آخر تحديث :الجمعة-16 أكتوبر 2026-07:19ص

مقالات


القاضي جمال المكعبي… لم تترك شيئًا لمن يخلفك!

القاضي جمال المكعبي… لم تترك شيئًا لمن يخلفك!

الجمعة - 16 أكتوبر 2026 - 07:19 ص بتوقيت عدن

- بقلم المستشار والباحث مختار راجح

لم أعرف القاضي جمال المكعبي معرفةً شخصية، لكنني عرفته معرفةً أعمق؛ عرفته من خلال شخصيته التي تتحدث عنها مواقفه، ومن خلال تواضعه الذي يسبق مقامه، وشجاعته في محاربة الفساد، وإيمانه بأن العدالة ليست كرسيًّا يجلس عليه القاضي، بل رسالة ينزل بها إلى الناس، ويستمع إلى أنين المظلوم، ويصغي إلى شكوى المواطن البسيط، ويجعل من إنصافه واجبًا لا مِنّة.

لقد ظننته في بادئ الأمر رجلًا بسيطًا، من أولئك الذين لا يتكلفون الوقار، ولا يستعيرون الهيبة من مناصبهم؛ فإذا بي أمام شخصية تتوارى خلف بساطتها قامة قضائية رفيعة، وعقل نافذ البصيرة، وإدراك يلتقط ما وراء الكلمات، وفطنة تميز بين ظواهر الأمور وبواطنها، وحكمة لا تستعرض قوتها، بل تدع المواقف تنطق عنها.

وشاركني هذا الرجل في مجتمع «سفينة نوح»، ولم أكن أدرك أن هذا الإنسان الذي يجلس بين الناس بتلك العفوية والتواضع هو المحامي العام للنيابات الجزائية! وهنا وقفت مدهوشًا أمام مفارقة نادرة: كيف يجتمع هذا المقام الرفيع مع كل هذه البساطة؟ وكيف تتسع نفس صاحب المسؤولية الكبيرة لأن ينزل إلى مستوى المواطن البسيط، لا ليمنحه لحظات من الاهتمام فحسب، بل ليشاركه همومه، ويناقش قضاياه، ويناصر ما يراه حقًّا وعدلًا؟

عندها أدركت أنني لم أكن أمام رجل يخفي منصبه، بل أمام رجل لا يحتاج إلى إظهاره؛ لأن أخلاقه تتولى التعريف به، ومواقفه تتكفل بتقديمه، وضميره يمنحه من الهيبة ما لا تمنحه الألقاب.

يا سيدي القاضي جمال المكعبي، هل تسمح لمن سيخلفك أن يجد شيئًا من التواضع الذي تركته خلفك؟

لقد أربكتني مآثرك، وأوقفت قلمي عند حدود الدهشة، حتى تلعثمت الحروف في فمي؛ فكيف يكتب المرء عن رجل جمع بين رفعة المنصب وخفض الجناح، وبين صرامة القانون ورحابة الإنسانية، وبين قوة الموقف ولين المعاملة، وبين الحزم الذي لا يساوم على الحق والتواضع الذي لا يجرح كرامة أحد؟

إنها معادلة لا يجيدها إلا من امتلك زمام نفسه قبل أن يتولى زمام مسؤوليته؛ فلا تغريه السلطة فيتعالى، ولا تستفزه الخصومة فيظلم، ولا تعميه المكانة عن رؤية الضعفاء، ولا تجعله المسؤولية ينسى أنه، قبل كل شيء، إنسان مؤتمن على حقوق الناس.

إن بعض الرجال، إذا اعتلوا المناصب، ابتعدوا عن الناس، كأنما ارتفعت بهم الكراسي إلى سماء لا يُسمع منها صوت المظلومين؛ أما أنت، فتبدو وكأنك كلما ارتفع مقامك ازددت اقترابًا من الأرض، وكلما اتسعت مسؤوليتك اتسع قلبك للناس، وكلما ازدادت هيبتك ازددت تواضعًا.

وهنا يكمن جمال القضاء حين يتجرد من الزهو، وقوة القانون حين تتحرر من القسوة، وعظمة المسؤول حين يدرك أن المنصب تكليف لا تشريف، وأن السلطة أمانة لا امتياز، وأن العدالة التي لا تصل إلى أبواب البسطاء تظل ناقصة، مهما ازدانت القاعات بأفخم الأثاث وأثقل الألقاب.

