليه من الإجراءات الوقتية والتحفظية والأدلة والآثار الإجرائية.»
المبحث الثاني
القاعدة الجزائية
المطلب الأول
صياغة القاعدة
«في الدعوى الجزائية، لا يوقف تنازع الاختصاص واجب حماية الحرية والحق العام وحفظ الأدلة والإجراءات التي يجي القانون استمرارها، ولا يبيح في المقابل لأي جهة قضائية الفصل في الاتهام خارج حدود اختصاصها، وإنما يوجب الإسراع في تعيين المحكمة المختصة واحترام شرعية الإجراءات وضمانات الدفاع.»
المبحث الثالث
القاعدة الجامعة
المطلب الأول
الصياغة النظرية النهائية
«تنازع الاختصاص يوقف ما يجب قانونًا وقفه، لكنه لا يوقف ما يجب قانونًا حمايته، ولا يبرر تعطيل العدالة أكثر من القدر اللازم لحسم التنازع.»
وهذه هي الصياغة التي تجمع بين استقلال القانون المدني واستقلال القانون الجزائي دون أن تجعل من النظرية قاعدة واحدة جامدة تطبق على النظامين بطريقة آلية.
المطلب الثاني
معيار تطبيق النظرية
يُختبر كل تنازع وفق أربعة عناصر مترابطة:
السند + الضرورة + التناسب + الزمن.
فلا إجراء بلا سند.
ولا استمرار بلا ضرورة.
ولا حماية تتجاوز قدرها.
ولا تأخير يتجاوز الزمن اللازم للحسم.
ومن ثم تصبح النظرية:
«عدالة فعالة = اختصاص صحيح + إجراء سليم + زمن معقول + حماية مستمرة للحق.»
وهذه المعادلة لا تعني توحيد القانون المدني والجزائي، وإنما تعني توحيد المبدأ الأعلى مع اختلاف الوسائل والضمانات والآثار.
المطلب الثالث
رأي المؤلف
أرى أن استقلال القانون المدني عن القانون الجزائي في دراسة تنازع الاختصاص ليس مجرد ترتيب أكاديمي، وإنما ضرورة علمية وعملية؛ لأن الخلط بينهما قد يؤدي إلى نتائج خاطئة في تحديد النظام العام، وأثر الدفع، والجزاء، وحجية الإجراءات، ومدى استمرار المحكمة في مباشرة بعض الأعمال.
ومن ثم فإن المنهج الصحيح يقوم على قاعدة:
«وحدة النظرية لا تعني وحدة التطبيق، ووحدة مقصد العدالة لا تعني وحدة قواعد الاختصاص.»
فالمدني له منطقه الإجرائي، والجزائي له منطقه الإجرائي، وكل منهما يتحرك داخل حدوده التشريعية، بينما تأتي نظرية الزمن القضائي المستمر لتمنع أن يتحول الاختصاص ــ أيًا كان نوعه ــ إلى ذريعة لقتل الزمن القضائي وإهدار القيمة العملية للعدالة.
وهكذا يصبح الشعار:
«الاختصاص ينظم طريق العدالة، لكنه لا يجوز أن يغلق طريق العدالة.»
وتبقى القاعدة الحاكمة:
«لا يُحكم على أثر تنازع الاختصاص قبل تحديد نوع الاختصاص المتنازع عليه، وطبيعة القاعدة المنظمة له، والجزاء الذي رتبه القانون على مخالفتها، ثم تحديد القدر الذي يجب أن يتوقف والقدر الذي يجب أن يستمر.»




الباب السابع

الآثار الإجرائية لتنازع الاختصاص في الخصومة المدنية

الفصل الأول

أثر عدم الاختصاص على الإجراءات المدنية

المبحث الأول

التمييز بين الحكم بعدم الاختصاص والحكم في أصل الحق

المطلب الأول

عدم الاختصاص ليس حكمًا في الموضوع

الحكم بعدم الاختصاص لا يفصل في أصل الحق المتنازع عليه، وإنما يحسم مسألة إجرائية سابقة على الفصل في الموضوع، وهي تحديد الجهة التي تملك سلطة الفصل.

ومن ثم لا يجوز أن يُفهم الحكم بعدم الاختصاص على أنه رفض للحق الموضوعي أو تقرير لعدم وجوده، ما لم يكن القانون قد رتب أثرًا آخر صريحًا.

وهذا التمييز بالغ الأهمية في نظرية الزمن القضائي المستمر؛ لأن الخلط بين الحكم في الاختصاص والحكم في الموضوع قد يؤدي إلى اعتبار الخصومة منتهية مع أن الحق لم ينظر أصلًا.

المطلب الثاني

أثر الحكم بعدم الاختصاص على استمرار الخصومة

إذا انتهت المحكمة إلى عدم اختصاصها، فإن الأثر الطبيعي هو انتقال الخصومة إلى المحكمة المختصة وفقًا للقواعد التي يقررها القانون.

وعليه فإن الزمن السابق على الحكم بعدم الاختصاص لا ينبغي أن يعامل باعتباره زمنًا معدومًا في كل الأحوال، بل يجب بحث الآثار التي رتبها القانون على الإجراءات السابقة.

والقاعدة التي أقترحها في هذا المجال:

««زوال ولاية المحكمة عن الفصل في الموضوع لا يعني بالضرورة زوال القيمة الإجرائية لكل ما تم أمامها.»»

فقد يكون بعض الإجراءات قد تم صحيحًا وفي حدود سلطة المحكمة، بينما يكون بعضها الآخر مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بأصل الاختصاص ولا يمتد أثره.

المبحث الثاني

أثر الإحالة على الخصومة المدنية