آخر تحديث :الجمعة-30 أكتوبر 2026-11:01م

مقالات


الموسوعة القضائية والفقهية والعلمية مقارنة بالفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء الفقهاء وآراء المؤلف مختار راجح

الموسوعة القضائية والفقهية والعلمية مقارنة بالفقه الإسلامي والقضاء المصري وآراء الفقهاء وآراء المؤلف مختار راجح

الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - 09:44 م بتوقيت عدن

- تأليف وبحث: المستشار والباحث مختار راجح


# دراسة تأصيلية تحليلية مقارنة

## الأمر الجنائي (الأمر الجزائي) في قانون الإجراءات الجزائية اليمني

### مفهومه، طبيعته القانونية، أساسه التشريعي، سلطة إصداره، حالات اللجوء إليه، أصحاب الحق في طلبه، إجراءاته، حجيته، قوته التنفيذية، وطرق الاعتراض عليه والطعن فيه

---

# المقدمة

تقوم العدالة الجنائية على منظومة متكاملة من القواعد التي لا تستهدف مجرد معاقبة مرتكب الجريمة، وإنما تستهدف الوصول إلى الحقيقة من خلال إجراءات مشروعة، توازن بين حق المجتمع في العقاب، وحق المتهم في الدفاع، وحق المجني عليه في الحماية والإنصاف.

ومن هذا المنطلق، لم يكن تنظيم الإجراءات الجزائية مجرد تحديد لمراحل التحقيق والمحاكمة، وإنما كان في حقيقته تنظيماً للسلطات التي تمارسها الدولة، وتحديداً للحدود الفاصلة بين سلطة الاتهام وسلطة التحقيق وسلطة الحكم والتنفيذ.

ومن الأنظمة التي أثارت نقاشاً فقهياً وقضائياً نظام الأمر الجنائي أو الأمر الجزائي، الذي عرفته بعض التشريعات باعتباره طريقاً مبسطاً للفصل في أنواع محددة من الجرائم، دون المرور بجميع مراحل المحاكمة التقليدية.

وقد استهدف هذا النظام تحقيق السرعة الإجرائية، وتخفيف العبء عن المحاكم، وتوفير الوقت والجهد في الجرائم التي لا تستدعي بطبيعتها محاكمة مطولة.

إلا أن هذه الغاية، مهما بلغت أهميتها، لا يجوز أن تكون سبباً في تجاوز ضمانات المحاكمة العادلة، أو منح جهة من الجهات سلطة لم يقررها لها القانون.

ومن هنا تظهر أهمية دراسة الأمر الجزائي في التشريع اليمني؛ إذ إن المشرع أورد هذا المصطلح في المادة (40) من قانون الإجراءات الجزائية رقم (13) لسنة 1994م، في سياق الإجراءات القاطعة لمدة عدم سماع الدعوى، كما نظم في المادتين (301) و(302) الإجراءات الموجزة.

وهذا يثير مجموعة من التساؤلات القانونية:

- ما المقصود بالأمر الجنائي أو الجزائي؟
- هل يعد حكماً قضائياً أم قراراً إجرائياً؟
- من يملك سلطة إصداره؟
- هل يجوز للنيابة العامة إصداره؟
- هل يملك القاضي إصداره دون محاكمة؟
- ما الجرائم التي يجوز أن يصدر بشأنها؟
- هل يملك المتهم أو المجني عليه طلب إصداره؟
- ما الفرق بينه وبين الإجراءات الموجزة؟
- ما مدى حجيته وقوته التنفيذية؟
- ما طريق الاعتراض عليه؟
- ما أثر الاعتراض على تنفيذه؟
- ما أثر صدوره من جهة غير مختصة؟

هذه الأسئلة تمثل محور الدراسة، التي لا تقف عند التعريف النظري، بل تمتد إلى تحليل الاختصاص والتكييف الإجرائي والآثار القانونية، مع المقارنة بالفقه الإسلامي والقضاء المصري، وتقديم آراء المؤلف مختار راجح.

# الباب الأول
## التأصيل المفاهيمي والقانوني للأمر الجنائي

## المبحث الأول: مفهوم الأمر الجنائي وتعريفه

### المطلب الأول: التعريف اللغوي والاصطلاحي

الأمر في اللغة هو الطلب أو الشأن أو التكليف، أما الجنائي فيتصل بالأفعال التي يجرمها القانون ويرتب عليها عقوبة.

وفي الاصطلاح الإجرائي، يقصد بالأمر الجنائي أو الجزائي ذلك التصرف الذي يجيز القانون بمقتضاه لجهة محددة الفصل في بعض الجرائم بطريق مبسط، دون اتباع إجراءات المحاكمة التقليدية بكامل مراحلها، متى توافرت الشروط التي حددها المشرع.

ويقوم هذا التعريف على عناصر أساسية:

1. وجود نص تشريعي يجيز هذا الطريق.
2. تحديد الجهة المختصة بإصداره.
3. تحديد الجرائم التي يجوز أن يشملها.
4. تحديد العقوبات أو التدابير التي يجوز أن يتضمنها.
5. تنظيم كيفية إصداره وإعلانه.
6. تحديد حق الاعتراض عليه والجهة المختصة بالفصل في الاعتراض.
7. بيان أثر الاعتراض على نهائيته وتنفيذه.

فإذا تخلف السند التشريعي، فلا يجوز إنشاء نظام للأمر الجنائي بمجرد الاجتهاد أو القياس.

### المطلب الثاني: التعريف الفقهي

يمكن تعريف الأمر الجنائي بأنه:

إجراء جزائي استثنائي ومبسط، يصدر عن جهة منحها القانون اختصاصاً خاصاً، بقصد الفصل في جرائم محددة، وفق شروط وإجراءات وضمانات مقررة تشريعياً، مع تمكين صاحب الشأن من الاعتراض عليه بالطريق الذي رسمه القانون.

ويكشف هذا التعريف عن أن الأمر الجنائي ليس مجرد قرار إداري، ولا هو حكم تقليدي يصدر بعد محاكمة كاملة، وإنما نظام خاص تتحدد طبيعته وآثاره بحسب التشريع الذي ينظمه.

### المطلب الثالث: الغاية من نظام الأمر الجنائي

تتمثل الغاية في أربعة اعتبارات:

**أولاً: سرعة الفصل في الجرائم البسيطة.**

فليس من الحكمة أن تستغرق جميع المخالفات والجرائم محدودة الخطورة الوقت والجهد نفسيهما اللذين تستغرقهما الجرائم الجسيمة.

**ثانياً: تخفيف العبء عن المحاكم.**

إذ يسمح النظام بتوجيه وقت القضاة إلى القضايا التي تستدعي تحقيقاً ومرافعة ومناقشة موسعة.

**ثالثاً: تحقيق الاقتصاد الإجرائي.**

بما يقلل النفقات والتأخير، دون الإخلال بالضمانات الأساسية.

**رابعاً: تحقيق العدالة الناجزة.**

فالعدالة المتأخرة قد تفقد جانباً من أثرها، لكن السرعة التي تتجاوز حقوق الدفاع لا تكون عدالة.