أربعة أبيات في تواضع السلطان ونصرة الرعية

يا صاحبَ المجدِ، هل أبقيتَ من خُلُقٍ
لمن سيأتي، وقد أضحى التواضعُ نُدرةْ؟

رفعتَ قدرَ القضاءِ اليومَ من خُلُقٍ
وجئتَ للناسِ، لا سورًا ولا حُجُبًا

تمشي إلى الناسِ، لا تيهٌ يرافقُكَ
وتسمعُ الحقَّ، لا خوفٌ ولا رَهَبُ

إن كان للمجدِ تاجٌ فوقَ هامتِهِ
فأنتَ مجدٌ، وفي أخلاقِكَ الذهبُ

جمال المكعبي… جمالٌ يتجاوز الاسم

يا جمال المكعبي، ما أجمل أن يكون في اسم المرء شيء من سيرته، وأن يصبح الاسم عنوانًا لمعنى يتجاوز حروفه! ليس الجمال في ملامح الوجوه وحدها، ولا في زخرفة الكلمات، بل في جمال النفس حين تنصف، وجمال العقل حين يتبصر، وجمال القلب حين يتسع للناس، وجمال السلطة حين تعرف حدودها أمام عظمة الحق.

ولعل أجمل ما في شخصيتك ذلك التناقض البديع الذي لا يصنعه التكلف، وإنما تصنعه أصالة المعدن: قوة لا تتجبر، ولين لا يضعف، وتواضع لا ينتقص من الهيبة، وحزم لا يخاصم الرحمة، وفطنة لا تستعرض ذكاءها، وحكمة لا تحتاج إلى ضجيج لتثبت وجودها.

إنك تجمع بين صرامة القانون ورقة التعامل، وبين حدة البصيرة وسعة الصدر، وبين الوقوف في وجه الفساد والجلوس إلى جوار البسطاء، وبين ما يفرضه المنصب من وقار وما تفرضه الإنسانية من تواضع. وتلك خصال إذا اجتمعت في رجل واحد جعلت منه نموذجًا يستحق التأمل، لا مجرد اسم يمر في أخبار المؤسسات.

وليس التواضع أن ينحني الإنسان أمام الناس انحناءً عابرًا، بل أن يعرف أن كرامتهم ليست أقل من كرامته، وأن حاجتهم إلى الإنصاف ليست مِنّة عليه، وأن الاستماع إلى شكواهم ليس انتقاصًا من وقته، بل جزء من واجبه. وليس العدل أن ينتصر المرء لمن يحب، بل أن ينتصر للحق ولو خالف هواه، وأن يزن الخصوم بميزان القانون، لا بميزان المكانة والنفوذ.

وهنا تتجلى قيمة القاضي الذي يدرك أن القانون ليس نصوصًا جامدة فحسب، وإنما منظومة لحماية الحقوق وصون الكرامة وإقامة التوازن بين القوة والحق؛ وأن محاربة الفساد لا تبدأ بالشعارات، بل بإرادة لا تنحني، وضمير لا يُشترى، وموقف لا يتبدل بتبدل المصالح.

حين يخذل التاريخ بعض الرجال، ينصف آخرين

إن وطننا لا تنقصه الألقاب، ولا تعوزه الخطب الرنانة، ولا يفتقر إلى من يمتطون صهوة السياسة ويعدون الناس بوعود تلمع في ضوء المنابر، ثم تتعثر بهم خيول المسؤولية حين يختبرهم الميدان. فكم من رجل صعد إلى القمة على أكتاف الشعارات، ثم أسقطته أهواؤه حين اصطدم بواقع الناس! وكم من صاحب منصب اتسعت المسافة بينه وبين المواطن، حتى صار يسمع صوته ولا يسمع شكواه!

أما الرجال الذين يقتربون من الناس، ويجعلون من همومهم جزءًا من مسؤوليتهم، ويقاومون الفساد بوعي وشجاعة، فهؤلاء هم الندرة التي تحتاج إليها الأوطان في أزمنة الانكسار واضطراب الموازين.

ولست أقول ذلك ادعاءً بمعرفة لم تحدث، ولا شهادة على وقائع لم أشهدها؛ وإنما أكتب ما استوقفني في الصورة التي عرفتك بها، وما أثاره في نفسي اجتماع المقام القضائي الرفيع مع ذلك التواضع الذي لم أكن أتوقعه. فالإشادة الصادقة لا تحتاج إلى مبالغة تفسد معناها، بل إلى كلمة تنصف ما ظهر من الخصال، وتترك للأيام والمواقف أن تكشف بقية المعدن.

