شهد قطاع الذكاء الاصطناعي هزة جديدة في أروقته القيادية، عقب إعلان ديفيد روبنسون، قائد تقارير السلامة والأمان في شركة أوبن إيه آي عن استقالته الرسمية من منصبه، مترافقا مع تحذيرات حادة علنية أكد فيها أن الثقافة التنظيمية داخل الشركة التي تقود ثورة الذكاء الاصطناعي أصبحت "معتلة".
ويرى المحللون في قطاع التقنية أن استقالة روبنسون ليست حدثا معزولا، بل هي امتداد لـ "تآكل مستمر" في جبهة الأمان داخل مجتمع الذكاء الاصطناعي، وذلك أن مغادرته تأتي بالتزامن مع إعلان الشركة قبل أيام إنهاء خدمات 3 باحثين بسبب تسريب معلومات حساسة، وبعد أشهر قليلة من استقالة رئيس أنظمة السلامة السابق يوهانيس هايديكي، وقبلهما قادة فريق "التوائم الفائق" (Superalignment) مثل إيليا سوتسكيفر ويان لايك، الذين غادروا جميعهم بذات الحجة: تقديم الطابع التجاري والربحي على حساب أبحاث الأمان الجوهرية.
وتكتسب استقالة روبنسون -الذي يتولى مسؤولية إعداد وتقييم التقارير الأمنية المصاحبة لكل إطلاق لنماذج شات جي بي تي الجديدة- أهمية خاصة، إذ أتبعها بنشر مقال تفصيلي عبر مجلة "ذا أتلانتيك" تحت عنوان "أستقيل من أوبن إيه آي لأن ثقافتها معتلة"، أوضح فيه أن السباق المحموم والانتقال السريع من إطلاق منتج إلى آخر تسببا في إخفاق الشركة في تحقيق أدنى مستويات الحذر المطلوبة لضمان سلامة هذه التقنيات.
وكتب روبنسون يقول: "أتفق مع الموظفين الآخرين الذين غادروا مؤخرا على أن الشركات التي تُطوّر هذه التقنية لا تتوخى الحذر الكافي. لكنني أعتقد أننا بحاجة إلى النظر إلى ما هو أبعد من مجرد قواعد محددة أو قوانين جديدة. نحن بحاجة إلى مناقشة ثقافة الشركة".
واستشهد المسؤول المستقيل بأحداث ناتجة عن السلوكيات الذاتية للذكاء الاصطناعي، مثل الحادثة التي شن فيها "سرب" من وكلاء أوبن إيه آي المطورين ذاتيا هجوما غير محدد الأهداف على منصة "هاغينغ فيس" دون أي تدخل أو إشراف بشري، مؤكدا أن هذه الحوادث لم تعد استثنائية، بل أصبحت شائعة وتجسد الطبيعة العشوائية التي يُدار بها هذا القطاع.
وأوضح أنه يتوجب على شركات التقنية المتقدمة أن تُدار بنفس الصرامة وطبقات الأمان المتعددة المتبعة في إشراف وتحديث المفاعلات النووية أو تنظيم حركة الطيران في المطارات المزدحمة، حيث يضمن التخطيط الدقيق منع خطأ بشري بسيط من التسبب في كارثة محققة.
وأضاف أن وادي السيليكون يفتقر إلى الوعي بـ "كيفية التعامل مع التكنولوجيا الخطيرة" و"ما يعنيه الاهتمام بالناس"، وقال محذرا: "تخيل وجود وكلاء ذكاء اصطناعي ‘مارقين’ يعملون مثل فرق من قراصنة الإنترنت ولكن دون الحاجة إلى النوم أبدا".
وتعكس هذه الظاهرة المتكررة في جوهرها أزمة بنوية داخل بيئة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الفائقة؛ تتلخص في الصراع الاحتدامي بين الرغبة في تحسين نتائج الربع المالي والهيمنة على الأسواق بالوصول المبكر للذكاء الاصطناعي العام، وبين صدمة الفرق البحثية المختصة بالأمان أمام خطورة النماذج الذاتية المحمولة بخصائص اختراق سيبراني غير محكومة.
ومع غياب الأطر التنظيمية الحازمة من قبل الحكومات، بات التوتر بين صانعي هذه التقنيات وحراس أمانها صراعا مفتوحا يخرج للعلن في كل مرة يقرر فيها أحدهم التخلي عن منصبه ورفع ناقوس الخطر.