## المبحث الثاني: الطبيعة القانونية للأمر الجنائي

تتعدد الطبيعة القانونية للأمر الجنائي بحسب التشريع.

فقد يكون:

1. أمراً قضائياً يصدره القاضي بناءً على طلب النيابة العامة.
2. أمراً يصدره عضو النيابة العامة إذا منحه القانون سلطة خاصة.
3. أمراً ذا طبيعة قضائية مبسطة تترتب عليه آثار الحكم عند استيفاء شروطه القانونية.

ولا يجوز تعميم أحد هذه الأنظمة على جميع التشريعات.

### المطلب الأول: هل الأمر الجنائي حكم قضائي؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمعزل عن النص المنظم له.

فإذا كان القانون قد منح القاضي سلطة إصداره، وحدد آثاره، وجعل الاعتراض عليه سبباً لإعادة نظر الدعوى، فإنه يكتسب طبيعة قضائية خاصة.

أما إذا صدر عن النيابة العامة في حدود اختصاص استثنائي، فإن طبيعته تتحدد وفق النص الذي أجاز صدوره، ولا يصبح حكماً قضائياً لمجرد اشتماله على عقوبة.

### المطلب الثاني: الفرق بين القرار والأمر والحكم

القرار قد يصدر من النيابة العامة أو المحكمة في نطاق اختصاصهما الإجرائي.

والأمر قد يكون تصرفاً قضائياً أو إجرائياً، بحسب مصدره وسنده القانوني.

أما الحكم فهو ما تصدره المحكمة للفصل في الخصومة أو في مسألة قضائية معروضة عليها.

والعبرة ليست بالاسم الذي يحمله التصرف، وإنما بحقيقته ومصدره وأساسه التشريعي وآثاره.

### المطلب الثالث: الطبيعة الاستثنائية للنظام

الأمر الجنائي طريق استثنائي بالنسبة إلى المحاكمة التقليدية؛ ولذلك لا يجوز التوسع في تفسيره أو القياس عليه لإنشاء اختصاصات أو عقوبات لم يقررها القانون.

فالاستثناء لا يُتوسع فيه بما يؤدي إلى إهدار الأصل.

# الباب الثاني
## موقف التشريع اليمني من الأمر الجنائي

## المبحث الثالث: الأساس التشريعي للأمر الجزائي في القانون اليمني

### المطلب الأول: دلالة المادة (40)

أوردت المادة (40) من قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم (13) لسنة 1994م الأمر الجزائي ضمن الإجراءات التي يترتب عليها قطع مدة عدم سماع الدعوى الجزائية.

وتكمن أهمية هذا النص في اعتراف المشرع بالمصطلح في سياق ترتيب أثر قانوني يتعلق بالتقادم.

لكن يجب التمييز بين أمرين:

الأول: ورود المصطلح في نص تشريعي وترتيب أثر قانوني عليه.

الثاني: وجود نظام تشريعي مستقل ومتكامل يحدد سلطة إصداره وشروطه وإجراءاته والجرائم التي يشملها وطرق الاعتراض عليه.

ولا يلزم من ثبوت الأمر الأول افتراض اكتمال الأمر الثاني.

فالنص الذي يقرر أثراً قانونياً لإجراء معين لا يكفي وحده لإنشاء جميع الأحكام المتعلقة بذلك الإجراء.

### المطلب الثاني: حدود التفسير التشريعي

لا يجوز إنشاء اختصاص جزائي عن طريق القياس، ولا يجوز استنتاج سلطة إصدار العقوبة من مجرد ورود المصطلح في نص متعلق بالتقادم.

فالاختصاص من النظام القانوني الذي يجب أن يستند إلى نص يمنح الجهة سلطتها ويحدد حدودها.

وإذا لم يوجد نص يقرر للنيابة العامة سلطة إصدار أمر بالإدانة والعقوبة في حالة معينة، فلا يجوز استحداث هذه السلطة عن طريق التفسير الموسع.

### المطلب الثالث: المواد المرتبطة بالموضوع

تتصل بدراسة الأمر الجزائي مجموعة من النصوص في قانون الإجراءات الجزائية، ومن أهمها:

- المادة (2): التعريفات والتقسيمات المتعلقة بالجريمة الجسيمة وغير الجسيمة.
- المادة (4): أصل البراءة وضمانات المحاكمة القانونية.
- المادة (8): التحقق من وقوع الجريمة وأسبابها وظروفها.
- المادة (9): ضمانات الدفاع.
- المادة (20): قابلية الأعمال والقرارات والأحكام للطعن وفق الطرق المقررة قانوناً.
- المادة (21): اختصاص النيابة العامة بتحريك الدعوى الجزائية ورفعها ومباشرتها.
- المادة (40): الأمر الجزائي ضمن الإجراءات القاطعة لمدة عدم سماع الدعوى.
- المواد (113) وما يتصل بها: التصرف في محاضر جمع الاستدلالات.
- المواد (217–228): التصرف في التحقيق والطعن في بعض الأوامر والقرارات.
- المادتان (301) و(302): الإجراءات الموجزة.
- المادتان (396) و(397): البطلان الإجرائي.
- المادة (411) وما بعدها: القواعد المتعلقة بالطعن في الأحكام والقرارات.

ويجب قراءة كل مادة في نطاق موضوعها، وعدم نقل أثرها إلى نظام آخر لمجرد التشابه في الألفاظ.

## المبحث الرابع: الإجراءات الموجزة في القانون اليمني

### المطلب الأول: مفهوم الإجراءات الموجزة

الإجراءات الموجزة طريق للمحاكمة يتسم باختصار بعض المراحل والإجراءات، مع بقاء سلطة الفصل في الدعوى للمحكمة.

وقد نظم المشرع اليمني هذا الطريق في المادتين (301) و(302).

وهذا النظام قريب من الأمر الجنائي من حيث الغاية، ولكنه يختلف عنه من حيث البناء القانوني.

### المطلب الثاني: الصلح في الجرائم التي أجازها القانون

قررت المادة (301) جواز إجراء النيابة العامة صلحاً في الجرائم التي لا تتجاوز العقوبة فيها الغرامة، وكذلك الجرائم المعاقب عليها بالأرش، وفق الشروط الواردة في النص، وبما يتطلبه من رضا الطرفين.

وهذا الصلح ليس حكماً بالإدانة، ولا يمثل أمراً جنائياً بالمعنى الفني.

بل هو طريق للتصرف في الدعوى وفق شروط الصلح التي أجازها المشرع.

### المطلب الثالث: الإحالة إلى المحكمة بالإجراءات الموجزة

إذا لم يتحقق الصلح، أجاز النص تقديم القضية إلى المحكمة بالإجراءات الموجزة متى كان المتهم معترفاً بذنبه، وكانت الجريمة غير جسيمة، وكانت المحاكمة ممكنة بصورة مباشرة.

وهذه الشروط متكاملة، ولا يجوز الاكتفاء بواحد منها.

فلا يكفي اعتراف المتهم وحده، ولا يكفي كون الجريمة غير جسيمة وحده، بل يجب أن تكون القضية صالحة للفصل المباشر.