يا سيدي القاضي، إن الوطن في حاجة إلى رجال لا يجعلون المواطن الصغير صغيرًا في أعينهم، ولا يرون في بساطة الناس نقصًا في قدرهم، ولا يظنون أن الهيبة تقتضي الجفاء، أو أن القوة تستلزم القسوة. فالوطن يحتاج إلى من يثبتون أن العدالة تستطيع أن تكون حازمة ورحيمة، وأن المسؤول يستطيع أن يكون رفيع المقام قريبًا من الناس، وأن مكافحة الفساد ليست معركة ضد أشخاص فحسب، بل دفاع عن قيم الدولة وكرامة المجتمع وحق الأجيال في مستقبل أكثر عدلًا.

اسمٌ يُنقش في ذاكرة الوطن

يا جمال المكعبي، لست أدري ماذا ستقول الأجيال لمن يأتي بعدك عنك، لكنني أعلم أن أجمل ما يتركه الإنسان ليس كرسيًّا شغله، ولا لقبًا حمله، ولا مكتبًا مر به؛ بل أثرًا طيبًا يجعل الناس يتذكرونه بامتنان، ويستشهدون بمواقفه حين يبحثون عن القدوة، ويستحضرون أخلاقه حين يبحثون عن معاني السلطة والمسؤولية.

إن المناصب عابرة، مهما طال البقاء فيها، والألقاب تتبدل، مهما عظمت، أما المواقف النبيلة فتمتلك قدرة عجيبة على البقاء. إنها تتحول مع الأيام إلى ذاكرة حية، وتصبح في وجدان الناس شاهدًا على أن الخير لم ينقطع، وأن النزاهة ليست خيالًا، وأن في هذا الوطن رجالًا يستطيعون أن يجمعوا بين قوة القانون وسمو الأخلاق.

ولذلك أتخيل اسمك منقوشًا في ذاكرة التاريخ بالزمرد والياقوت وحبيبات المرجان؛ لا لأن الأحجار تمنح الرجال قيمتهم، بل لأن القيم النبيلة هي التي تجعل الاسم جديرًا بأن يُحفظ في أثمن مواضع الذاكرة.

فيا سيدي القاضي، إن كنت قد تركت لمن سيخلفك شيئًا، فقد تركت له سؤالًا كبيرًا قبل أن تترك له منصبًا: كيف يكون المرء مسؤولًا رفيع المقام دون أن يفقد بساطة الإنسان؟ وكيف يحارب الفساد دون أن يفسد قلبه الغضب؟ وكيف ينتصر للقانون دون أن ينسى أن غايته الأولى هي الإنسان؟

ذلك هو التحدي الحقيقي الذي تضعه الأخلاق أمام أصحاب المسؤوليات: أن يخلفوا مناصبهم وقد حفظوا للناس حقوقهم، وأن يغادروا مواقعهم وقد تركوا في النفوس احترامًا لا تصنعه الأوامر، ومحبة لا تفرضها السلطة، وسيرة لا تحتاج إلى من يدافع عنها؛ لأن المواقف سبقتها إلى الشهادة.

وأختم بما يليق بهذه الدهشة التي أوقفت قلمي أمام شخصيتك:

يا جمال المكعبي، إنني لم أعرفك من طول الصحبة، ولم أكتب عنك من فراغ المعرفة، بل استوقفتني شخصية ظننتها بسيطة، فإذا ببساطتها تحمل من المعاني ما تعجز عنه خطب طويلة.

فهل تترك لمن يخلفك شيئًا من هذا التواضع؟ وهل تسمح للأجيال أن تجد مساحة تنافسك فيها في سعة الصدر، ونبل المقصد، وقوة الإدراك، وفطنة القاضي، وحكمة المسؤول، وإنسانية الرجل؟

إنني أرجو ذلك؛ فالأوطان لا تحتاج إلى رجال يستحيل الاقتداء بهم، بل إلى رجال يفتحون لمن بعدهم أبواب الفضيلة، ويجعلون من أخلاقهم معيارًا للتنافس الشريف، ومن نزاهتهم درسًا في المسؤولية، ومن تواضعهم برهانًا على أن عظمة الإنسان لا تُقاس بارتفاعه فوق الناس، وإنما بقدرته على الوقوف إلى جوارهم.

تحية للقاضي جمال المكعبي؛ لجمال لا يسكن الاسم وحده، ولتواضع يرفع صاحبه، ولعقل يتبصر، وضمير يستشعر أمانة المسؤولية، ورجاء بأن يظل القضاء في وطننا حصنًا للحقوق، وملاذًا للمظلومين، ووجهًا مشرقًا لدولة النظام والقانون.