### المطلب الرابع: سلطة المحكمة في إصدار الحكم

تتولى المحكمة نظر القضية وفق المادة (302)، وتبدأ بالإجراءات المقررة فيها، ومن ذلك تلاوة الاتهام شفوياً وإثبات جوهره في محضر الجلسة.

ثم تفصل في الدعوى بحسب ما يثبت لديها.

فإذا ثبتت الجريمة، أصدرت حكمها بالإدانة والعقوبة المقررة، وإذا لم تثبت، أصدرت حكمها بالبراءة.

ومن هنا يتضح أن الإجراءات الموجزة لا تنقل سلطة الحكم إلى النيابة العامة.

فالنيابة تحيل، والمحكمة تفصل.

# الباب الثالث
## سلطة إصدار الأمر الجنائي والجهات المختصة

## المبحث الخامس: من يملك سلطة إصدار الأمر الجنائي؟

### المطلب الأول: سلطة النيابة العامة

تتولى النيابة العامة تحريك الدعوى الجزائية ورفعها ومباشرتها وفق المادة (21).

كما تمارس سلطاتها في التحقيق والتصرف في الدعوى وفق النصوص المقررة في القانون.

ومن هذه السلطات:

1. مباشرة التحقيق.
2. جمع الأدلة وتقديرها.
3. اتخاذ القرارات المتعلقة بالتصرف في التحقيق.
4. إصدار الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى في الحالات المقررة.
5. إحالة القضية إلى المحكمة المختصة.
6. مباشرة الصلح في الحدود التي أجازها القانون.

لكن هذه السلطات لا تعني أن النيابة العامة تملك سلطة الحكم بالإدانة والعقوبة بصورة عامة.

فالنيابة العامة جهة اتهام وتحقيق وتصرف في الدعوى، أما الحكم في الإدانة والبراءة فهو من اختصاص المحكمة.

### المطلب الثاني: سلطة المحكمة

تختص المحكمة بالفصل في الدعوى الجزائية وفق القانون.

وتشمل سلطتها:

- التحقق من صحة الاتهام.
- سماع الأدلة ومناقشتها.
- تمكين المتهم من الدفاع.
- تطبيق النص القانوني على الواقعة.
- إصدار حكم الإدانة أو البراءة.
- الفصل في الطلبات التي تدخل في اختصاصها.

ولا يجوز إسناد سلطة الحكم إلى جهة أخرى إلا بنص تشريعي واضح.

### المطلب الثالث: سلطة القاضي في إصدار الأمر الجنائي

في التشريعات التي تنظم الأمر الجنائي، قد يمنح القانون القاضي سلطة إصداره دون اتباع المحاكمة التقليدية.

ولكن هذه السلطة لا يجوز افتراض وجودها في القانون اليمني لمجرد أن تشريعات أخرى قررتها.

فلا بد من نص يحدد نطاقها والجرائم التي تشملها والعقوبات التي يجوز تضمينها فيها.

### المطلب الرابع: أثر صدور الأمر من جهة غير مختصة

إذا أصدرت جهة أمراً يتضمن عقوبة دون أن يكون لها اختصاص تشريعي بذلك، فإن الأمر يثير عيباً يتعلق بمشروعية الاختصاص.

ولا يكفي أن يكون الأمر مكتوباً أو موقعاً أو مختوماً حتى يصبح مشروعاً.

فالشكل لا ينشئ الاختصاص، والتوقيع لا يصحح غياب الولاية، والتنفيذ لا يحول التصرف غير المشروع إلى حكم صحيح.

# الباب الرابع
## حالات اللجوء إلى الإجراءات الموجزة وشروطها

## المبحث السادس: الجرائم التي يجوز فيها اتباع الإجراءات الموجزة

### المطلب الأول: الجرائم المعاقب عليها بالغرامة

أجازت المادة (301) الصلح في الجرائم التي لا تتجاوز العقوبة فيها الغرامة، وفق الشروط القانونية.

ويجب التمييز بين الصلح وبين المحاكمة الموجزة؛ لأن الصلح ينهي النزاع في الحدود التي أجازها القانون، أما المحاكمة الموجزة فتظل محاكمة قضائية.

### المطلب الثاني: الجرائم المعاقب عليها بالأرش

أجاز النص الصلح في الجرائم المعاقب عليها بالأرش.

ويجب مراعاة طبيعة الحق المتعلق بالأرش، وصفة صاحب الحق، ومدى توافر الشروط الشرعية والقانونية للتصرف فيه.

### المطلب الثالث: الجرائم غير الجسيمة

يعد وصف الجريمة بأنها غير جسيمة أحد الشروط التي يتطلبها طريق المحاكمة الموجزة.

وقد عرّفت المادة (2) من قانون الإجراءات الجزائية تقسيم الجرائم بحسب العقوبة المقررة لها.

ويترتب على هذا التقسيم آثار تتعلق بالإجراءات والاختصاص والضمانات.

لكن عدم جسامة الجريمة لا يعني أن القضية تصلح تلقائياً للفصل الموجز.

فقد تكون الجريمة غير جسيمة، ومع ذلك تستدعي تحقيقاً موسعاً بسبب تعارض الأدلة أو تعدد المتهمين أو الحاجة إلى خبرة فنية.

### المطلب الرابع: الجرائم الجسيمة

لا يجوز إدخال الجرائم الجسيمة في نطاق الإجراءات الموجزة المنصوص عليها في المادة (301)، لمجرد اعتراف المتهم أو اتفاق الأطراف.

فالجسامة تتصل بطبيعة الجريمة والعقوبة المقررة لها، ولا يجوز تجاوز الضمانات التي رتبها القانون على هذا الوصف.

### المطلب الخامس: تعدد الجرائم والارتباط بينها

إذا تعددت الجرائم المنسوبة إلى المتهم، وجب تحديد الوصف القانوني لكل منها.

كما يجب بحث الارتباط بين الجرائم، ومدى تأثيره على الاختصاص والإجراءات.

ولا يجوز تجزئة الواقعة أو إعادة توصيفها بقصد الالتفاف على القيود التشريعية المفروضة على الإجراءات الموجزة.

## المبحث السابع: شروط المحاكمة الموجزة

تتمثل الشروط الأساسية المستفادة من المادة (301) في:

**أولاً: اعتراف المتهم بذنبه.**

ويجب أن يكون الاعتراف واضحاً وصريحاً وصادراً عن إرادة حرة.

ولا يجوز بناء الإجراء على اعتراف منتزع بالإكراه أو التهديد.

**ثانياً: عدم جسامة الجريمة.**

ويجب أن تكون الجريمة داخلة في نطاق الجرائم التي أجاز القانون اتباع الإجراءات الموجزة بشأنها.

**ثالثاً: صلاحية القضية للفصل المباشر.**

فإذا استدعت القضية تحقيقاً موسعاً، أو مناقشة شهود متعددين، أو خبرة فنية، أو فحص أدلة متعارضة، فقد انتفت ملاءمة الطريق الموجز.

**رابعاً: عدم الإخلال بحق الدفاع.**

فلا يجوز أن يتحول الاختصار الإجرائي إلى وسيلة لحرمان المتهم من ضماناته.

# الباب الخامس
## أصحاب الحق في طلب الأمر الجزائي والصلح والإجراءات الموجزة

## المبحث الثامن: من يملك طلب إصدار الأمر الجنائي؟

تختلف الإجابة بحسب النظام التشريعي المقصود.

ففي التشريعات التي تنظم الأمر الجنائي قد يملك طلبه عضو النيابة العامة، وقد يملك القاضي إصداره من تلقاء نفسه أو بناءً على الطلب، بحسب النص.

أما في القانون اليمني، فلا يجوز افتراض وجود حق مستقل في طلب إصدار أمر جنائي وفق نظام غير منظم بنصوص تفصيلية واضحة.

ويجب التفريق بين طلب إصدار الأمر الجنائي وبين الحقوق الإجرائية الأخرى.

### المطلب الأول: النيابة العامة

تملك النيابة العامة التصرف في الدعوى وتحريكها وإحالتها إلى المحكمة وفق القانون.

كما تملك مباشرة الصلح في الحالات التي أجازتها المادة (301).

ولا يجوز تجاوز هذه السلطات إلى إصدار عقوبة جزائية دون سند تشريعي.

### المطلب الثاني: المتهم

للمتهم أن يوافق على الصلح متى كان القانون يجيزه.

وله أن يعترف بالفعل المنسوب إليه، بشرط أن يكون الاعتراف صحيحاً وصادراً عن إرادة حرة.

وله كذلك أن يتمسك بحقوق الدفاع وأن يناقش الأدلة وأن يطلب اتباع الإجراءات التي يكفلها القانون.

ولا يعني الاعتراف أن المتهم يتنازل عن جميع ضماناته القانونية.

### المطلب الثالث: المجني عليه

للمجني عليه الحقوق التي قررها القانون في تحريك الدعوى ومباشرة المطالبات المتعلقة بالحق الشخصي، وفي الصلح في الحالات التي يجوز فيها ذلك.

كما يملك الطعن في بعض قرارات النيابة العامة متى توافرت له الصفة والمصلحة.

### المطلب الرابع: المدعي بالحق الشخصي والمدعي بالحقوق المدنية

يجب التمييز بين الحق الشخصي الناشئ عن الجريمة والحق المدني المترتب عليها.

فلكل منهما أحكامه وحدوده.

ولا يترتب على صفة المجني عليه أو المدعي بالحقوق المدنية منحه سلطة إصدار أمر جنائي أو فرض عقوبة.

# الباب السادس
## حق الاعتراض والطعن والرقابة القضائية

## المبحث التاسع: الفرق بين الاعتراض والطعن والتظلم

تتشابه هذه المصطلحات في الاستعمال العملي، لكنها تختلف من الناحية الإجرائية.

**الاعتراض:** طريق يقرره القانون لمواجهة أمر معين، وقد يؤدي إلى إعادة نظر الدعوى وفق النظام الذي يحكمه.

**الطعن:** وسيلة قانونية لمراجعة القرار أو الحكم أمام الجهة التي حددها القانون.

**التظلم:** طلب يقدم إلى الجهة المختصة لمراجعة تصرف أو قرار، ولا يكون طريقاً قضائياً مستقلاً إلا إذا قرره القانون.

ومن ثم فإن تحديد الطريق الصحيح لا يكون بمجرد اختيار التسمية، وإنما بمعرفة طبيعة القرار ومصدره والنص المنظم له.

## المبحث العاشر: الطعن في قرارات النيابة العامة

### المطلب الأول: الطعن في الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى

قررت المادة (224) حق المدعي بالحقوق الشخصية أو المدنية في الطعن في الأوامر الصادرة من النيابة العامة بألا وجه لإقامة الدعوى أمام محكمة الاستئناف، وفق الشروط القانونية.

وهذا الطريق يحقق الرقابة القضائية على تصرف النيابة العامة، ويمنع إهدار حقوق المتضرر دون مراجعة قضائية.

### المطلب الثاني: الطعن في أوامر الحبس الاحتياطي

قررت المادة (225) حق المتهم في الطعن في الأوامر الصادرة بحبسه احتياطياً.

وتظهر أهمية هذا الحق في أن الحبس الاحتياطي إجراء يمس الحرية الشخصية، ولذلك لا يجوز أن يكون بمنأى عن الرقابة القضائية.

### المطلب الثالث: الطعن في مسائل الاختصاص

أجازت المادة (225) للخصوم الطعن في الأوامر المتعلقة بالاختصاص وفق أحكام القانون.

وهذا الحق يتصل بمبدأ جوهري؛ وهو أن كل جهة قضائية يجب أن تلتزم حدود الولاية التي منحها لها المشرع.

### المطلب الرابع: الطعن في أوامر الإفراج

نظمت المادة (226) حق النيابة العامة في الطعن في الأمر الصادر بالإفراج عن المتهم المحبوس احتياطياً، وفق الشروط المقررة.

ويجب مراعاة أن الطعن في الإفراج يختلف عن الطعن في الحبس، سواء من حيث صاحب الحق أو الميعاد أو الأثر.

## المبحث الحادي عشر: مواعيد الطعن وإجراءاته

نظمت المواد (227) و(228) و(229) مواعيد الطعن وإجراءاته في الأوامر التي حددتها النصوص.

ومن أبرز الأحكام الواردة فيها:

1. ميعاد الثلاثة أيام للطعن في أمر الإفراج من جانب النيابة العامة، وفق النص.
2. ميعاد العشرة أيام للطعن في الأوامر الأخرى المشمولة بالمادة (225)، من تاريخ إعلان الخصوم.
3. تقديم الطعن بتقرير في دائرة الكتاب بالنيابة العامة أو بمحكمة الاستئناف المختصة.
4. فصل محكمة الاستئناف في الطعن على وجه الاستعجال وفق الإجراءات المقررة.
5. مراعاة أثر الطعن على تنفيذ الأمر، بحسب نوع الأمر والنص المنظم له.

ولا يجوز تعميم هذه المواعيد على كل أمر يسمى أمراً جزائياً؛ لأن لكل طريق طعن نطاقه وشروطه.

## المبحث الثاني عشر: هل الاعتراض يوقف تنفيذ الأمر؟

هذه المسألة من أهم المسائل العملية.

والأصل أن أثر الاعتراض على التنفيذ يتحدد بالنص الذي ينظم الأمر.

فقد يقرر القانون أن الاعتراض يوقف التنفيذ، وقد يقرر خلاف ذلك، وقد يربط التنفيذ بانقضاء ميعاد الطعن دون استعماله.

ولذلك يجب عدم افتراض أن مجرد تقديم التظلم أو الاعتراض يوقف التنفيذ في جميع الحالات.

كما لا يجوز للجهة المنفذة أن تنفذ أمراً لم يكتسب القوة التنفيذية التي يشترطها القانون.

ويتعين التحقق من:

- طبيعة الأمر.
- الجهة التي أصدرته.
- النص الذي استند إليه.
- تاريخ إعلانه.
- ميعاد الاعتراض.
- ما إذا كان الاعتراض قد قدم.
- الأثر الذي رتبه القانون على الاعتراض.
- مدى توافر شروط التنفيذ.

# الباب السابع
## التمييز بين الأمر الجنائي وسائر الأوامر والقرارات الجزائية

## المبحث الثالث عشر: الأمر الجنائي والأمر بالحفظ

الأمر بالحفظ يتعلق بالتصرف في محاضر جمع الاستدلالات، ولا يمثل حكماً بالإدانة.

وقد نظم القانون هذا التصرف في المادة (113) وما يتصل بها.

كما قرر طريقاً للطعن في أمر الحفظ أمام المحكمة المختصة وفق الشروط والمواعيد التي حددها النص.

والفرق الجوهري أن أمر الحفظ ينهي أو يوقف السير في الإجراءات في نطاقه القانوني، بينما الأمر الجنائي في التشريعات التي تنظمه قد يتضمن الفصل المبسط في الاتهام وتقرير عقوبة.

## المبحث الرابع عشر: الأمر الجنائي والأمر بألا وجه لإقامة الدعوى

نظم المشرع الأمر بألا وجه لإقامة الدعوى في المادة (218).

ويصدر بعد التحقيق عندما يتبين للنيابة العامة أن الواقعة لا يعاقب عليها القانون أو أنها غير صحيحة أو أن الأدلة غير كافية، وفق الحالات التي حددها القانون.

أما الأمر الجنائي في التشريعات المنظمة له فيتصل بالفصل المبسط في الاتهام.

وبالتالي فإن الأول يتعلق بعدم السير في الدعوى أو إنهائها وفق شروطه، بينما الثاني يتعلق بآلية خاصة للفصل في الدعوى.

## المبحث الخامس عشر: الأمر الجنائي وقرار الإحالة

قرار الإحالة المنصوص عليه في المادة (221) هو إجراء تنقل به النيابة العامة الدعوى إلى المحكمة المختصة عندما ترى توافر الأدلة التي ترجح إدانة المتهم.

ولا يتضمن قرار الإحالة حكماً بالإدانة، ولا يثبت وحده مسؤولية المتهم الجنائية.

فالإحالة اتهام مؤسس على أدلة، أما الإدانة فهي نتيجة قضائية لا تتحقق إلا بحكم المحكمة وفق القانون.

## المبحث السادس عشر: الأمر الجنائي والإجراءات الموجزة

هذا التمييز من أهم النتائج التي تنتهي إليها الدراسة.

فالأمر الجنائي في النظام الذي ينظمه المشرع قد يصدر دون محاكمة تقليدية، بينما الإجراءات الموجزة في القانون اليمني تظل محاكمة قضائية، وإن اختصرت بعض إجراءاتها.

وفي الأولى تتحدد سلطة الإصدار وفق النظام التشريعي الخاص.

وفي الثانية تحيل النيابة العامة القضية، وتتولى المحكمة الفصل فيها.

ولذلك لا يجوز تسمية كل محاكمة موجزة أمراً جنائياً، ولا اعتبار كل قرار صادر عن النيابة العامة أمراً جزائياً.

# الباب الثامن
## الحجية والقوة التنفيذية والتقادم

## المبحث السابع عشر: حجية الأمر الجنائي

الحجية أثر قانوني يرتبه المشرع على التصرف القضائي متى استوفى شروطه.

ولا يجوز الخلط بين حجية الحكم وبين مجرد وجود قرار مكتوب أو أمر إداري.

ويجب بحث المسائل الآتية:

1. هل صدر التصرف عن جهة مختصة؟
2. هل يوجد نص يجيز إصداره؟
3. هل توافرت شروطه الموضوعية؟
4. هل استوفيت إجراءاته الشكلية؟
5. هل أعلن إلى صاحب الشأن؟
6. هل انقضى ميعاد الاعتراض؟
7. هل أصبح نهائياً وفق القانون؟
8. هل رتب القانون عليه حجية الحكم؟

فلا يمكن تقرير الحجية دون فحص هذه العناصر.

## المبحث الثامن عشر: القوة التنفيذية للأمر الجنائي

القوة التنفيذية تعني صلاحية السند لتنفيذ ما تضمنه جبراً وفق أحكام القانون.

ولا يكفي أن يحمل الأمر عبارة تنفيذ أو أن يكون موقعاً ومختوماً حتى يصبح قابلاً للتنفيذ.

بل يجب أن يكون:

- صادراً من جهة مختصة.
- قائماً على سند تشريعي.
- مستوفياً شروط الإصدار.
- مستوفياً شروط الإعلان والنهائية متى تطلبها القانون.
- غير موقوف التنفيذ بسبب طعن أو اعتراض له أثر موقف.
- داخلاً في نطاق السندات التي منحها القانون القوة التنفيذية.

**آراء المؤلف مختار راجح:**

القوة التنفيذية ليست صفة شكلية تكتسبها الأوراق بمجرد صدورها، وإنما هي نتيجة قانونية لا تقوم إلا باكتمال شروطها.

فالقرار الذي لا يملك مصدره سلطة إصداره لا يجوز أن يتحول إلى سند عقابي لمجرد تقديمه إلى جهة التنفيذ.

والتنفيذ مرحلة لاحقة على صحة السند، وليس وسيلة لتصحيح عيوبه.

## المبحث التاسع عشر: أثر الأمر الجزائي على التقادم

أوردت المادة (40) الأمر الجزائي ضمن الإجراءات القاطعة لمدة عدم سماع الدعوى الجزائية.

ويقتضي ذلك التمييز بين:

**أولاً: انقطاع المدة.**

ويعني زوال أثر المدة السابقة وبدء حساب مدة جديدة وفق أحكام القانون.

**ثانياً: الإجراء القاطع للمدة.**

يجب أن يكون من الإجراءات التي اعتد بها المشرع، وأن تتوافر فيه شروطها القانونية.

**ثالثاً: أثر الإجراء الباطل.**

إذا كان الإجراء الذي استندت إليه جهة الاتهام قاطعاً للتقادم قد شابه عيب قانوني، وجب بحث مدى تأثير ذلك العيب على أثره.

ولا يصح افتراض أن كل إجراء باطل يقطع التقادم، كما لا يصح افتراض زوال أثر كل إجراء دون تحديد طبيعة البطلان والنص المنظم له.

# الباب التاسع
## البطلان والانعدام بسبب مخالفة الاختصاص

## المبحث العشرون: البطلان الإجرائي

نظمت المادة (396) حالات البطلان، وقررت بطلان الإجراء المخالف للقانون إذا نص القانون صراحة على بطلانه أو كان الإجراء الذي خولف أو أغفل جوهرياً.

أما المادة (397) فقد نظمت البطلان المتعلق بالنظام العام، وأجازت التمسك به وفق أحكامها.

ويجب التمييز بين العيب الشكلي والعيب الجوهري.

فالعيب الشكلي قد لا يؤدي بالضرورة إلى البطلان إذا لم تتحقق شروطه القانونية، بينما قد يؤدي الإخلال بإجراء جوهري إلى بطلان التصرف وما يترتب عليه بحسب القواعد المقررة.

## المبحث الحادي والعشرون: الانعدام ومجاوزة الولاية

الانعدام يثار عندما يكون العيب بالغاً حداً يمس وجود التصرف القانوني أو أساس صدوره.

أما البطلان فيتعلق بوجود إجراء قانوني شابه عيب يستوجب إهدار أثره وفق القانون.

ومن ثم يجب ألا يخلط الباحث بينهما.

فإذا صدر أمر يتضمن عقوبة من جهة لا تملك أصلاً سلطة الحكم أو إصدار هذا النوع من الأوامر، فإن ذلك يثير مسألة تجاوز الاختصاص، ويجب تحديد أثرها وفق النصوص القانونية.

ولا يكفي إطلاق وصف الانعدام على كل مخالفة، كما لا يجوز تخفيض عيب الاختصاص الجوهري إلى مجرد خطأ شكلي.

## المبحث الثاني والعشرون: أثر البطلان على التنفيذ

إذا ثبت بطلان السند أو عدم مشروعية مصدره، وجب بحث أثر ذلك على التنفيذ.

وتختلف النتيجة بحسب طبيعة العيب:

1. بطلان الإجراء الذي صدر عنه الأمر.
2. بطلان الأمر ذاته.
3. عدم اكتساب الأمر القوة التنفيذية.
4. بطلان إجراء من إجراءات التنفيذ.
5. بقاء بعض الإجراءات السابقة صحيحة إذا لم يشملها البطلان.

ولا يجوز افتراض بطلان جميع الإجراءات تلقائياً، بل يجب تحديد مدى اتصال الإجراء الباطل بما سبقه وما لحقه.

# الباب العاشر
## الضمانات الدستورية والجنائية للأمر الجزائي

## المبحث الثالث والعشرون: أصل البراءة

يعد أصل البراءة أساساً من أسس المحاكمة الجنائية.

فالمتهم لا يفقد صفته كإنسان يتمتع بالحقوق والحريات بمجرد توجيه الاتهام إليه.

ولا يجوز افتراض ثبوت الجريمة لمجرد وجود محضر استدلال أو اعتراف غير مستوفٍ لشروطه أو قرار اتهام.

ويجب أن تقوم الإدانة على أساس قانوني وإثبات معتبر.

## المبحث الرابع والعشرون: حق الدفاع

إن حق الدفاع ليس إجراءً ثانوياً يمكن التضحية به لتحقيق السرعة.

بل هو ضمانة أساسية تشمل العلم بالاتهام، وإبداء الأقوال، ومناقشة الأدلة، والاستعانة بمحامٍ، وتقديم المستندات والطلبات وفق القانون.

وإذا كان المشرع قد اختصر بعض إجراءات المحاكمة، فإن ذلك لا يعني إسقاط الحق في الدفاع.

## المبحث الخامس والعشرون: مبدأ شرعية العقوبة

لا عقوبة إلا بنص.

وهذا المبدأ لا يقتصر على تحديد نوع العقوبة ومقدارها، بل يمتد إلى تحديد الجهة المختصة بتوقيعها والطريق الإجرائي الذي تصدر من خلاله.

فلا يجوز توقيع العقوبة عن طريق جهة لا تملك سلطة إصدارها.

ولا يجوز التوسع في تفسير النصوص العقابية والإجرائية بما ينشئ اختصاصاً غير مقرر.

# الباب الحادي عشر
## المقارنة مع الفقه الإسلامي والقضاء المصري

## المبحث السادس والعشرون: الأمر الجزائي في ضوء الفقه الإسلامي

يقوم القضاء في الفقه الإسلامي على ولاية شرعية، وعلى قواعد الإثبات، وسماع الخصوم، وتحقيق العدالة.

وتظهر أهمية هذا التأصيل في التمييز بين سلطة الاتهام وسلطة الحكم.

فليس كل من يرفع الدعوى يملك الفصل فيها، وليس كل من يجمع الأدلة يملك توقيع العقوبة.

### المطلب الأول: ولاية القضاء

ولاية القضاء تقوم على سلطة الفصل في الخصومات وفق الأحكام الشرعية.

ويترتب عليها أن الحكم يجب أن يصدر من صاحب ولاية معتبرة، وفي حدود ما فوض إليه.

### المطلب الثاني: الإقرار

الإقرار من وسائل الإثبات المعروفة في الفقه الإسلامي، لكنه لا يكون صحيحاً إلا بتوافر شروطه.

ولا يجوز إهدار إرادة المقر أو ترتيب أثر على اعتراف منتزع بالإكراه.

كما تختلف أحكام الإقرار بحسب نوع الحق والجريمة.

### المطلب الثالث: الصلح

الصلح مشروع في الحقوق التي يجوز التصرف فيها، لكنه ليس طريقاً عاماً لإسقاط جميع الحقوق أو العقوبات.

فحقوق العباد تختلف عن حقوق الله تعالى، وأحكام القصاص والدية والأرش تختلف عن أحكام الحدود والتعزيرات.

ومن ثم لا يجوز التوسع في المادة (301) بما يؤدي إلى اعتبار الصلح جائزاً في كل جريمة.

### المطلب الرابع: التعزير

تظهر في نظام التعزير مساحة من السلطة التقديرية التي يمارسها ولي الأمر أو القاضي المختص، وفق الضوابط الشرعية.

لكن السلطة التقديرية لا تعني غياب الضوابط أو تجاوز الولاية.

وهذا يلتقي مع أصل المشروعية الإجرائية في القانون الحديث.

## المبحث السابع والعشرون: الأمر الجنائي في القانون المصري

عرف القانون المصري نظام الأمر الجنائي ونظمه بنصوص خاصة في قانون الإجراءات الجنائية.

وتظهر أهمية المقارنة في أن المشرع المصري حدد:

1. الجهة التي تملك إصدار الأمر.
2. الحالات التي يجوز فيها إصداره.
3. الجرائم التي يشملها.
4. العقوبات التي يجوز أن يتضمنها.
5. إجراءات إعلانه.
6. حق الاعتراض عليه.
7. أثر الاعتراض على الأمر.
8. مدى اكتسابه القوة التنفيذية.

وهذه العناصر هي التي تجعل الأمر الجنائي نظاماً إجرائياً مستقلاً، لا مجرد اصطلاح.

### المطلب الأول: اختلاف البنية التشريعية

لا يجوز نقل الأحكام المصرية إلى القضاء اليمني دون وجود نص يمني مماثل.

فلكل تشريع بنيته الخاصة، واختصاصاته، وطرق الطعن فيه.

### المطلب الثاني: المقارنة من حيث سلطة الإصدار

تتحدد سلطة الإصدار في القانون المصري وفق النصوص الخاصة بالأمر الجنائي.

أما في اليمن، فيجب عدم افتراض سلطة مماثلة للنيابة أو القاضي دون سند تشريعي واضح.

### المطلب الثالث: المقارنة من حيث الاعتراض

نظم المشرع المصري طريق الاعتراض على الأمر الجنائي وفق أحكام خاصة.

أما في القانون اليمني فلا يجوز استعارة المواعيد أو الإجراءات المصرية وتطبيقها على الأمر الجزائي لمجرد التشابه في الاسم.

### المطلب الرابع: المقارنة من حيث القوة التنفيذية

تختلف آثار الأمر الجنائي من حيث نهائيته وتنفيذه وفق النظام التشريعي المنظم له.

ولهذا فإن المقارنة الصحيحة تقوم على تحديد النصوص المتناظرة، لا على افتراض وحدة الأحكام.

# الباب الثاني عشر
## التطبيق القضائي والعملي

## المبحث الثامن والعشرون: صور عملية تثير إشكالية الأمر الجنائي

### الصورة الأولى: إصدار النيابة العامة أمراً يتضمن غرامة

إذا أصدرت النيابة العامة أمراً يتضمن غرامة على متهم، فيجب أولاً تحديد ما إذا كان التصرف صلحاً وفق المادة (301)، أم أمراً عقابياً مستقلاً.

فإذا كان صلحاً، وجب التحقق من شروطه ورضا الطرفين.

أما إذا كان يتضمن عقوبة دون سند يجيز للنيابة توقيعها، فإن مشروعيته تكون محل اعتراض.

### الصورة الثانية: اعتراف المتهم أمام النيابة

إذا اعترف المتهم بالفعل، فلا يعني ذلك أن النيابة العامة أصبحت صاحبة سلطة الحكم.

فالاعتراف وسيلة إثبات، وليس مصدراً للاختصاص.

ويجب أن تتوافر الشروط القانونية للانتقال إلى الإجراءات الموجزة إذا أريد اتباعها.

### الصورة الثالثة: صدور أمر دون إعلان المتهم

إذا كان القانون يشترط إعلان الأمر لبدء ميعاد الاعتراض أو ترتيب أثره، فإن عدم الإعلان يثير مسألة عدم بدء الميعاد أو عدم تحقق أثره، بحسب طبيعة النص.

ولا يجوز حرمان المتهم من الاعتراض بسبب ميعاد لم يبدأ قانوناً.

### الصورة الرابعة: تنفيذ أمر قبل نهائيته

إذا تم تنفيذ أمر قبل اكتسابه القوة التنفيذية التي يشترطها القانون، فإن ذلك يثير مسألة مشروعية التنفيذ.

ويجب التحقق من طبيعة الأمر، وما إذا كان الطعن فيه يوقف التنفيذ، وما إذا كانت شروط التنفيذ قد تحققت.

### الصورة الخامسة: صدور أمر من جهة غير مختصة

إذا ثبت أن مصدر الأمر لا يملك الاختصاص، فإن الاعتراض يجب أن يتجه إلى أصل مشروعية التصرف، لا إلى مجرد مخالفته الشكلية.

## المبحث التاسع والعشرون: نموذج التظلم والاعتراض على أمر جزائي

**لدى الجهة القضائية المختصة**

**الموضوع: تظلم واعتراض بشأن أمر جزائي لمخالفته قواعد الاختصاص والمشروعية الإجرائية.**

مقدم التظلم: ..........................

ضد: ..................................

أتقدم بهذا التظلم بشأن الأمر الصادر بتاريخ ............ برقم ............، والمتضمن ............، وذلك للأسباب الآتية:

**أولاً: مخالفة قواعد الاختصاص**

إن الاختصاص بإصدار الأوامر والقرارات الجزائية لا ينشأ بمجرد التسمية، وإنما يستند إلى نص تشريعي يمنح الجهة مصدرة الأمر سلطة اتخاذه.

وحيث إن الأمر محل التظلم لم يوضح السند التشريعي الذي يجيز إصداره، فإن ذلك يستوجب فحص مشروعية الاختصاص قبل ترتيب أي أثر قانوني عليه.

**ثانياً: مخالفة مبدأ الشرعية الإجرائية**

إن المادة (4) من قانون الإجراءات الجزائية تقرر أصل البراءة وضمان المحاكمة وفق القانون.

ومن ثم لا يجوز توقيع عقوبة خارج الطريق الذي رسمه المشرع.

**ثالثاً: الإخلال بحق الدفاع**

إن الإجراءات الجزائية لا يجوز أن تؤدي إلى حرمان المتهم من العلم بالاتهام أو مناقشة الأدلة أو ممارسة حق الدفاع.

**رابعاً: الطلبات**

1. قبول التظلم شكلاً متى استوفى شروطه القانونية.
2. التحقق من السند التشريعي الذي صدر الأمر بموجبه.
3. التحقق من اختصاص الجهة مصدرة الأمر.
4. التحقق من سلامة الإجراءات والإعلان.
5. تقرير الأثر القانوني المترتب على المخالفات التي يثبت وقوعها.
6. إلغاء الأمر أو الحكم ببطلانه متى ثبت موجب ذلك قانوناً.
7. وقف التنفيذ إذا توافرت شروطه القانونية.

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.

مقدم التظلم: ..........................

# الباب الثالث عشر
## آراء المؤلف مختار راجح والتحليل القضائي التأصيلي

بعد دراسة النصوص التشريعية وتحليل طبيعة الأمر الجزائي ومقارنته بالإجراءات الموجزة، أخلص إلى مجموعة من النتائج التي أراها ذات أهمية في تطوير الفقه الإجرائي اليمني.

### الرأي الأول: لا تنشأ السلطة من المصطلح

إن ورود عبارة الأمر الجزائي في المادة (40) لا يكفي وحده لإثبات وجود نظام متكامل لإصداره والاعتراض عليه.

فالمصطلح لا ينشئ الاختصاص، وإنما النص هو الذي ينشئه ويحدد حدوده.

### الرأي الثاني: الفصل بين الاتهام والحكم

إن النيابة العامة تملك تحريك الدعوى والتحقيق والتصرف فيها وفق القانون، لكنها لا تملك سلطة الإدانة والعقوبة لمجرد اختصاصها بالاتهام.

فالخلط بين السلطتين يؤدي إلى اضطراب البناء الإجرائي.

### الرأي الثالث: الإجراءات الموجزة ليست أمراً جنائياً

إن المادتين (301) و(302) نظمتا طريقاً للمحاكمة المختصرة، ولم تنقلا سلطة الفصل في الدعوى من المحكمة إلى النيابة العامة.

ومن ثم فإن وصف هذه الإجراءات بأنها أمر جنائي بالمعنى الفني الدقيق غير صحيح.

### الرأي الرابع: الاعتراف لا ينشئ الاختصاص

قد يكون الاعتراف وسيلة إثبات، وقد يكون شرطاً للانتقال إلى طريق إجرائي مبسط، لكنه لا يمنح جهة الاتهام سلطة الحكم.

فالاختصاص سابق على الاعتراف، ولا ينشأ نتيجة له.

### الرأي الخامس: عدم جسامة الجريمة لا يكفي وحده

إن وصف الجريمة بأنها غير جسيمة لا يعني جواز اختصار المحاكمة في جميع الأحوال.

بل يجب توافر بقية الشروط، وأهمها صلاحية القضية للفصل المباشر وعدم الإخلال بحق الدفاع.

### الرأي السادس: لا يجوز إنشاء ميعاد طعن بالقياس

إن المواعيد التي قررتها المواد (227) وما يتصل بها لا يجوز تعميمها على كل أمر أو قرار.

فلكل طريق طعن ميعاده وشروطه التي يحددها النص.

### الرأي السابع: التسمية لا تمنح الحجية

لا يصبح القرار حكماً لمجرد تسميته حكماً، ولا يصبح الأمر سنداً تنفيذياً لمجرد وصفه بالأمر الجزائي.

إنما تتحدد حجيته وقوته التنفيذية وفق مصدره وسنده التشريعي وشروط نهائيته.

### الرأي الثامن: الاختصاص من ضمانات النظام العام

إن قواعد الاختصاص ليست مجرد تنظيم إداري بين الجهات، بل هي ضمانة أساسية للمتهم وللمجتمع.

فإذا تجاوزت جهة حدود ولايتها، وجب بحث أثر هذا التجاوز وفق قواعد البطلان والاختصاص.

### الرأي التاسع: ضرورة حماية المجني عليه

إن اختصار الإجراءات لا يجوز أن يؤدي إلى إهدار حقوق المجني عليه أو المدعي بالحق الشخصي والمدني.

ويجب أن تظل حقوقهم قائمة في الحدود التي قررها القانون.

### الرأي العاشر: ضرورة تدخل المشرع

أرى أن التشريع اليمني يحتاج إلى تنظيم أكثر تفصيلاً لنظام الأمر الجزائي، يزيل الغموض المتعلق بمصدر الاختصاص وطبيعة الأمر وآثاره وطرق الاعتراض عليه.

# الباب الرابع عشر
## مقترح تشريعي لتطوير نظام الأمر الجزائي في اليمن

أقترح أن يتضمن أي تنظيم تشريعي مستقبلي للأمر الجزائي الأحكام الآتية:

**أولاً: تحديد الاختصاص**

بيان الجهة المختصة بإصداره، وما إذا كان الإصدار من اختصاص القاضي أو النيابة العامة أو كليهما، مع تحديد حدود كل سلطة.

**ثانياً: تحديد الجرائم**

حصر الجرائم التي يجوز أن يشملها الأمر الجزائي، وعدم ترك ذلك لتقدير غير منضبط.

**ثالثاً: تحديد العقوبات**

بيان العقوبات التي يجوز تضمينها في الأمر، ومنع تجاوز الحدود التشريعية المقررة.

**رابعاً: ضمانات الإثبات**

اشتراط توافر أدلة كافية، والتحقق من صحة الاعتراف، وعدم اعتبار السكوت أو الغياب وحده دليلاً على الإدانة.

**خامساً: الإعلان**

تنظيم طريقة إعلان الأمر إلى المتهم، وتحديد البيانات التي يجب أن يتضمنها.

**سادساً: الاعتراض**

تقرير حق المتهم في الاعتراض، وتحديد الجهة التي يقدم إليها، والميعاد، وإجراءات نظره.

**سابعاً: أثر الاعتراض**

النص صراحة على ما إذا كان الاعتراض يوقف التنفيذ، وعلى الآثار المترتبة على إعادة نظر الدعوى.

**ثامناً: حقوق المجني عليه**

تحديد مركز المجني عليه والمدعي بالحقوق المدنية، وضمان عدم إهدار حقوقهما.

**تاسعاً: استبعاد الجرائم الجسيمة**

عدم جواز استخدام هذا الطريق في الجرائم التي تتطلب محاكمة كاملة وضمانات موسعة.

**عاشراً: التسبيب والرقابة**

إلزام الجهة المختصة بتسبيب الأمر، وتوفير الرقابة القضائية على مشروعيته.

# الخاتمة الكبرى

إن الأمر الجنائي ليس مجرد وسيلة لتوفير الوقت، ولا مجرد إجراء لتخفيف ازدحام المحاكم، وإنما هو نظام إجرائي يمس التوازن الدقيق بين سلطة الدولة في العقاب وحقوق الإنسان في الدفاع والمحاكمة العادلة.

وإذا كانت سرعة العدالة مطلباً مشروعاً، فإن مشروعيتها لا تتحقق إلا من خلال احترام القانون.

فليس كل أمر يصدر عن جهة قضائية حكماً، وليس كل قرار يتضمن غرامة أمراً جنائياً، وليس كل اعتراف تفويضاً للنيابة العامة في توقيع العقوبة.

إنما العبرة بمصدر الاختصاص، وطبيعة التصرف، والنص الذي أجاز إصداره، والضمانات التي أحاطت به، والآثار التي رتبها المشرع عليه.

وتظل القاعدة التي ينبغي أن تستقر في وجدان القاضي والباحث والمحامي أن العدالة لا تقوم على سرعة الإجراء وحدها، وإنما على سلامة الطريق الذي يسلكه الإجراء للوصول إلى الحق.

فالقضاء لا يستمد سلطته من تسمية الأوراق، والنيابة لا تستمد اختصاص الحكم من اختصاص الاتهام، والمتهم لا يفقد حقوقه لمجرد اعترافه، والمجني عليه لا يفقد حقه في الرقابة على القرارات التي تمس مركزه القانوني.

**إن الاختصاص هو أساس التصرف، والمشروعية هي شرط صحته، والدفاع ضمانة سلامته، والحجية أثره، والقوة التنفيذية نتيجته القانونية.**

ولا يجوز قلب هذه المراتب أو تجاوز إحداها للوصول إلى الأخرى.

## النتائج النهائية للدراسة

| المسألة | الأساس القانوني أو النتيجة |
|---|---|
| ورود الأمر الجزائي | المادة (40) |
| الإجراءات الموجزة | المادتان (301) و(302) |
| سلطة النيابة العامة في تحريك الدعوى | المادة (21) |
| أصل البراءة | المادة (4) |
| حق الدفاع | المادة (9) |
| الأمر بألا وجه | المادة (218) |
| العودة إلى التحقيق | المادة (219) |
| قرار الإحالة | المادة (221) |
| الطعن في الأمر بألا وجه | المادة (224) |
| الطعن في الحبس ومسائل الاختصاص | المادة (225) |
| الطعن في أمر الإفراج | المادة (226) |
| مواعيد الطعن | المادة (227) |
| الفصل في الطعن | المادة (228) |
| البطلان الإجرائي | المادة (396) |
| البطلان المتعلق بالنظام العام | المادة (397) |

## المراجع التشريعية والفقهية

1. قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم (13) لسنة 1994م.
2. قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994م.
3. قانون الإجراءات الجنائية المصري، الأحكام المنظمة للأمر الجنائي والإجراءات الموجزة.
4. الفقه الإسلامي في أحكام القضاء والصلح والإقرار والقصاص والدية والأرش.
5. المؤلفات الفقهية في نظرية الدعوى الجزائية، والاختصاص القضائي، وضمانات المحاكمة، وطرق الطعن.

**إعداد وتأصيل وتحليل: المستشار والباحث مختار راجح**

**منهج الدراسة:** التأصيل التشريعي، والتحليل الإجرائي، والمقارنة الفقهية والقضائية، واستخلاص القواعد، وابداء الراي